أهمية استمرار شد الرحال إلى المسجد الأقصى

التاريخ: 17 يوليو، 2017 الكاتب: د. تيسير رجب التميمي

من سنن الله سبحانه في هذا الكون سنة الخلق والاصطفاء، قال تعالى {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} القصص 68، فقد خلق الله مخلوقات متفاوتة فخلق خلقاً من نور وخلق خلقاً من طين وخلق خلقاً من نار، واصطفى من الذين خلقهم من نور وهم الملائكة فجعلهم في الملأ الأعلى وجعل منهم سفراء ورسلاً، واصطفى من مخلوقاته جميعاً الذين خلقهم من طين وهو آدم عليه السلام أبا البشر، واصطفى من البشر الأنبياء والرسل، قال تعالى {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} الحج 75، واصطفى من الرسل أولى العزم، واصطفى منهم حبيبه محمداً صلى الله عليه وسلم ففضله على جميع الأنبياء والمرسلين، فهو إمامُ الأنبياء وإمام الأتقياء وإمامُ الأصفياء، وهو خاتمُ الأنبياء وسيدُ المرسلين وقائدُ الغر المحجلين، وهو صاحبُ الشفاعة العظمى وصاحب الحوض يوم الدين، شرح الله له صدره ورفع له ذكره ووضع عنه وزره، قال تعالى {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} الشرح 1-4.

 

     وخلق جل وعلا الأزمنة كلها واصطفى منها مواسم لبركاته ونعمائه، واصطفى منها أياماً وليالي لرحماته ونفحاته، وخلق سبحانه أيضاً الأمكنة كلها واصطفى منها ما جعله مثابة للناس وأمناً، وما تهوي إليها القلوب والأفئدة، وما فضله على غيره. ومن الأماكن المفضلة على غيرها المساجد، فالمسجد يرتبط بأهمِّ شَعيرةٍ عند المسلمين التي هي الصّلاة، وله من الأهميّةِ ما يَجعلُه يَحتلُّ مرتبة الصدارة في الدولة الإسلامية؛ حيث يَرتبطُ المسلمون بالمسجد ارتباطاً مقطوع النظير؛ إذ عليه تقوم جلُّ أمورهم الحياتية والأخروية، لدرجة أن المسجد قديماً كان مركز أية مدينة يتم استحداثها، وعمد كثير من الناس إلى الاتجاه في بناء بيوتهم إلى المساجد استوحوا ذلك من قوله تعالى {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} يونس 87، وللمسجد رسالته الروحية والعلمية، فهو بيت الله تقام فيه الصلاة، وهو جامعة للعلم والمعرفة.

 

     وعلى سنة الاصطفاء فضَّل الله تعالى ثلاثة مساجد على وجه الخصوص، قال صلى الله عليه وسلم {لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجدَ :المسجدِ الحَرامِ ومسجدِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومسجدِ الأقصى} رواه البخاري، وشد الرحل كناية عن السفر لأنه من لوازم السفر، فالسفر لهذه المساجد الثلاثة يكون للصلاة فيها وللدعاء والذكر والقراءة والاعتكاف وغيرها من الأعمال الصالحة.

 

     ففي هذا الحديث النبوي الشريف وجَّه صلى الله عليه وسلم أمته إلى فضائل المساجد الثلاثة ومزيتها على غيرها، بحيث لا يقصد موضع من المواضع ومكان من الأمكنة وبقعة من البقع لذاتها حتى تشد الرحال إليها بهدف العبادة والتقرب إلى الله تعالى إلاَّ هذه المساجد الثلاثة تشريفاً لها وتعظيماً لشأنها، ورفعاً لمكانتها وتنويهاً بقدرها، وتنبيهاً على أهمّيتها لكونها مساجد الأنبياء، وأن الله جعل فيها من الخير والبركة الشيء العظيم، قال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر موضحاً {لا ينبغي للمصلي أن يشد رحاله إلى مسجد تُبْتَغَى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا} رواه أحمد.

 

     وأما غيرها من المساجد فلا تشد الرحال إليها لذاتها بل لكونها بيوتاً لله فقط، فهي متساوية في الفضل، فلا فائدة إضافية في التعب وبذل الجهد وتحمل مشقة السفر إلى غيرها.

 

     ويكون شد الرحال إلى المسجد الحرام في مكة المكرمة لأداء فريضة الحج والعمرة وللصلاة فيه ولأنه قبلة الأمة وفيه الكعبة المشرفة، قال تعالى فيه {... وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً...} آل عمران 97، وكانت تشد الرحال إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة أثناء حياته للهجرة التي كانت واجبة على الكفاية وللصلاة فيه ولأنه المسجد الذي أسس على التقوى، قال تعالى {... لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ...} براءة 108, وشد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك في بيت المقدس فضيلةٌ واستحبابٌ وللصلاة فيه ولأنه القبلة الأولى للأمة ومسرى رسولها محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ...} الإسراء 1.

