عام من التغريبة

التاريخ: 15 نوفمبر، 2017 الكاتب: مصعب فؤاد

طالب ومعتقل سياسي

حاولت مجتهداً في إقناع قلمي بأن يخطّ ما حدث معي، وأن يصوره بقدر المستطاع، وألا يذهب إلى الخيال مطلقاً؛ لأنه على دراية بغرائب الأحداث ما يكفي، وهناك بعض الأشياء التي سيحتفظ بها لنفسه، ليس لأنها أصبحت فى تعداد النسيان، ولكن لشيء ما، داخل زنزانة صغيرة جداً أشبه بالمقبرة، وبها موتى كُثر فهم في عداد الأموات، فقد كان العرب يعتبرون الأسرى أمواتاً، ففي هذا المكان لا هواء ولا ضياء، فكل منا له مكان على الأرض، عرضه 40 سم يسمى لغة عالمنا "نمرة" يسير يومي بشكل ما اعتدته، حتى جاء المساء وأدلفت لنوم عميق فرأيت في منامي أنني أحدث الناس عن الحرية، حرية الرأي، ولا بد من عدم الاستسلام لمن يقمع حرياتنا.

وأخبرتهم أيضاً عن السلطة الوحشية التي لا تترك رأياً يخالفها إلا وألجمته، وقديماً قالوا: "إن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية"، ولكن في بلادي "إن الخلاف في الرأي يجعلك تتهم في ألف قضية"، فاستيقظت من نومي على صوت زلزال وهزات في الأرضية، ورائحة تكاد تخنقني، عندما استنشقتها علمت أنه غاز مسيل للدموع، فقاموا بمناداتي، وقبل أن أجيب، هجموا بجنود لا قِبَل لي بها فوجدت نفسي مصفد اليدين من الخلف ولو حشدت هذه الجيوش لتحرير الأقصى لكان أولى، ولكن ختم على قلوبهم، فزجّوا بي داخل صفين لم أرَ نهايتهما، كل من يقف يرفع عصاه؛ لتهبط على جسدى لتفتك بي.

مر الوقت كسنين عديدة، حتى انتهيت من السير بين الصفين، ولم تنتهِ أفكاري يوماً ما، لم أشعر بأي شيء في جسدي، فبالكاد أستطيع السير لأجد نفسي أمام عربة زرقاء اللون، وقاموا بالزج بي داخلها.

وجاءوا بآخرين بنفس الطريقة ذاتها، عندما دخلتها وجدتها مليئة بإحدى مواد الاشتعال، وجاء أحدهم وقام بفك الكلابش من الخلف إلى الأمام، فتبادر إلى ذهني لماذا وضعوا مواد الاشتعال في هذه العربة؟!

فهل يا تُرى سيشعلون النار بنا؟! ولماذا يفعلون معنا هكذا؟! فهل كل هذا من أجل أنني أحلم بالحرية؟! أم أن الأحلام في عالمي أصبحت جناية؟! دار محرك السيارة العتيقة واهتزت معها العربة معلنة عن انطلاقها نحو المجهول.

أجسادنا أصبحت قصص ابتلاء تكاد تتمزق من شدة التعذيب، فما أصعب أن يكون الإنسان حراً وما أقسى تبعات ذلك، لكنني حر بالمعنى الحقيقي رغم كل هذه القضبان؛ لأنني حتى هذه اللحظة لم أحدث نفسي بأن أخوض مع الخائضين، ألم يكفِ هؤلاء أنهم حرمونا من حريتنا وأهلنا وأحبابنا يطاردوننا فى أحلامنا.

مر علينا أكثر من سبع ساعات تقريباً ونحن بداخلها نستنشق الأكسجين مخلوطاً بمواد الاشتعال، حتى استقرت بنا العربة، فحاولت الوقوف لأنظر عبر الفوهة الموجودة بالداخل وكانت مغطاة بالأسلاك؛ لأرى أناساً يرتدون لباساً أسود لا يرى من خلفه إلا عيونهم، وأسمع أصوات صياحهم تكاد تهتز العربة منها.

فُتح باب العربة ولم أرَ وجه الذي جاء، رأيت فقط جسده الطويل ويقوم بجذبنا واحداً تلو الآخر، ويدفعه إلى الأمام لكي ينزل، وجاء دوري ليقوم بدفعي، حتى إنني لم أستطِع النزول على قدمي، فاضطرت ركبتي على حملي وبدأنا السير داخل صفين، أو كما يسمى لدينا (دخلة / تشريفة / حفلة)، اختلفت المسميات، لكن هدفها واحد، وهو انتزاع كرامتنا وإيماننا بداخلنا، ولكن هيهات.

