الانتماء للوطن

التاريخ: 15 مايو، 2017 الكاتب: الشيخ ماهر إبراهيم جعوان

حب الوطن والانتماء إليه ليس شعارا أو جنسية أو أرضاً أو عَلماً أو موقعاً أو شهادة ميلاد فقط بل الانتماء روح وحب وإحساس وتضحية وفداء والتزام وخلق وسلوك وأمانة ودعوة ورسالة وقدوة وعلم وعمل وتفوق وتقدم وإجادة وريادة وتفاهم وقناعة وأدب وتسامح وحوار وذوق...

الوطن حق وعدل ومساواة فإذا غاب العدل وفُقد الحق وانعدمت المساواة ضاع الانتماء وضاع الوطن، والوطن غال إذا ضاع لا يعود، ويصير حزينا بائسا مكلوما، وقلوب أهله جريحة وعيونهم باكيه ونفوسهم ضيقة وأحلامهم ضائعة وأحرارهم في الأسر يئنون، يُسرق النوم من عيونهم ويُقضى على الأمل بقلوبهم، وكيف تنام العيون والقلوب دامية والأجساد معذبة والأرواح مهددة والأوطان ضائعة والأعداء متربصة، فمن المؤسف أن تتمنى أبسط حقوقك من المؤسف أن تتمنى حقك في الحياة، حقك في الوطن، وطنك يؤلمك وجعا وحزنا وخوفا وانكسارا. وطنك يسرق وينهب ويهتك أمام عينيك ولا تستطيع له حراكا، في أكبر سرقة بالتاريخ ليست سرقة أموال وآثار وجواهر فقط، إنما سرقة الحضارة وتجفيف منابع الرجولة والجينات الايجابية والإيمانية في الشعوب إنها سرقة الإنسان وسرقة الأوطان.

 

حب الوطن والانتماء إليه ليس شعارا أو جنسية أو أرضاً أو عَلماً أو موقعاً أو شهادة ميلاد فقط بل الانتماء روح وحب وإحساس وتضحية وفداء والتزام وخلق وسلوك وأمانة ودعوة ورسالة وقدوة وعلم وعمل وتفوق وتقدم وإجادة وريادة وتفاهم وقناعة وأدب وتسامح وحوار وذوق عال ومسئولية وكرامة وحرية ومكانة سامية بين الأمم.

 

والعمل للوطن وإنقاذ سفينته وحمايته وحراسته مسئولية الجميع بكل انتماءاتهم الفكرية والثقافية والعقائدية، ومن يُغرق سفينة الوطن سيغرق في وحل العار والذل والخزي والفشل، وسترفع راية الوطن رغم أنف الطغاة لتكون رمزا وعنواناً للحق والعدل والحرية، فلن تسكت المآذن، ولن ينتصر الباطل، ولن يزهق الحق، فالحق وربي منتصر ومصير الباطل خذلان.

 

والصادق من يشغله العمل والبناء وهموم الوطن عن نفسه، فمن عاش لنفسه عاش صغيرا ومات وحيدا ومن عاش لغيره امتد أثره في الحياة وبعد الممات فالمحبون المشتاقون للوطن، المضحون من أجله وحدهم من يدفعون ضريبة حمايته وحراسته وتحريره وتقدمه أما غيرهم فهاربون فارون هالكون مغادرون بلا رجعه، فما أتعس الأشقياء حينما لا ينطلقون إلا من مبادئ بطونهم وفروجهم وأهوائهم وشهواتهم ومصالحهم، فيتركون الحق جانباً غير عابئين بمصالح البلاد والعباد.

 

الوطن ليس فندقاً نغادره عندما تسوء الخدمة فيه، الوطن جزء من أجسادنا وأرواحنا يحيا فينا قبل أن نحيا فيه إلى أن نموت فنذوب بترابه.

 

فما أحوجنا إلى يقظة ضمير قبل يقظة العقول اﻷفكار والعلوم والأحزاب والاتجاهات السياسية.. يقظة ضمير تقدم المصالح العامة على المصالح الخاصة والفئوية.. يقظة ضمير تدفع الظلم والطغيان وتحارب الفساد بكل صوره وكل أفراده وكل مؤسساته، وتصدع بكلمة الحق عالية خفاقة في وجوه الظالمين.. يقظة ضمير تعلي شأن الوطن والمواطن تحفظ كرامته وحريته ومستقبله ودمه وعرضه وماله من كل تطاول وتهاون ونهب واستنزاف وإهدار وإفساد.. يقظة ضمير تعلي مبادئ السماء وقيم الحق والعدل والحرية وحقوق اﻹنسان. إن الأرض لا تقدس أحدا إنما يقدس المرء عمله ولا يعمل للوطن إلا أصحاب الضمائر الحرة الحية والأيدي النظيفة والقلوب الطاهرة.

 

وبالتأكيد تمني فشل اللصوص لا يعني تمني فشل الأوطان.. والشعوب النابضة بالحياة والحرية صمام أمان لحضارتها وأمتها ودينها.. فلا مناص من عودة الروح والتسامي على الجراح وتجاوز الآلام في ظل صعوبات ومؤامرات تضيق لها الصدور والنفوس وتشيب لها الولدان.. وسيأتي أجمل يوم بالتأكيد سنحيا وسنرزق وسنسعد سنفرح سنبكي من شدة الفرح سنتقارب ونتهادى ونتعانق ونتآسى ونتغافر ونتصافى وسنعوض بكل جميل ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا.