فورة الدم جريمة محرمة شرعاً

التاريخ: 16 أكتوبر، 2017 الكاتب: د. تيسير رجب التميمي

الحلقة الأولى

 تهدف أحكام الإسلام وتكاليفه إلى ما فيه خير العباد، وعلى جلب المنافع لهم ودرء المفاسد عنهم، وإسعادهم في الدنيا ودار المَعَاد، وهذه هي مقاصد الشريعة الربانية السمحة، وهي الحكمة التي أرادها الشارع سبحانه وتعالى من تنزيل التشريعات، والغاية التي وضعها في كل حكم منها، وهي تحقيق المصالح التي يجب تحصيلها والسعي في رعايتها والعناية بحفظها.

     واتبعت الشريعة الغرّاء في حفظ هذه المصالح المعتبرة سبيلين: الأول إيجادها وإقامة أركانها وتثبيتها، الثاني حفظها ومنع ما يؤدي إلى اختلالها أو انعدام وجودها، وتنوعت الأحكام التي نظمت تلك المقاصد إلى ثلاثة أنواع:

أولاً: الضروريات:

وهي التي لا بد منها لقيام مصالح الدين والدنيا ؛ بحيث يفوَّت فقدانها على المرء نعيم حياته والنجاة في آخرته، فهي كُلِّيَّاتُ الشريعة وقواعدها، ويكون حفظها من جانب الوجود بإقامة أركانها وتثبيتها وفعل ما فيه بقاؤها، وحفظها من جانب العدم يكون بمنع اختلالها وترك ما فيه انعدام وجودها، وهي خمسة على الترتيب التالي:

* الدين: وهو في المرتبة الأولى لأنه أساس الحياة المُثْلَى التي تسهم في بناء إنسان أقرب ما يكون إلى الكمال البشري، ولإقامة الدين وترسيخه في القلوب أرسل الله الرسل وأنزل الكتب وأوجب الإيمان وأركانه، قال تعالى {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ…} البقرة 285، وشرع العبادات التي تنظم علاقة الإنسان بربه، قال صلى الله عليه وسلم {الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً} رواه مسلم، ولحماية الدين من الاعتداء حرم الابتداع فيه، قال صلى الله عليه وسلم {من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد} رواه البخاري.

* النفس: ويشمل حق الإنسان في الحياة وسلامة الجسد، وحقه في الدفاع عن نفسه ووجوده في مواجهة أي عدوان عليه، شرع الله لإقامتها من حيث الوجود الزواج بهدف التكاثر وبقاء النوع الإنساني، قال صلى الله عليه وسلم {تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم} رواه أبو داود، ولكفالة بقاء النفس الإنسانية وحفظها من جانب العدم أوجب تناول ما يقيمها من ضرورات الطعام واللباس والمسكن في حدود الشرع والبعد عن المحرمات، ولأن هذه النفس محترمة مصونة عند الله تعالى فقد حرم الاعتداء عليها واعتبر قتلها ذنباً عظيماً، قال تعالى {… مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً…} المائدة 32، وأوجب القصاص حقاً لولي المقتول بعد حكم القاضي في حالة الاعتداء على النفس عمداً بالقتل، وأوجب الكفارة والدية في القتل الخطأ.

* العقل: ويشمل سلامة الحواس، وهو أداة التفكير والإبداع وبه يتدبر الإنسان أموره، لذا فقد ارتقى الإسلام بالعقل ووضعه في المكانة اللائقة، فجعله مناط التكليف أي سببه، فمن لا عقل له لا تكليف عليه.

     شرع الله للعناية به وحفظه من جانب الوجود مذاكرة العلم والمعرفة التي عدها رسول الله تسبيحاً، وأوجب على الإنسان التبصر في تكوين الرأي واتباع المعتقدات بعيداً عن التقليد الأعمى بل بالدليل، قال تعالى {… قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} النمل 64، واعتبر العقل مسؤولية عظمى يحاسب عليها الإنسان إن لم يستعملها في التوصل إلى الحقائق، قال تعالى {… إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً} الإسراء 36.

     ولحفظ العقل من جانب العدم حرم الله تعالى الاعتداء عليه وإذهابه بالمسكرات أو بغيرها، قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} المائدة 90، وأوجب جلد شاربها ثمانين جلدة حداً، فحماية العقل حماية للعقيدة والفكر لأنه المميز للإنسان عن المخلوقات الأخرى.

