أين المنظور الشامل والعادل لخلاف الحضارات؟

التاريخ: 18 أغسطس، 2017 الكاتب: د. مهنا الحبيل

كنت أقرأ في كتاب د. آلان غريش المفكر اليساري الفرنسي، خلال رحلتي -ضمن دراسة العلاقة الغربية الإسلامية- إلى مونتريال في كويبك الكندية، وكويبك ذات نظام فدرالي متصل بقيم ولغة فرنسا وديمغرافيتها ذات الأكثرية في الولاية، كتقاسم إداري وسياسي بين الإنجليز الكنديين والفرنسيين الكنديين.

دولة حديثة تتطور ديمقراطياً، وتُمثّل قمة التأمين الحقوقي للمهاجرين وتعيش رفاهاً جيداً، ونظاما حقوقيا متساويا هو من أفضل نظرائه في بلدان العالم خاصة في استمرار تقبله للاجئين، ومع ذلك هناك أحزاب في كويبك تطالب بالاستقلال، ويبدو أن مرحلة جاستن ترودو ساهمت في تراجع المطالبين بالاستقلال.

هنا مسألة التفاوت في تقدير قيم ومشاعر الناس والشعوب وطبائعهم المختلفة كمدخل لفهم نزعة النفس البشرية وفطرة اختلافها، لن أُطيل الكلام عن المشهد الحقوقي والتعايشي في كندا، فتلك قصة سنفرد لها حلقة ضمن رحلة البحث، لكن الأمر الذي شدّني -وهو مرتبط بمقدمات د. غريش الجزلة في كتابه: "الإسلام والجمهورية والعالم"، والعلاقة هنا حيث صاغ د. غريش كتابه المميز الذي يختطفك منذ صفحاته الأولى- هو رؤيتي لكويبك وهي تستقبل حاليا مهاجرين فرنسيين أصليين، للاستقرار والتوطن فيها. وفرنسا لا تزال بلدا أوروبيا متقدما وفاعلا أساسيا في رحلة التنوير الكبرى لأوروبا؛ فلماذا الرحيل؟

هناك أسباب اقتصادية وشخصية وظرفية بكل تأكيد، لكن مما لوحظ في حوارات مع المهاجرين الجدد أن التوتر السياسي -الذي تعيشه أجواء فرنسا الاجتماعية بين صعود اليمين الذي أوقفه فوز ماكرون مؤقتاً على أقل تقدير، مع استمرار تعرض فرنسا وأوروبا لأعمال إرهابية من داعش التي قد تتجدد صناعتها- أحدث أزمة ثقة في صمود فرنسا عند هذه الشريحة، وبالتالي هم يسعون لبلد حُسم فيه هذا الجدل، وتم تعزيزه قانونيا وعرفيا بين الناس.

والقاعدة الأخيرة أي عُرفياً هي المرتكز هنا، فكندا -على الأقل حالياً- يشهد زائرها إيمان غالبية الناس بكل قومياتهم وديانتهم بضرورة رفض التحريض اليميني على المختلف الآخر، وعلى الحالة الإسلامية تحديداً، ويبدو أن القانون والثقافة الفدرالية الاجتماعية الوطنية حذران من ظاهرة الإسلامفوبيا التي ضربت أوروبا، خشية من أن ستقوّض الإيمان الدستوري وسلاسة الحياة الاجتماعية.

وبالتالي فإن مسألة فوبيا مطاردة المسلمين في لباسهم وسلوكهم تُرفض بقناعة شعبية قانونية لا نستطيع تحديد نسبتها، ولكن الحزب الفائز محليا وفدراليا فيها ضمن هذه الشريحة كدلالة على شعبية هذا الطرح، حتى لا تنجّر كندا لهذا المستوى الذي انحدرت له أوروبا وأصبح يؤثر على بيئتها، فتبدأ الناس تُعاني من حملات التحريض عند وقبل كل جولة عنف، ويفقد المجتمع مناعته.

هل المسألة دقيقة لهذه الدرجة؟ ليس بالضرورة، ولكنها شاهد موجود، والتعامل الشعبي المتعدد مع هذه الثقافة حيوي جداً في كندا، ويبدو أنه منسجم وصامد، ونأمل أن يستمر بلا نهاية.

فأين سؤال د. غريش؟ كان د. غريش يركز في كتابه على قضية المفهوم الكامل لتقويم التطرف/ الإرهاب/ الكراهية، لكن عبر منظور شامل وعادل لقضايا خلاف الحضارات، ويؤكد أنه الملحد الذي لا يجد ضيماً من التفاهم مع الحالات الدينية التي يرفض الإيمان بعقائدها.

ومما أسعدني -وقبل أن أصل إلى المقطع الذي يوضح فيه د. آلان غريش علاقته بالدكتور إدوارد سعيد، حيث كنت أجهل هذا الأمر تماما- أنني وقفت في قراءتي له على نفس الروح الجدلية الصلبة، المتمسكة بتثبيت ميزان عدالة إنساني لتقويم الفلسفة أو الحضارة البشرية.

كنت أتابع القراءة بسعادة وشغف لكون روح إدوارد سعيد حاضرة مجدداً، لكن مع لغة أكثر سلاسة وتشويقا، وأيضاً عمقاً في فهم تاريخ وتراث المسلمين، فلربما كانت رحلة الأصول المسيحية واليهودية في بيئة المسلمين لدى غريش أوسع وأعمق من رحلة سعيد، مع تفاصيل فكرية مهمة لحياة المصريين في معهد غريش الوجداني ونشأة فتوته الثقافية.