 

     ومن أعظم ميزات هذه المساجد مضاعفة أجر الصلاة فيها عن غيرها من جميع مساجد الأرض، قال صلى الله عليه وسلم {صـلاة في مسجـدي هذا خير من ألـف صـلاة فيما سـواه إلاَّ المسجد الحرام} رواه البخاري، وقال عليه السلام أيضاً {صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة} رواه احمد وصححه الألباني، وقال كذلك {فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة، وفي مسجدي هذا ألف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة} رواه البيهقي وصححه الألباني.

 

     ومن فضائل مسجد بيت المقدس ومكانته أنه أرض المحشر والمنشر، فقد {قالت ميمونة بنت سعد رضي الله عنها :يا نبي الله أفتنا في بيت المقدس، فقال :أرض المنشر والمحشر إيتوه فصلوا فيه فإن صلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه " قالت :أرأيت من لم يطق أن يتحمّل إليه أو يأتيه ؟ قال :فليهدِ إليه زيتاً؛ فإن من أهدى له كان كمن صلى فيه}. رواه أحمد.

 

     ومن فضائله أيضاً ثواب الإهلال منه بالحج أو العمرة أي الإحرام منه، قَالَتْ أم المؤمنين أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول {من أهلَّ من المسجد الأقصى بعمرة أو بحجة غفر الله له ما تقدم من ذنبه} فركبتْ أم حكيم عند ذلك الحديث إلى بيت المقدس حتى أهلت منه بعمرة، رواه أحمد، وقال أبو داود :يرحم الله وكيعاً أحرم من بيت المقدس، يعني إلى مكة، ووكيع هذا رحمه الله هو أحد تلامذة الإمام الشافعي، وقد دأب غالبية الحجاج القادمين من تركيا والعراق وبلاد الشام ومصر وكل من كان طريقه يمر بهذه البلاد على سنة سنها آباؤهم وتمسكوا بها بعدهم، وهي تقديس حجتهم، وهي عبارة تعني جمع زيارتهم مدينة القدس ومسجدها الأقصى المبارك إلى حجهم لبيت الله الحرام وزيارتهم مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فيكونون بذلك قد جمعوا شد الرحال إلى المساجد الثلاثة معاً عملاً بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

     لقد ربط رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث النبوي الشريف بين المساجد الثلاثة لغاية عظيمة ودلالة كبيرة هي أن التفريط بأي واحد منها هو تفريط فيها جميعاً، وأن ضياع أحدها ضياع للأخرى، إذن فالحديث يحمل الأمة مسؤولية حمايتها والدفاع عنها والحفاظ على هويتها العقائدية المنتسبة إلى هذه الأمة المسلمة، ويشعر المسلمين جميعهم بمسؤولية تحرير ما يقع منها تحت الاحتلال، فالتهديد لأي مسجد منها هو تهديد لها جميعاً وتوطئة للنيل منها، وزوال أحدها من أيدي المسلمين ووقوعه في أيدي غيرهم هو في حدّ ذاته تهديد للمسجدين الآخرين بل للبلاد الإسلامية بأسرها، فكلها مقدسات إسلامية واحدة للأمة الواحدة.

 

       لكل تلك النصوص والأدلة، ولهذه العلاقة الفريدة بين المساجد الثلاثة أقول :إن المسجد الأقصى المبارك أمانة في أعناق الأمة وأبنائها جميعاً، فلا تفرّطَ فيه ولا تتنازلَ عنه ولا تتقاعسَ عن حمايته والدفاع عنه وتحريره من الأسر، ولا تصمتَ أو تقفَ متفرجة مكتوفة الأيدي في مواجهة أيّ انتهاك لحرمته وتدنيس لقدسيته، بل تهبُّ أبد الدهر لنصرته واستنقاذه من قيود الأسر كلما وقع في أيدي المحتلين الغاصبين.

 

     إن شد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك وزحف مئات الآلاف من أبناء شعبنا للصلاة فيه الذي شهدناه في شهر رمضان المبارك على الرغم من قيود سلطات الاحتلال الإسرائيلية الغاشمة وإجراءاتها الظالمة يجب أن تستمر بعد رمضان ليس للشعب الفلسطيني فقط، بل للمة بكاملها غحياء لشعيرة شد الرحال إليه وتمسكاً بحقهم فيه والذود عنه أمام مخططات تهويده والمؤامرات التي تستهدف هويته وبنيانه.