 * النسل: وهذا الحق يشمل جميع الأجناس البشرية المختلفة في هذه الحياة، وإلى الأقليّات العرقية حمايةً لهم من الانقراض والإبادة. شرع الله الزواج لحفظه من جانب الوجود، فبه تكون الذرية والنسل، قال صلى الله عليه وسلم {يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج…} رواه البخاري، فالذرية الطيبة مأمل كل إنسان حتى الأنبياء، قال تعالى في زكريا عليه السلام {… قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} آل عمران 38، وشرع اختيار الأم الصالحة المربية، قال صلى الله عليه وسلم {تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم} رواه ابن ماجه، وحث على تغريب النكاح وتجنب زواج الأقارب، قال عمر ابن الخطاب [ لا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاوياً ]، فالنسل الصالح غير المعيب يساعد في إيجاد المؤمن القوي، قال صلى الله عليه وسلم {المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍّ خير…} رواه مسلم.

     ولحفظ النسل من جانب العدم فقد حمى الشرع الأعراض ومنع اختلاط الأنساب بتحريم الزنا وما يؤدي إليه ؛ وشدد العقوبة على هذه الجريمة بإيقاعها بمشهد من الناس، وحرم الإجهاض وعاقب من يتسبب فيه، فقد ورد {أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بغرة عبدٍ أو أمة} رواه البخاري.

* المال: المال في الأصل لله والإنسان مستخلف فيه، ويكون حفظه من جانب الوجود بسعي الإنسان طلباً لتحصيله، قال تعالى {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} الملك 15، فقد أقرت الشريعة الإسلامية حق الملكية بأنواعها الثلاثة:الخاصة والعامة وملكية الدولة، ونظمت أحكامها، وحددت أسباب الكسب المشروع، وكيفية التصرف بالمال وإنفاقه، ووضحت الالتزامات المفروضة على الغني كالزكاة والنفقات وغيرها.

    ولحفظ المال من جانب العدم حرم الله الاعتداء على المال وإتلافه بأية صورة كانت، وشدد عقوبة المتعدي عليه كقطع يد السارق مثلاً، فالمال حماية شاملة لحق التملك والتصرف في الملكيات، بل وفي جميع الحقوقِ الاقتصادية.

     ومن العلماء من يرى وجود ضروريات أخرى غير هذه كالعرض مثلاً، فجعل حفظه من القذف والسب من المقاصد الشرعية المهمة، وكالتيسير على العباد ورفع الضرر والضيق عنهم، وكالعدل والحرية والمساواة والائتلاف والإصلاح وعدم الإفساد وغيرها. ولا تقوم مصالح الدين والدنيا والآخرة إلا بالمحافظة على هذه الكليات الخمسة، فلو عُدِمَ الدينُ عُدِمَ ترتُّبُ الجزاء الأخروي المرتجى، ولو عُدِمَ المكَلَّف (النفس) لعُدِمَ من يَتَديَّن، ولو عُدِم العقل لارتفع التديُّن، ولو عُدِمَ النسلُ لم يكن بقاء، ولو عُدِمَ المالُ لم يبقَ عيشٌ. ولأن هذه الضروريات هي المقاصد الأصلية فهي متعينة على كل إنسان بنفسه أن يحفظ دينه اعتقاداً وعملاً، ويحفظ نفسه قياماً بضروريات حياته، ويحفظ عقله ليتمكن من تلقِّي خطاب ربه، ويحفظ نسله وصولاً إلى بقاء أثره وامتداده في الحياة الدنيا وعمارتها، وصيانة له عن اختلاط الأنساب، ويحفظ ماله للاستعانة على تحقيق هذه الأصول الأربع.

ثانياً: الحاجيات:

وهي التي يُفتقر إليها من حيث التوسعة على المكلفين ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى وقوع الحرج والمشقة بهم، مما قد يفوِّتُ حكمتها ويضيِّعُ ثمرتها، لكن هذا الضيق لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة. ومنها إباحة التمتع بالطيبات المحللة، وتشريع الرخص للتخفيف من مشقة العزائم.

ثالثاً: التحسينيات:

وهي مكارم الأخلاق التي توجه الناس إلى الأخذ بما يليق من العادات وما تقتضيه المروءة، وتجنب المدنِّسات التي تأنفها العقول الراجحات، ولا يخل فقدانها بالضرورات أو بالحاجيات، وهي راجعة إلى محاسن زائدة على أصل المصالح الضرورية والحاجية وجارية مجرى التحسين والتزيين.

     وعلى ذلك فالتحسينيات مكملة للحاجيات، والحاجيات مكملة للضروريات، والضروريات هي أصل المصالح وأقوى مراتبها ؛ بحيث يلزم من اختلالها اختلال فيهما، لذا لا يجوز الإخلال بحكم منها إلا إذا كانت مراعاته مخلة بأخرى أهم منها، فوجب الجهاد مثلاً لحفظ الدين وإن كانت فيه تضحية بالنفس لأن حفظ الدين أهم من حفظ النفس، وأبيح شرب الخمر لمن أكره عليها لأن حفظ النفس أهم من حفظ العقل.