أحكام قضاء المنشد تتنافى مع مقاصد الشريعة في العقوبات (الحلقة الأولى)

التاريخ: 6 نوفمبر، 2017 الكاتب: د. تيسير رجب التميمي

القضاء في فلسطين قسمان، القسم الأول هو القضاء الرسمي: وهو إحدى السلطات الثلاث التي يقوم عليها نظام الدولة (التشريعية والقضائية والتنفيذية)، وهو يقوم على أسس ومبادئ مستمدة من الدستور والتشريعات والقوانين الصادرة عن المجلس التشريعي.

     يستند القضاء الرسمي في إصدار أحكامه وإنفاذها إلى قوانين مكتوبة ملزمة للقضاة، وهذه القوانين تتغير وتتطور من حين لآخر، وتتغير مرجعياتها التي تستمد منها الأحكام بتغير أنواع القضاء، وبتغير اختصاصاته:

أـــ فالقضاء الشرعي مرجعيته الوحيدة الشريعة الإسلامية، لأنه يختص في المسائل الشرعية والأحوال الشخصية للمسلمين ويشمل قضايا الأوقاف والديات أيضاً، وعندنا في فلسطين يستمد القضاء الشرعي أحكامه التي لم ينص عليها القانون من الراجح من مذهب أبي حنيفة النعمان

     ومثله القضاء الكنسي لغير المسلمين، وله ذات الاختصاص، ولكل طائفة مرجعيتها الدينية الخاصة بها.

ب ـــ أما القضاء النظامي المدني فالشريعة الإسلامية أهم مرجعياته، لكن له مصادر أخرى مثل القوانين المقتبسة من الدول العربية والدول الغربية وغيرها، واختصاصاته كل ما عدا اختصاصات القضاء الشرعي.

ت ـــ وهناك القضاء العسكري الذي له اختصاصاته الأخرى ومرجعياته المحددة.

والقسم الثاني هو القضاء العشائري: وهو سلطة يمارسها المجتمع منذ عدة قرون؛ حيث كان موجوداً قبل الإسلام الذي حجَّمه وألغى كثيراً من أحكامه لتنافيها مع العدالة والحق، وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أدوار فيه قبل النبوة والرسالة كقصة التحكيم في وضع الحجر الأسود.

     وللقضاء العشائري اختصاصات ودرجات، وله قواعد ومبادئ وإجراءات وأحكام يحفظها ويعرفها أربابه المتخصصون فيه، ويستندون فيها إلى العادات والعرف الثابت غير المكتوب الذي توارثوه أباً عن جد على مرّ الأجيال. أما من حيث المرجعية فالنزر اليسير من أحكام القضاء العشائري مستمدة من الشريعة الإسلامية، لكن جلها مستمدة من الموروث الثقافي المستند إلى العادات والتقاليد التي نشأ وتربى عليها أفراد المجتمع.

     يسود القضاء العشائري في فلسطين وفي معظم المجتمعات العربية إلى جانب القضاء الرسمي، وعلى الرغم من الفارق بينهما في الأسانيد والمرجعيات ومضمون الأحكام وآلية الإجراءات إلا أنهما يسهمان معاً في حماية المجتمع من الجرائم والتمزق والانهيار، وفي صيانة دماء الناس وأعراضهم وأموالهم وممتلكاتهم من العدوان، وفي حفظ قوة وتماسك النسيج الاجتماعي بين الناس في الوطن الواحد.

     وهناك تفاوت واضح في قبول كل منهما في المجتمع، ففي بعض القضايا لا يلجأ كثير من الناس إلى القضاء الرسمي لاعتقادهم بافتقاره إلى العدالة؛ بل يتخذونه وراءهم ظِهْرِيَّاً ويلجأون إلى القضاء العشائري، ويرون أنه أكثر ردعاً من القضاء الرسمي كما في قضايا القتل والثأر والاعتداء على الأعراض، وأذكر في الثمانينات من القرن الماضي حادثة مروّعة تدل على ذلك، ففي قضية من قضايا القتل التي كانت تُنْظَر في محكمة الخليل، أقدم شخص من أحد طرفي القضية على ارتكاب جريمةٍ جديدة قتل فيها شخصيْن من الطرف الآخر على سلم المحكمة.

     وفي قضايا أخرى يلجأ الناس إلى القضاء الرسمي كحوادث السير وقضايا المعاملات والأحوال الشخصية والمواريث، مع الحرص في معظم هذه الوقائع على دور القضاء العشائري أيضاً جنباً إلى جنب في إجراء المصالحة بين الطرفين المتداعيَيْن للقضاء على القطيعة والضغائن الدفينة.

      ومن أكثر القضايا التي يختص بها القضاء العشائري ويتعامل معها قضايا الدم والاعتداء على النفس وما دون النفس (الجروح وغيرها) سواء فيها القتل العمد والقتل الخطأ والقتل بهدف الثأر، ثم تأتي بعدها قضايا العرض والشرف على تنوعها واختلافها، ثم الاعتداء على الحُرُمات كاقتحام البيوت والاعتداء على الأموال والممتلكات وغيرها.

