لننقذْ الأسرى المقدسيين في سجون الاحتلال

التاريخ: 7 يناير، 2017 الكاتب: د. تيسير التميمي
 في كل يوم تطلع فيه الشمس تخطّ سلطات الاحتلال الإسرائيلي صفحات سوداء في سجل التاريخ ، وتقترف مزيداً من جرائم الحرب ضد مدينة القدس المباركة وضد مواطنيها الفلسطينيين ، وتواصل ارتكاب أخطر الانتهاكات المنافية للمبادئ الإنسانية التي أرسستها الأديان والشرائع الإلهية وأقرتها القوانين والمواثيق الدولية وأجمع عليها العالم .
ولعل أسرانا الأبطال من أكثر شرائح شعبنا الفلسطيني الصابر المرابط معاناة من هذه الجرائم والانتهاكات ، فههم طليعة الأمة وروادها الذين ضحوا من أجل قضيتها ، واعتُقلوا مدافعين عن مقدساتها وكرامتها ، وهم يمثلون نخبة الشعب الفلسطيني البطل فقد ضحوا بحرياتهم وتحملوا أقسى صور التعذيب والمعاناة والحرمان ، وعانى مثلهم أزواجهم وآباؤهم وأمهاتهم وأولادهم ، وقدموا حريتهم في سبيل دينهم ووطنهم ، وأسهموا في صنع فرحة نصرنا من أعمارهم وسنين حياتهم ؛ فهزموا الجلاد بصبرهم وثباتهم ، وقهروا السجان بإرادتهم وصلابتهم ، فهم الأحرار بحق وإن زج بهم المحتل الغاصب في أقبية الظلم والظلام خلف القضبان .
يعاني الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي الغاشم ألوان التعذيب المادي والمعنوي ، ويتعرضون إلى الإهانة وسلب الكرامة الإنسانية وسوء المعاملة والحرمان من الزيارة ، ويعيشون أسوأ الأوضاع والظروف الحياتية ، ويعانون من تردي الحالة الصحية الناجمة عن سوء التغذية والإهمال الطبي المتعمد ، هذا بالإضافة إلى امتهان مشاعرهم الدينية وحرمانم أداء شعائرهم التعبدية بحرية .
وتتضاعف معاناة الأسرى المقدسيين ومن بينهم الأطفال والنساء ، وتعود معاناتهم المضاعفة إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلية تتعامل معهم على أنهم ليسوا من الفلسطينيين وليسوا من مواطنيها ، وسبب ذلك أن أنها فرضت على مدينة القدس منذ احتلالها قوانين خاصة ، فتعاملت مع سكّانها على أنّهم مقيمون دائمون لديها ، لكنّهم لا يملكون حقّ المواطنة الكاملة كاليهود ، ومنحتهم على هذا الأساس بطاقات الهويّة الزّرقاء ، والتي تعني أنها بطاقات إقامة دائمة تجدد كل عشر سنوات ، وتُسحب من صاحبها إن لم يثبت إقامته الفعلية في المدينة طوال الفترة السابقة ؛ من خلال كشوف الضريبة وفواتير الضمان والماء والكهرباء .
وبناءً على هذه الحالة القانونية العنصرية ، وفي ازدواجية وانتقائية ظالمة ؛ فإنّ سلطات الاحتلال تعامل الأسرى المقدسيّين معاملة السجناء الإسرائيليين الجنائيين ، وتعتبر سجنهم والأحكام الصادرة بحقهم شأناً داخليّاً ، وأن ما قاموا به من نشاطات سياسية وعسكرية إنما هي جنح أمنية وخروج عن القانون الإسرائيلي ، لذا لا تقبل إدخالهم في أيّة صفقةٍ لتبادل الأسرى أو في إطار المفاوضات السياسية ، ولا تعطيهم حقوق أسرى الحرب ، لذلك لم تفرج السلطات الإسرائيلية عن أسرى مقدسيين في أي عمليات إطلاق سراح للأسرى منذ قيام السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994 ، بل لم يتم إطلاق سراح أي أسير فلسطيني مقدسي خلال صفقات التبادل سواء تلك التي تمت سواء مع الفلسطينيين والتي تمت مع أطراف عربية منذ العام 1967 .