أصبحت أجسادنا تتلقى الضربة تلو الضربة، ما بين قدم ويد وعصي، وبعدها عبرت باباً حديدياً صغيراً لأجد من يرميني على الأرض، ويبدأ في صعقي بالكهرباء، ويصيح: (ازحف يا ابن الـ....)، كل هذا وأنا مكبّل اليدين، فأصبحت أتذوق ألواناً من العذاب، وأسير داخل ممرات، ولكن ليس على قدمي، فقد تعلمت السير على بطني حتى دخلت إحدى الزنازين؛ ليقوموا بنزع ملابسنا وتشغيل المراوح، لم يتركونا اللهم إلا من شورت يغطي عوراتنا، ولم تخلُ مسامعنا من السباب والشتائم الكثيرة.

ظللت أتذوق أصنافاً من التعذيب لمدة لم أعرف وقتها، كل ما أعرفه أنني عندما دخلت إحدى الزنازين، سمعت أذان الفجر يدوّي في سكون الليل، والمؤذن يصدح: "الله أكبر"، فكأن هذه الكلمة جاءتني في موعدها لأستعلي بها على ما أجد، فالله أكبر من عذابهم، والله أكبر من قيودهم، والله أكبر من سجونهم.

وجاء الظلام وأعطوني (بطانية ـ بدلة زرقاء مدون عليها نزيل)، أصبحت لا أعرف هل أقوم بوضع البطانية على الأرض؛ لعلها تقيني من شدة البرد أم أستعملها كغطاء، لكن أخذت حلاً وسطاً، فقمت بوضع نصفها تحتي والآخر فوقي كي أستطيع النوم.

استيقظت على صوت المفاتيح قبل أن تسكن في الباب وتفتحه لأجد هجوماً علينا بالأقدام، فاستقرت إحدى الأقدام في صدري، وكانوا يصيحون: (اقفوا يا ولاد دين الـ...)، ظللنا على هذه الحال لمدة ثلاثة أيام تقريباً، لم أذُق نوماً ولا أعرف فيها وقتاً ولا تاريخاً.

وفي هذه الأيام يجلس أبي أمام إحدى الشاشات بعدما سمع بما حدث لولده في هذا العالم الذي سكنه منذ زمن؛ لكونه أحد الرافضين للقمع والمطالبين بالحرية، فأصبح مصيره هكذا؛ حتى وجد اسم ولده بين هؤلاء المغتربين؛ فذهب مسرعاً إلى مكاني المذكور، ذهب يحمل معه الأمل ليعود حاملاً الصبر، ظل يبحث ويبحث لعله يعلم طريق ابنه، وبعد أسبوع علم بمكاني وجاءني.

جاءني أحدهم يخبرني بأنني لدي زيارة، فخرجت في الحال فأنا لا أملك ما أرتديه، وقبل قاعة الزيارة، جاءوا وأعطوني حذاءً؛ كي أظهر بشكل ما أمام أسرتي، عندما دخلت قاعة الزيارة وجدته يناديني فالتفت ناحية هذا الصوت وابتسمت له، وهنا وقفت ابتسامتي في امتناع وحدثتني نفسي الضعيفة، كيف لك أن تبتسم وأنت بك كل هذا، ولكنها أبت إلا أن تخرج فقالت: أعتذر إليك أيها الجسد، فأنت أقوى مني فلقد امتنعت تضامناً معك لما حل بك من آلام، لكنني أخطأت وسأتفاعل معك، لقد لقنتني درساً جميلاً وخرجت ابتسامتي تستقبل أسرتي، فعندما وصلت لأبي قبّلت يده، وقال لي: (في ميزان حسناتك إن شاء الله)، فقد كان سندي الذي أستمد العزم منه، وفعلت كذلك مع أمي، وجلست معهم بعض الوقت حتى انتهت الزيارة، فإلى من فعلوا بنا هكذا، ألم يدُر في خلدكم يوماً بأن الفضاءات المطلقة تبدأ من الجحور الضيقة، فهناك تصنع الحياة، ويعاد ترتيب كل شيء كما كان.

إن التربية الرجولية لا تتم عن طريق الرخاوة والميوعة، وإنما تتم من خلال المِحَن والشدائد.
لكنني ما زلت أترعرع في هذا العالم وأنتظر أن توقظني الشمس بعد ليل العذاب المعتم؛ ليكون شاهداً على أننا أحياء.. على أننا لم نمُت.