ماذا نعرف عن المسلمين في أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان؟

التاريخ: 14 يونيو، 2017 الكاتب:

تعتبر إندونيسيا دولة علمانية طبقًا للدستور، لكنَّ الحكومة تعترف رسميًّا بستة أديان فقط، بينها الإسلام وهو الدين السائد في البلاد. وتتميز إندونيسيا أيضًا بأنها الدولة التي تحتوي على أكبر عدد من المسلمين في العالم، وهي أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة من حيث عدد السكان، إذ يبلغ عدد المسلمين حوالي 202.9 مليون مسلم (87.2% من إجمالي سكان إندونيسيا).

واستنادًا إلى الإحصاءات الديموغرافية، فإن 99% من المسلمين الإندونيسيين يتبعون أساسًا المدرسة الشافعية من الفقه السني، على الرغم من أنه عند سؤالهم عن مذهبهم الفقهي قال 56% منهم إنهم لا يلتزمون بأي طائفة محددة. هناك حوالي مليون من الشيعة يمثلون 0.5% من إجمالي المسلمين في إندونيسيا، وهم يتمركَّزون حول العاصمة جاكرتا، بالإضافة إلى حوالي 400 ألف مسلم أحمدي.

بشكل عام، يمكن تصنيف المسلمين في إندونيسيا إلى تيارين رئيسيين: التيار الأول هم «الحداثيون» الذين يتقيدون بشكل وثيق بالتعاليم الدينية، لكنهم يتبنون التعليم الحديث، والتيار الثاني هم «التقليديون»، الذين يميلون إلى اتباع تفسيرات الزعماء الدينيين المحليين، والمعلمين الدينيين في المدارس الإسلامية.

كيف وصل الإسلام لإندونيسيا؟

تاريخ وصول الإسلام وانتشاره في إندونيسيا غير واضح تمامًا. تقول إحدى النظريات إنَّه وصل مباشرةً من شبه الجزيرة العربية قبل القرن التاسع، في حين أن هناك نظريات عن إحضار التجار الصوفيين الإسلام إلى الجزر الإندونيسية في القرن الثاني عشر أو الثالث عشر، سواء من منطقة غوجارات في الهند أو مباشرة من الشرق الأوسط.

وقبل وصول الإسلام، كانت الديانات المهيمنة في إندونيسيا هي البوذية والهندوسية. في البداية، كان انتشار الإسلام بطيئًا وتدريجيًّا. على الرغم من أن الوثائق التاريخية غير مكتملة، إلا أن الأدلة المحدودة تشير إلى أن انتشار الإسلام تسارع في القرن الخامس عشر، حين سيطرت السلطة العسكرية لسلطنة ملقا في ماليزيا وغيرها من السلاطين الإسلامية على المنطقة بمساعدة حوادث متتابعة من الانقلابات الإسلامية، مثلما حدث عام 1446، والحروب والسيطرة على التجارة البحرية والأسواق النهائية.

في الوقت الذي بدأ التجار الأوروبيون مثل التجار البرتغاليين والهولنديين تداول تجارتهم بنشاط في إندونيسيا خلال القرن السادس عشر، انقرضت البوذية والهندوسية في الجزر الرئيسية في إندونيسيا، باستثناء جيوب صغيرة، مثل جزيرة بالي التي أصبحت ملاذًا للهندوس من الجزر الإندونيسية الأخرى بعد حرب السلطنة والهندوس في القرن الخامس عشر.

وظلت الجزر الشرقية لإندونيسيا إلى حد كبير محصنة حتى القرن السابع عشر، والثامن عشر عندما أصبحت المسيحية هي السائدة في تلك المناطق.
كان انتشار الإسلام مدفوعًا في البداية بزيادة الروابط التجارية خارج أرخبيل الجزر الإندونيسية. وكان التجار والملوك من الممالك الرئيسية عادة أول من تحول إلى الإسلام. وشملت الممالك المهيمنة كلًّا من «ماتارام» في جاوة الوسطى، وسلطنة «تيرنيت وتيدور» في جزر مالوكو إلى الشرق.