وفي الوقت ذاته لا تمنحهم امتيازات السّجناء الإسرائيليين ، بل تعاملهم بالأساليب الوحشيّة وغير الإنسانيّة التي تعامل بها بقيّة الأسرى الفلسطينيين سواء داخل السجون وعند إصدار الأحكام الجائرة بحقهم ، فقد حرمتهم حقّ المعاملة الدستوريّة التي يحصل عليها السّجناء الإسرائيليّون ، وحرمتهم كثيراً من بعض الحقوق التي اكتسبها الأسرى الفلسطينيون وحصلوا عليها بعد نضالهم المرير واحتجاجاتهم وإضراباتهم المتكررة .
ومنعت إدارة السجون الإسرائيلية حصولهم على مخصصاتهم المالية المقدمة لهم من السلطة الوطنية الفلسطينية بدعوى أنهم يحملون الهوية الإسرائيلية ولا يسمح للسلطة التدخل بهم وإرسال مخصصات مالية لهم .
وكثيراً ما تقدم إدارة السجون على عزلهم عزلاً قسرياً تاماً بفصلهم عن بقية الأسرى الفلسطينيين وعن العالم الخارجي ؛ في خطوة خبيثة تهدف إلى كسر الوحدة الوطنية وتفريق الجسد الفلسطيني الواحد ، مما حرمهم معرفة أخبار بعضهم والتواصل فيما بينهم ، وبالأخص أنهم يعتبرون أنفسهم جزءاً من الحركة الأسيرة وجزءاً من النضال الوطني الفلسطيني .
ومنعتهم أيضاً الالتقاء بممثلي وزارة شؤون الأسرى الفلسطينية بدعوى أن لا علاقة للسلطة الوطنية الفلسطينية بهم .
يضاف إلى ذلك أن إسرائيل تربط قضية الأسرى المقدسيين بقضايا الحل النهائي إلى حين التفاوض حول موضوع القدس الذي تعمل الحكومة الإسرائيلية على تأجيله إلى ما لا نهاية ؛ بهدف إبقاء قضيتهم لاستخدامها ورقة ضغط على المفاوض الفلسطيني لدفعه إلى تقديم تنازلات في موضوع القدس مقابل الإفراج عنهم .
لذلك نقول : إنه يجب الحذر من تجاهل قضيتهم وبالأخص أن ارتقى عدد منهم شهداء داخل السجون الصهيونية العنصرية ؛ فهذا التجاهل والنسيان يعني نفي وطنيتهم وتجاهل مدينة القدس المباركة كعاصمة لدولتنا الفلسطينية ، وعلى المفاوض الفلسطيني الإصرار على أن يكون الأسرى المقدسيّون وبالأخص القدامى منهم على رأس قائمة الأسرى المفرج عنهم في إطار عمليّات التبادل ، وعليه الضغط والعمل الجدي من أجل حلّ هذه المعضلة التي تظهر وكأنها أصعب من قضية الحدود واللاجئين ، إذ إن القدس هي هاجسنا جميعاً وهدفنا جميعاً وشعارنا جميعاً ، وبالأخص أن عدداً كبيراً من هؤلاء الأسرى قد اعتقلوا أثناء الانتفاضة التي اندلعت في إثر اقتحام السفاح شارون المسجد الأقصى المبارك ، أو وهم في طريقهم إلى المسجد الأقصى المبارك للصلاة فيه والدفاع عنه ، وحمايته من إجراءات التهويد ومؤامرة الهدم والتقويض ، والوقوف بالمرصاد للجماعات اليهودية المتطرفة التي لا تتوقف عن محاولة اقتحامه ، فما يتعرض له هؤلاء الأبطال الصناديد هو صورة أخرى للأخطار التي تتهدد المدينة المقدسة والمسجد الأقصى المبارك .
