الخطاب الإسلامي

التاريخ: 19 يونيو، 2017 الكاتب: د. علي القره داغي

الكلمة هي بداية الخلق وبها بدأ الله تعالى، فقد خلق الكون بكلمة (كُنْ) وخلق آدم بيده تشريفاً له حتى يحترم الكلمة ويحملها، فالكلمة إيمان أو كفر، بناء أو هدم، شرف أو حتف، سلم أو حرب، محبة أو عداوة، طيبة تفوح شذاها بالمسك والعنبر، أو خبيثة تزكم منها الأنوف، وفاء، أو خيانة، رحمة أو عذاب...، فالكلمة هي الأمانة التي عرضت: (عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا) لخطورتها ومسؤوليتها (وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) حتى يزول بها جهله وظلمه حينما يلتزم بالأمانة. وللخطاب الاسلامي مواصفات أهمها:


(1) خطاب التسامح والسلام والكلمة الطيبة:


يجب أن يكون خطابنا طيباً جميلاً رائعاً رقيقاً لطيفاً يحمل إلى الآخر (غير المعتدي) الرحمة والحب والأمن والأمان، والسلم والسلام. ومن المعلوم أن المسلم يقابل الآخر بهذه الكلمة الطيبة التي تحمل في طياتها منح الأمن والأمان له فيقول: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) وهي الكلمة التي يختتم بها صلاته فيسلم بها على من في يمينه ويساره، وبذلك أعطاهم جميعاً العهد بأن ينشر السلام ولا يؤذي أحداً إلاّ إذا اعتدى عليه.


(2) الخطاب الأخلاقي:


يجب أن يكون خطابنا — نحن المسلمين — حاملاً أخلاق الإسلام العظيمة، فهذا الدين هو دين الأخلاق، ورسوله صلى الله عليه وسلم رسول القيم والأخلاق الراقية، وقد شهد الله تعالى له بذلك فقال تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ).


وتدل النصوص الشرعية على أن الأخلاق الفاضلة والقيم السامية هي غاية قصوى حتى للعبادات ولذلك ربطها الله تعالى بها فقال في الصلاة: (..إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ) وفي الزكاة: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) وحتى العقيدة فقد ربطها بالأخلاق من حيث الايمان بالله تعالى، وصفاته العظيمة التي هي صفات الكمال التي تنبئ عن الجمال والجلال، والإيمان باليوم الآخر الذي يردع المؤمن عن الظلم والظغيان والاعتداء على الإنسان والحيوان لأنه يبدأ الحساب مباشرة ثم الحساب الأخير الذي يترتب عليه دخوله الجنة أو النار. فهذه المرتبة العليا للأخلاق تفرض على المؤمن أن يكون متخلقاً بها في أفعاله، وفي أقواله وخطابه مع الآخرين بالقول الطيب فقال تعالى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)، بل إن الله تعالى وصف عباد الرحمن الذي يستحقون الجنة بقوله: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً) ومن المعلوم أن المراد بالجاهل هنا هو من يسبّ ويشتم، أو يقول شراً ومع ذلك جواب المسلم السلام.

إن الميزان الذي وضعه الإسلام في حالة الدعوة، والسلم والتعايش (الذي هو الأصل في الإسلام) هو التعامل باللين والرفق والأخلاق العظيمة، ومقابلة السيئة بالحسنة، والحوار بالأفضل والجدال بالتي هي أحسن.

فقد أوجب الإسلام أن تكون الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والحوار والجدال بالتي هي أحسن فقال تعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، وهذا يقتضي أن يسعى المؤمن لتعلم الحكمة في القول والفعل والأسلوب عندما يدعو، ويختار الموعظة الحسنة، وأن لا يجادل إلاّ بالتي هي أحسن، وهذا أنه إذا لم يستعمل الأحسن فهو قد خالف الأمر الرباني.

(3) خطابنا يجمع بين الأصالة والمعاصرة، والتأصيل والتجديد، والحكمة والموعظة الحسنة:

وقد شبه القرآن الكريم الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة التي لها أصول ثابتة تستقر وتتمدد، وجذور تصمد وتبقى، وأغصان تقطع لتتجدد وتتقوى، وأوراق تخضّر فيكون لها جمال، ثم تصفّر فتتساقط، وثمار يانعة تصبح ذات فائدة، وهكذا الكلمة الطيبة، حيث يقول الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ).

فالكلمة الطيبة لا بدّ أن تنطلق من ثوابت الإسلام، ولا تتجاوزها، وتخرج من بوتقة الهوية ولا تحزمها، ثم عليها أن تتسع وتتمدد وتعلو وتشمخ في إطار المتغيرات والاجتهادات العصرية التي تكون هي الأكثر، والمجال الأرحب، لأن مساحة الثوابت - كجذور الشجرة - أقل وأصغر من الأغصان والمتغيرات.