وبحلول نهاية القرن الثالث عشر، كان الإسلام قد انتشر في شمال سومطرة. وفي القرن الرابع عشر انتشر في شمال شرق مالايا، وبروناي، وجنوب الفلبين، وبين بعض حراس جاوة الشرقية. وفي القرن الخامس عشر انتشر الإسلام في ملقا وغيرها من المناطق في شبه جزيرة الملايو. وعلى الرغم من أنه من المعروف أن انتشار الإسلام بدأ غرب الأرخبيل، فإن الأدلة المجزأة لا تشير إلى موجة متجددة من التحول عبر المناطق المتاخمة؛ بل إنها تقترح أن العملية كانت معقدة وبطيئة.

على الرغم من أن عملية التحول للإسلام هي واحدة من أهم التطورات في التاريخ الإندونيسي، إلا أنّ الأدلة التاريخية حولها مجزأة وغير مفهومة عمومًا؛ مما جعل المعلومات حول مجيء الإسلام إلى إندونيسيا محدودة. وهناك نقاش كبير بين العلماء حول الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها حول تحول الشعب الإندونيسي للإسلام.

إن الأدلة الأولية، على الأقل في المراحل الأولى من عملية التحول، هي شواهد قليلة لبعض المسافرين، ولكن يمكن لهذه الشواهد أن تظهر لنا أن المسلمين من السكان الأصليين كانوا موجودين في مكان معين خلال وقت معين. ولا يمكن لهذه الأدلة أن تفسر مسائل أكثر تعقيدًا مثل كيفية تأثر أنماط الحياة بالدين الجديد، أو مدى تأثيرها العميق في المجتمعات. ولا يمكن الافتراض، على سبيل المثال، أنه كان من المعروف أن الحاكم مسلم، وأن عملية إضفاء الصبغة الإسلامية على تلك المنطقة كانت كاملة؛ بل كانت العملية، وما تزال حتى يومنا هذا، مستمرة في إندونيسيا.

ومع ذلك، حدثت نقطة تحول واضحة عندما سقطت الإمبراطورية الهندوسية «ماجاباهيت» في جاوة بأيدي سلطنة ديماك الإسلامية. وفي عام 1527، أعاد الحاكم المسلم تسمية «سوندا كيلابا» على أنها جاياكارتا (بمعنى النصر الثمين)، وهو الاسم الذي وصل في نهاية المطاف إلى جاكرتا. وازداد الاندماج بسرعة في أعقاب هذا الفتح.

الاستعمار والاستقلال

دخل الهولنديون المنطقة في القرن السابع عشر بسبب ثروتها المربحة التي أنشئت من خلال الموارد الطبيعية والتجارة في المنطقة. وتعرف جزر مالوكو في الأرخبيل الإندونيسي باسم «جزر التوابل»، نسبةً للتوابل الطبيعية في البلاد، بما في ذلك جوزة الطيب والفلفل والقرنفل، فقد كانت ذات قيمة كبيرة. وتشمل مواد التجارة الأخرى في المنطقة كلًّا من خشب الصندل، والمطاط، وخشب الساج.

وعلى الرغم من أن دخول هولندا إندونيسيا أدى إلى احتكار مواني التجارة المركزية، من خلال مواني تجارية مغلقة، فقد ساعد ذلك على انتشار الإسلام، حيث انتقل التجار المسلمون المحليون إلى المواني الأصغر حجمًا، حيث أقاموا الإسلام في المحافظات الأكثر ريفية في المنطقة.

في بداية القرن العشرين أصبح الإسلام رايةً لمقاومة الاستعمار، وكانت هناك خطوة، مستوحاة من العالم الإسلامي «محمد عبده»، للعودة إلى الكتاب الأصلي للدين. هذه الحركة بنت المدارس التي ضمت منهجًا إسلاميًّا وعلمانيًّا، وكانت فريدة من نوعها؛ إذ إنها دربت النساء ليصبحن واعظات للنساء. وبسبب أنشطة الإصلاحيين وردود فعل خصومهم، أصبح المجتمع الإندونيسي أكثر تنظيمًا على طول الطائفية الدينية.
لعب علماء «مينانغكاباو» دورًا مهمًا في حركة الإصلاح المبكر. في عام 1906، نشر طاهر بن جلال الدين صحيفة الإيمان، وهي صحيفة الملايو في سنغافورة. وبعد خمس سنوات، تبعها نشر صحيفة المنير في بادانج. في القرن العشرين، نشأت المدرسة الإسلامية الحديثة في سومطرة الغربية، مثل مدارس أدابياه (1909)، ودينياه بوتري (1911)، وسومطرة ثواليب (1915). في وقتٍ لاحق، تطورت الحركة الإسلامية في جاوة مع ولادة حركة نو والمحمدية.