وغني عن البيان أن الإجراءات الاحتلالية القمعية وغيرها مما لا مجال لعرضه تشكل انتهاكاً فاضحاً لأبسط الأعراف والمواثيق الدولية ، وتمثل عدواناً سافراً على حقوق الإنسان ، تقوم بها إسرائيل على أعين الناس ، وتحت سمع العالم وبصره ، فحق لنا أن جميعاً نتساءل : أين المنظمات والهيئات الدولية التي تعجز عن حماية أبسط الحقوق لأسرانا البواسل في سجون الاحتلال ؟ أين لجان الأمم المتحدة لتقصي الحقائق عن أوضاع الأسرى الفلسطينيين ؟ أم أنه محظور عليها مساءلة أو ملاحقة السلطات الإسرائيلية جراء ما جنت يداها ؟ أم أن هذه الحقوق ليست لنا ولم تشرع لأمثالنا ! فإلى متى سيغض المجتمع الدولي الطرف عن الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة لحقوق الفلسطينيين ؟ وإلى متى الاستمرار في سياسة الكيل بمكيالين تجاه القضية الفلسطينية ؟
أما نحن فلا عذر لنا إن تركنا أسرانا الأبطال ومنهم الأسرى المقدسيين وحدهم في معاركهم التي يخوضونها يومياً ضد السجان ، وليس لنا أن ننعم بالحرية وهم أسرى أو نرضى بالسلامة وهم يتعرضون للخطر الحقيقي على حياتهم ، فمن يتخلف عن مؤازرتهم أو يتخاذل عن تأييد مطالبهم أو يقعد عن مساندتهم فهو آثم كإثم المتخلف عن المعركة وكإثم المتولي يوم الزحف ، قال تعالى { لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً } النساء 95 ، ومن حقهم الثابت علينا ألاَّ نغفل عن قضيتهم أبداً ، وأن نضعها على رأس سلم أولوياتنا ، وأن نتبع كل السبل الممكنة لتخليصهم من الأسر ، لينعموا بالحرية من جديد ، وليتنسموا عبق الحياة في وطنهم ودولتهم الحرة المستقلة ، فما زالوا يتعرضون للضغط النفسي الذي تمارسه سلطات الاحتلال الإسرائيلي الغاشمة ؛ إضافة إلى ما تقوم به من قهر وقمع في السجون ؛ لتنال من عزيمتهم ولتثنيهم عن الصمود والثبات .
ومن حقهم علينا بذل الجهد لتخليصهم من الأسر بكل الطرق الممكنة ؛ فإذا كان موقف الشريعة الإسلامية من أسرى الأعداء وجوب الإحسان إليهم ورعاية حقوقهم ؛ فالأولى بالمسلمين بذل كل جهد لتخليص أسراهم ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً ؛ التزاماً بقوله صلى الله عليه وسلم { أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني } رواه البخاري ؛ والعاني هو الأسير ، وهذا ما أجمع عليه علماء الأمة : أنه إذا وقع في يد العدو أسير فعلى المسلمين جميعاً أن يعملوا على استعادة حريته بكل الطرق الممكنة ؛ أو افتدائه بأموالهم وإن نفدت ولم يبق منها درهم واحد ؛ فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
ومن حق أسرانا الأماجد علينا أيضاً ـ ومنهم أسرى القدس الأسيرة ـ رعاية أسرهم وزيارتهم وتكريمهم ودعمهم ، ومواساتهم في مشاعرهم وعواطفهم ومواقفهم ، وقضاء حوائجهم ، فهذا فرض علينا لقوله صلى الله عليه وسلم { من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا } رواه مسلم ، فقد عانى هؤلاء كما عانى الأسرى .
وأدعو مجدداً إلى ما دعوت إليه مراراً بمطالبة العالم بتدويل قضية أسرانا البواسل بمن فيهم الأسرى المقدسيين ، وبالضغط على سلطات الاحتلال الإسرائيلية لتحكيم القانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بمعاملة الأسرى تجاه أسرانا ومعتقلينا والإفراج عنهم فوراً .