المسؤولية

التاريخ: 7 يناير، 2017 الكاتب: د. فتحي أبو الورد

المسئولية كما جاء معناها في معاجم اللغة هي حال أو صفة من يُسأل عن أمر تقع عليه تبعته.

 

وهى في السنة تشمل كل من ولاه الله تعالى أمرا، كما جاء في حديث البخاري أن: رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها".

 

وهى التي حدت برسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أن يترك الدثار، ويهبُ عابدا داعيا بعد أن نزل عليه قوله تعالى: "يا أيها المزمل* قم الليل إلا قليلا" وقوله تعالى: " يا أيها المدثر * قم فأنذر" حتى نسب إليه القول لزوجه -ولم أجده-:" مضى عهد النوم يا خديجة".

 

وهى عند أصحاب الدعوات والمصلحين وقود الحركة، وباعث العمل، ودافع العطاء، وبذل التضحيات، وهى التي تهون الصعاب، وتسخر من العوائق والمثبطات، وقديما قال الشاعر:

 

إذا كانت النفوس كبارا ::: تعبت في مرادها الأجساد

 

وهى التي تصنع من المقصر مهموما، ومن الفارغ مشغولا، ومن المضيع لأوقاته مغتنما للحظاته، منتبها لخطراته.

 

والمسؤولية بعامة، ومسؤولية الدعوة بخاصة، هي التي تحيل القلب الشديد قلبا ألطف من الحرير، وهى التي تحرك دمعة العين، وهى كذلك التي خلقت في جسم الحمام الرخو قلوب الصقور والأسود كما يقول محمد إقبال.

 

وهى التي تشغل بال كل من ولاه الله تعالى أمرا من الأمور، وتملك عليه فكره، وتملأ عليه عقله، فيسهر الليالي، ويكفيه من النوم القليل، ولا يهنأ بنوم إلا بعد أن يطمئن على أداء واجباته، ولا يستريح له جسد إلا بعد أن يرى السعادة في وجوه المهمومين، ولا يجد متعته إلا وهو يسعى فى قضاء حوائج أصحاب الحقوق عليه.

 

وهى التي تغير من يعيش لنفسه لكي يعيش لغيره، وهى التي تجعل ممن يعيش لأسرته الصغيرة، مهموما بأسرته الكبيرة، متيما بأمته وأوطانه.

 

وهى التي تسمو بالآمال الفردية إلى الآمال الجماعية، ومن الآمال الخاصة إلى الآمال العامة، وهى التي تخرج الإنسان من قضاياه ومعاركه الشخصية إلى رحاب معارك الإسلام وقضايا المسلمين الكبرى.

 

هي التي جعلت أبا بكر يستشعر أمانة المحافظة على ميراث الوحي والنبوة حين حارب مانعي الزكاة، وقال: "لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة" معللا لذلك بقوله: "أينقص الدين وأنا حي"؟

 

وهى التي جعلت عمر بن الخطاب لا ينام الليل، يتفقد أحوال رعاياه، فلا يبتسم إلا بعد أن يبتسم البائس، ولا يأكل إلا بعد أن يشبع الجائع، ولا يسعد إلا بعد أن تأتيه أخبار سارة من هنا أو هناك ينتظرها.

 

وهى التي غيرت حال عمر بن عبد العزيز الذي تربى في حجر النعيم، وجعلته ينسلخ من كل مظاهر الترف، بل يتقشف ويحيا حياة البسطاء الفقراء، تسيل دموعه على خديه، يشهق الشهقة يكاد ينصدع قلبه لها، وتخرج لها نفسه، وعندما سألته زوجته عن حاله قال لها: إني نظرت فوجدتني قد وليت أمر هذه الأمة، أسودها وأحمرها، ثم ذكرت الفقير الجائع، والغريب الضائع، والأسير المقهور، وذا المال القليل والعيال الكثير، وأشباه ذلك في أقاصي البلاد وأطراف الأرض، فعلمت أن الله سائلي عنهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجيجي فيهم؛ فخفت أن لا يقبل الله مني معذرة فيهم، ولا تقوم لي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة.

 

فهل يشعر كل صاحب مسؤولية بنحو من ذلك؟