عندما أعلنت إندونيسيا الاستقلال في عام 1945، أصبحت ثاني أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة في العالم. وبعد انفصال بنغلاديش عن باكستان في عام 1971، برزت إندونيسيا باعتبارها أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة في العالم. بعد الاستقلال كان هناك جدل كبير حول دور الإسلام في السياسة؛ وتسبب ذلك في توترات هائلة. في نهاية المطاف، اعتمدت إندونيسيا قانونًا مدنيًّا بدلًا من القانون الإسلامي.

في سنوات النظام الجديد (رئاسة سوهارتو)، كان هناك تكثيف للمعتقدات الدينية بين المسلمين. وفي ظل نظام سوهارتو، أجبرت جميع الأحزاب الإسلامية على التوحد في ظل حزب إسلامي واحد، تحت إشراف الحكومة، وهو حزب الوحدة والتنمية أو حزب الشعب الباكستاني. ومع استقالة سوهارتو في عام 1998، انهار الهيكل الذي «قمع الدين والمجتمع».

في الوقت الراهن أصبح المسلمون ممثلين تمثيلًا كاملًا في البرلمان المنتخب ديمقراطيًّا. غير أن بعض النقاد يؤكدون أن هذا أدى إلى نشوء جماعات متطرفة مثل جبهة المدافعين الإسلاميين، وجسكار الجهادية، والجماعة الإسلامية. أبو بكر بشير هو مثال على زعيم متطرف، منفي من إندونيسيا تحت حكم سوهارتو، والذي عاد لإعادة إنشاء قاعدة دعم له بعد وفاة سوهارتو.

توزيع المسلمين

يشكل المسلمون أغلبيةً في معظم مناطق جاوة، وسومطرة، ونوسا تينجارا الغربية، وسولاويسي، والمناطق الساحلية في كاليمانتان، وشمال مالوكو. ويشكل المسلمون أقليات متميزة في بابوا، وبالي، وشرق نوسا تينجارا، وأجزاء من سومطرة الشمالية، ومعظم المناطق الداخلية في كاليمانتان، وسولاويسي الشمالية. وتشكل هذه المناطق غير الإسلامية مجتمعة أكثر من ثلث إندونيسيا، قبل مجهود الهجرة الواسع النطاق الذي رعته حكومة سوهارتو، والهجرة الداخلية العفوية الأخيرة.
وقد غيرت الهجرة الداخلية التركيبة الديموغرافية للبلد على مدى العقود الثلاثة الماضية. وقد زادت النسبة المئوية للمسلمين في الأجزاء الشرقية المسيحية من البلاد. وبحلول أوائل التسعينات، أصبح المسيحيون أقليةً للمرة الأولى في بعض مناطق جزر مالوكو. وفي حين أن الهجرة التي ترعاها الحكومة من جاوة ومادورا المكتظة بالسكان إلى المناطق الأقل اكتظاظًا ساهمت في زيادة عدد السكان المسلمين في مناطق إعادة التوطين، لكن لا يوجد دليل على أن الحكومة تعتزم إنشاء أغلبية مسلمة في المناطق المسيحية، ويبدو أن معظم المهاجرين المسلمين هاجروا بالفعل بشكل عفوي.

وبغض النظر عن نواياها، فإن العواقب الاقتصادية والسياسية لسياسة الهجرة قد أسهمت في نشوب نزاعات دينية في مالوكو، وسولاويزي الوسطى، وبدرجة أقل في بابوا.