    والأصل بمسألة القضاء في الخصومات بين الناس قبول المتقاضِين كلمة الحق وحكم العدل، فهي أمان الخائفين وملاذ المظلومين، وطمأنينة نفوس التائقين إلى تحصيل حقوقهم، وهذا من أعظم أهداف الرسالات السماوية كافة، قال سبحانه وتعالى { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ…} الحديد 25

     بين الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم تعاليم هذا الدين العظيم وجزئياته على وجه العموم والإجمال، وفصَّل معظَمَها رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم في السنة النبوية المشرفة، فجاءت الشريعة الإسلامية كاملة لا نقص فيها ولا خطأ، وتامة بنعمة الله لا تفتقر إلى التعقيب عليها ولا التعديل لها ولا التغيير فيها، قال تعالى {…الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً} التوبة 3، فقد عالج الإسلام كل ما يحتاجه الإنسان في دينه ودنياه، ووضحتْ أحكامُه الشرعية كيفية إدارة شؤونه وجوانب حياته.

     إلاَّ أن عدم تطبيق الشريعة الإسلامية في المجتمع، وتأخير أحكامها وتعطيلها أوجد فراغاً كبيراً، فتقدم القضاء العشائري بقوة وفرض نفسه وسد هذا الفراغ ـــ كما هو ملاحظ ـــ، ولأنه يحظى لغاية اليوم باحترام وقبول المجتمع فإن الناس يلجأون إليه لتسوية خصوماتهم، وبالأخص أنه يمتاز عن القضاء الرسمي بسهولة الإجراءات وسرعة البت في القضايا، وبفض النزاعات ومعالجة آثارها، وبالقضاء على الأحقاد والبغضاء بالصلح بين الخصوم حيث تنتهي الخلافات مادياً ومعنوياً وتصفو القلوب وتطيب النفوس، ويمتاز أيضاً بتوفير درجة عالية من الحماية والأمن للمتخاصمين بوجود الكفلاء العشائريين؛ كما إنه يوقف التعديات والمشاكل المشتعلة بشكل سريع قد يعجز عنه القضاء النظامي بمفرده.  

      لذا فقد نجح القضاء العشائري في حل كثير من القضايا المعقدة كالقتل والاعتداء على العرض والقيم الأدبية والأخلاقية، لكن هذا لا يعني عدم وجود سلبيات له، فعلى الرغم من نماذجه الإيجابية؛ إلا أن هناك نماذج سلبية في مقدمتها مخالفة كثير من أحكامه للشريعة، واشتغال بعض الأشخاص من غير المختصين فيه، مما أشعر بعض الناس الذين لجأوا إليه بالحَيْف وضياع الحق.

     لذا فهو ليس بديلاً عن شرع الله، لأنه يفتقر إلى المَأْسَسَة والقَوْنَنَة من حيث المرجعيات والأحكام، ولأن كثيراً من أحكامه لا تخضع للضوابط، بل يستند جُلُّها إلى العرف المتوارث عن أرباب هذا القضاء الذين تلقّوْه مشافهة ومُدارسةً وتطبيقاً أباً عن جد وجيلاً عن جيل. وصحيح أن العرف هو مصدر تشريع في ديننا الحنيف لكن لا بد من توافر عدة شروط للأخذ به، من أبرزها ألاّ يخالف أحكام الشريعة الإسلامية،

     ومعظم الأحكام الصادرة عن القضاء العشائري بكل درجاته هي عقوبات توقَع على الجاني وعلى ذويه، وغالباً تكون لصالح المجني عليه وذويه أيضاً، وقد يعاقب الجاني أو ذووه بعدة عقوبات على الجريمة الواحدة،

     ولكن الأمر مختلف تماماً في ديننا الإسلامي الحنيف، فقد شرع الله سبحانه وتعالى العقوبات زاجرة وجابرة، وهذه هي روح الشريعة وحكمتها وغايتها، فجاءت كل أحكامها لجلب مصالح الناس وتكميلها، ودرء المفاسد عنهم وتقليلها ورفع الحرج والعَنَتِ عنهم، فالعقوبات فرضت رحمة للناس جميعاً؛ فهي للمجرمين تكفير لذنوبهم  وزجر لهم عن ارتكاب الجرائم، وهي أمان لغيرهم وحفظ لحقوقهم، وهي بذلك من أهم العوامل التي تسهم في تحقيق مقاصد الشريعة بحفظ الضرورات والحاجيات والتحسينيات التي سبق أن تناولتُها في المقاليْن السابقيْن بتحريم فورة الدم.

     وهذا من أعظم فوائد تطبيق عقوبة القصاص مثلاً بقتل القاتل، فإذا علم كل إنسان أنه لو قام بالقتل عمداً عوقب بالقتل قصاصاً لكفَّ عن القتل وارتدع، فكان في ذلك حياة له ولمن أراد قتله، قال تعالى { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة 179، وقديماً قال حكماء العرب: القتل أنفى للقتل

وللحديث بقية في الحلقة القادمة إن شاء الله..