ثم إن هذه الكلمة تحتاج إلى دراسة وتخطيط ، وإلى رعاية وعناية حتى تثمر (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا)، وإلاّ فأي كلمة دون نفع فلا خير فيها، وهذا ما أكده الرسول صلى الله عليه وسلم: (مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت).

ومن هنا يجب على الدعاة والخطباء، والكتاب والباحثين أن يلتزموا بالكلمة الطيبة حسبما وصفها الله تعالى في هذه الآية الكريمة.

(4) أن يكون الخطاب متنوعاً ومراعياً ظروف المخاطبين، وعقولهم، وأفهامهم، وثقافتهم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (خاطبوا الناس على قدر عقولهم، أتحبون أن يكذب الله ورسوله)، فقد كان من هدي رسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يخاطب الأعرابي بما يفهمه في بيئته، ولذلك أقنع أحدهم حينما شك في ولده الأسود بما كان لديه من إبل حمر يكون بينها أورق، فقال الأعرابي: (أراه عرق نزعه) فقال صلى الله عليه وسلم: (لعل هذا نزعة عرق) فاقتنع الأعرابي وعاد إلى أهله.

قلنا إن الكلمة هي بداية الخلق وبها بدأ الله تعالى، فقد خلق الكون بكلمة (كُنْ) وخلق آدم بيده تشريفاً له حتى يحترم الكلمة ويحملها، فالكلمة إيمان أو كفر، بناء أو هدم، شرف أو حتف، سلم أو حرب، محبة أو عداوة، طيبة تفوح شذاها بالمسك والعنبر، أو خبيثة تزكم منها الأنوف، وفاء، أو خيانة، رحمة أو عذاب...، فالكلمة هي الأمانة التي عرضت: (عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا) لخطورتها ومسؤوليتها. ونواصل هنا في الحديث لاستكمال أهم مواصفات الخطاب الاسلامي:

(5) أن يراعى فيه آداب الحوار والاختلاف من حيث اختيار الأسلوب الأجمل ، والكلمات الحسنى ، والمنظمة الراقية ، ومن حيث الصدق والاخلاص ، وطلب الحق ، واحترام الطرف الآخر ، والبدء بما هو المتفق عليه للانطلاق إلى ما هو المختلف فيه بسلاسة وود ، ومحاولة للاقناع بالأدلة الواضحة والابتعاد عن العنف ، والجدل السقيم ، والسخرية والاستهزاء والاستعلاء ، فقد قال تعالى لرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن يقول لهؤلاء المشركين الجاهليين: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ) فلننظر كيف أن القرآن الكريم لم يحكم بأن المقابل على الباطل - مع أنه على الباطل- وإنما ترك للآخر مجالاً واسعاً للبحث عن الحقيقة ، والسعي لاقناع الطرف الأول (أي الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه) فقال : (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) وهذه الحكمة تدفع الطرف الآخر أن يدخل في الحلبة آملاً كسب الجولة ، في حين لو قيل له : إنك لعلى ضلالة ، لامتنع عن الدخول في الحوار ، ثم إن الله تعالى لم يكتف بما سبق بل طلب من رسوله هذا الكلام (قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا) بوصف آخر لا يثير أي إثارة أو اشمئزاز فقال : (وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ) فسبحان الله هل رأيتم حواراً بلغ هذا الرقي في أي كتاب ديني سوى القرآن الكريم ؟

(6) أن يجعل الجانب الإنساني وحقوقه ، للبحث عن حل لهموم الناس ومشاكلهم ، ولا يعيش في الماضي المجرد دون الربط بالحضر ، ولا يعيش في أبراج عاجية وإنما ينزل إلى عامة الناس ، فهذا أدعى للقبول ، فالإسلام شفاء وهذا يعني علاج الأمراض المادية والمعنوية وهو رحمة وهدى للعالمين.

فالجانب الإنساني في الإسلام في غاية من الأهمية ، فالمركز والهدف من إنزال الكتب ، وإرسال الرسل هو الإنسان ، ولذلك تكرر في القرآن الكريم لفظ الإنسان 63 مرة ، والناس240 مرة ، وآدم مفرداً أو مع لفظي (بني) 31 مرة ، وأن القرآن الكريم نزل إسعاد الإنسان وهدايته للصراط المستقيم ولسعادة الدنيا والآخرة.

لذلك يجب أن يكون الخطاب الإسلامي مهتماً بالإنسان بنفسه وداخله (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) ، وتصرفاته وتصوراته ، وبحقوقه وواجباته ، وبسعادته وشقائه .