المسلمون الآن

إلى حد كبير، فإن الاختلافات الهائلة في ممارسة وتفسير الإسلام – في شكل أقل تقلبًا بكثير من تلك التي تمارس في المجتمعات العربية- تعكس نمط الحياة في جزر إندونيسيا. في وقت وصول الإسلام إلى إندونيسيا وبدايات انتشاره، اعتبر الإندونيسيون التبني التدريجي للإسلام على أنه تهديد من قبل القوى الحاكمة. اعتمدت مدن المواني الإسلام، وهو ما تسبب في تقويض القوة الهزيلة للمملكة الهندوسية الجاوية ماجاباهيت في القرن السادس عشر. وقد فر الحكام الجاويون في نهاية المطاف إلى بالي، حيث مارس أكثر من 2.5 مليون إندونيسي نسختهم الخاصة للهندوسية.

وقد نشأت توترات بين الحين والآخر بين المسلمين والأديان المحلية، وهذه التوترات بقيت واضحة حتى أوائل التسعينات.

ووصف الأشخاص الذين أزالوا أنفسهم من العالم العلماني للتركيز على العبادة وأنشطة المدارس الإسلامية باسم بيسانترن. وعلى النقيض من هذا التيار المتأثر بالتيار الديني في مكة، كان هناك تيار آخر يسمى «الكباتينان»، وهو مزيج من معتقدات المذاهب: الروحية والهندوسية البوذية والإسلامية، وخاصة الصوفية. هذا التنظيم الفضفاض بشكل مفرط من الفكر والممارسة جرى الاعتراف به في دستور عام 1945.
وفي عام 1973، اعتبر الرئيس سوهارتو نفسه واحدًا من أتباع هذا المذهب. «الكباتينان» أو «كيبركايان» ليس لديهم نبي معين، ولا كتاب مقدس، ولا مهرجانات دينية وطقوس مميزة؛ بل له علاقة أكثر بالرؤية المتسقة الداخلية المتسامية والمعتقدات في علاقاتهم مع الكائن الأعلى. ونتيجة لذلك يمكنهم التعريف عن أنفسهم باعتبار ديانتهم واحدة من ست ديانات معترف بها رسميًّا، على الأقل في بطاقة هويتهم، مع الحفاظ على اعتقادهم وطريقة حياتهم.

وهناك رؤية أخرى بارزة تتمثل في التقسيم بين الإسلام التقليدي، والحديث. كانت طبيعة هذه الاختلافات معقدة ومربكة، ومسألة جدل كبير في أوائل التسعينات، ولكن التقليديين رفضوا عمومًا اهتمام الحداثيين باستيعاب المبادئ التعليمية والتنظيمية من الغرب. على وجه التحديد، كان التقليديون يرتابون من الحداثيين في دعمهم المدرسة الحضرية، وهي مدرسة إصلاحية تضمنت تدريس الموضوعات العلمانية. كما سعى التقليديون لإضافة شرط إلى المبدأ الأول من أيديولوجية الدولة التي تتطلب – في الواقع- من جميع المسلمين التمسك الشريعة.

وقد تكون هذه الانقسامات قد أضعفت المسلمين بوصفهم كيانًا سياسيًّا منظمًا، كما يتضح من انسحاب النهضة العلمانية من المنافسة السياسية النشطة، ولكن باعتبارهم قوة دينية شعبية أظهر المسلمون علامات صحية جيدة، وقدرة على تأطير المناقشات الوطنية.

كما أن ارتفاع معدل عمالة المرأة هو فرق مهم بين الثقافات الإندونيسية، وثقافات الشرق الأوسط.
بعض الأعياد الإسلامية والمسيحية والهندوسية والبوذية هي أيام عطل وطنية. وتشمل الأعياد المقدسة التي يحتفلون بها كلًّا من الإسراء والمعراج، وعيد الفطر، وعيد الأضحى، والسنة الإسلامية الجديدة، وعيد ميلاد النبي محمد. والأعياد المسيحية الوطنية هي عيد الميلاد، والجمعة العظيمة، وعيد العنصرة، وعيد الفصح وصعود المسيح. وهناك ثلاث عطلات وطنية أخرى هي عطلة الهندوس نييبي، وعطلة ويساك البوذية، والسنة الصينية الجديدة، التي يحتفل بها الكونفوشيوسيون والصينيون الآخرون. في بالي جميع الأيام المقدسة الهندوسية هي عطل إقليمية، والموظفون الحكوميون وغيرهم لا يعملون خلالها.

علاء الدين سيد - ساسة بوست