ولكن من أقوى مرافعات د. غريش الفكرية هي تلك المنظومة العلمية الفكرية الموثقة، التي أسقط بها أسطورة البغي الحضاري التي روج لها الفيلسوف برنارد لويس، وليس هذا تعبيراً عاطفياً، كلّا..

لكنها تراتبية تدليلية، تُظهر كارثة النقل والفهم لدى د. لويس التي أسس عليها أيديولوجية صراع الحضارات، وكيف كان ينقل خطأً ويُفسّر خطأً، ثم تقدم نظريته للعالم الغربي وآلته العسكرية الأميركية، كتبرير لتصنيف المسلمين الدوني، وهي وثيقة أنصح كل من يشك في المفهوم الذي طرحناه عنها بأن يرجع إليها في المصدر.

 والمدخل الثقافي للكتاب كان جريمة شارلي إيبدو الإرهابية، كيف تُنظر وفقا لهذه المعادلة: المنظور الشامل والعادل لقضايا خلاف الحضارات.

لقد كانت أسئلة د. غريش المنصفة والمتتالية ضمن رده على الوزيرة الفرنسية من أصل مغربي، التي اعتبرت تحفّظ بعض الطلبة الفرنسيين على المشاركة في دقيقتي الصمت تضامنا مع ضحايا شارلي إيبدو (دون أن تتكرر وقفات التضامن مع ضحايا مسلمين، بحسب رأي الطلبة)، وغالبيتهم من أصول مسلمة حسب ما يُفهم من السياق، وموقف الوزيرة الذي اعتبرته ظاهرة خطيرة مرفوضة بالمطلق، وتحتاج أن تعالجها المؤسسة التعليمية (ردعياً).

ولم يكن الحوار هنا على إرهابية العمل ولا رفضه، ولا رفض قتل المدنيين وبشاعة ذلك، وهو ما أكده د. غريش، لكنه في سلسلة استدعاءات تاريخية وتوثيقات من السجل الغربي، الذي رفض -في حالات عديدة- استفزاز المجتمع بالطعن المباشر والاستهزاء برموزه الدينية المسيحية الكبرى، وليس النقاش أو الحوار العلمي عنها، وهو ما لم يتكرر مع الإسلام.

فلماذا لا يُعتبر احترام الرموز الدينية ثقافة تنوير ولغة حضارة ومشتركات تعايش؟ ثم أين هي مقاييس العدالة في التاريخ السياسي الذي انتهى إلى الحصيلة الدولية المعاصرة، وهل تَوقّف التطفيف أو التجاوز من العالم الغربي، طبعاً كلّا.

ما تتبعه د. غريش مهم في قضية قرع العقل المنطقي عن دلالة التأثير النفسي والمعنوي في حالة الفرد المسلم، أو غيره من عالم الجنوب:

كيف تقنعه بأن وجدانك مع أرضك ووطنك الأصلي ليس كوجدان الإنسان الغربي، وأن منظومة التعبير الإعلامي والاجتماعي المصنف إنسانيا لا تسمح لك بأن تتعاطى بميزان واحد مع المظالم الإنسانية، عالميةً كانت أو قُطرية، عرضية أو سببية.


هنا دائماً يجري الخلط، خاصة حين يُزجّ بهذه القضية في أتون خطاب الوعظ الديني الذي يستخدمه الاستبداد العربي، أو يفسح له ليشجع على قمع الناس عن حقوقهم، أو منع الاستدلال بالتقدم الحقوقي الذي أنجزه الغرب، أو قوانين النظم المدنية ذات المساحة الإنسانية المشتركة، وهذه العبثية لا بد من أن تُفرز عن الحوار الحضاري كنقطة نظام، بل وقاعدة معرفة.

إننا اليوم في تساؤل عن أي نُظم يمكن أن تنشأ في العالم الحديث، وهي تقوم على قواعد فلسفة اجتماعية أكثر صوابية من الواقع، كقواعد عالمية يُعدّ الشرق أول المحتاجين إليها، ثم كيف تتحول هذه القيم إلى مبادئ عامة لصناعة الروابط العالمية أو دسترتها؟ وهل نظام مجلس الأمن والحروب التي فرضها، والحروب التي رفضها، كان أخلاقيا؟ وهل سياسة الدول المؤثرة فيه حتى من خارج القطبين محايدة كذلك؟

وهذا لا يعني رفض المساحة التي يمكن أن يتعاون فيها العالم إنسانياً، كما يجري في برامج عديدة للأمم المتحدة وإن اخترقها الفساد، لكن محور الجدل هو عن أي منظومة فكر وفلسفة يحتاجها العالم؟ وأين دلالة تفوقها؟

هل هي كسب ولاء فكري أو مواطنة جديدة في ظل دولة مدنية غربية، يتخلى عبرها المواطن الجديد عن قيم الروح والتكافل العالمي للمحرومين، ويصنّف الضحايا بناء على ذلك؟ أم روح تفكير وميثاق تعاون جديد يسعى لأن يحيي الموات في عالم الجنوب المسحوق ويبعث شراكة إنسانه، لتنهض الفكرة والذات البشرية معها في رحلة الأخلاق والعمران الإنسانية؟