الإسلام والاستبداد السياسي

التاريخ: 17 إبريل، 2017 الكاتب: د. فرج كُندي
 يعتبر الاستبداد بمختلف صوره وكافة اشكاله وأنواعه وشعاراته القضية الأساسية والسبب المباشر في تخلف الامة عبر عصور التخلف والانحطاط التي مرت بها من خلال رحلة تاريخها الممتد عبر اربعة عشر قرناً من الزمن .
وجاء الإسلام للإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة لرب العباد وخالقهم وانقاذهم ربقة الظلم و من الجور الى رحاب العدل والمساواة .
وهو ما كان سبباً في انتشار الإسلام سريعاًفي كافة ربوع الارض في مشارقها ومغاربها في وقت قياسي من الزمن ؛ وأخذ نفوذ يتمدد في أوائل بواكير ميلاد العصر الاسلامي الأول .
وسر هذا النجاح يكمن في تطبيق المفاهيم والقيم الإسلامية النبيلة المتمثلة في مفهوم منظومة العدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية مع تطبيق المبداء الجديد الفريد الذي تفرد به هذه الامة وهو تطبيق مبداء الشورى في النظام السياسي الذي على اساسه قامت نظرية الحكم في الدولة الاسلامية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وتولي الخلفاء الراشدين من بعده .
إن هذا النظام الجديد وفر لكل أفراد الدولة من المسلمين بجميع اجناسهم والوانهم ولغاتهم وامصارهم – اقطارهم – أن يتمتعوا بحقوقهم العامة لا فارق بين حاكم ومحكوم في جميع الحقوق والواجبات والأحكام .
إلا ان هذا لم يستمر طويلاً إذ سرعان ما تم الالتفاف على هذه القيم وحصرها في نطاق ضيق لا يعدو أن يكون حالات استثنائية تمثل حالات فردية ( عمر بن عبد العزيز) أو مجرد قيم نبيلة في بطون بعض الكتب أو موضوعات تمجد ما كان عليه حال المسلمين في زمان دولتهم الاولي ليحل محله الملك العضوض ويتفشى مبداء الاستبداد الذي قاد الامة الى هاوية التخلف والانحطاط .
وزاد الامر تعقيدا حين تحول الحكم العضوض إلى نظام الحكم الجبري المتعسف الذي طغى فيه الاستبداد في ابشع صوره فساد فجر الأمة الي اتون الفساد ولانحطاط الفكري والاقتصادي والاجتماعي والسياسي مما ساهم في تأخرها وتسلط اعدائها عليها من الأمم الأخرى وتحولت من أمة رائدة إلى امة ضعيفة ومن امة قائدة إلى امة تابعة .
ويعتبر الاستبداد مظهر مخالف لمبادئ الاسلام الذي جاء ليحرر الانسان ويحقق مبداء المساوة وخاصة في نظام الحكم والعلاقة بين الحاكم والمحكوم وقد عبر عن ذلك اول احاكم في الاسلام بعد الرسول صلى الله عليه وسلم – أبوبكر الصديق اول خليفة للمسلمين حين قال : ( إن رأيتم فيا خيراً فأعينوني وإن وجدتم فيا اعوجاجا فقوموني ) وأضاف الخليفة الثاني عمر بن الخطاب إلى ما رسخه الصديق مبداه المشهور الذى مازالت الدنيا تردده في كافة المحافل الدولية حين اعلنها مدوية في كافة اطراف الأرض وفي عنان السماء فقال : ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم احرار؟؟!!) .
مما لاشك فيه إن الاسلام جاء للقضاء على الاستبداد وترسيخ العدالة والحرية السياسية, وما تعرضت له الحياة السياسية من انتكاسة كان سببه التخلف والتخلي والانحراف عن المبدئ العامة للإسلام, وتفشي الظلم وسيادة وترسيخ مبادئ نظام الفرد المطلق ( المستبد ) .
وأن الحل يكمن في إعادة ترسيخ وسيادة مبداء الحرية , والعودة إلى التمسك بمبادي الدين الحنيف الذي جاء ليحرر الأنسان من ربقة الاستعباد والاستبداد بكافة اشكالها والوانها , ومواكبة العصر ومحاولة اللحاق بركب الأمم المتحضرة والاخذ عنها ما يفيد دون الانصهار والذوبان فيها, ومحاولة التخلص من عوامل الاستبداد واسبابه المتمثلة في غياب عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم وفق توافق وتراضي بين الطرفين لا بقوة المتغلب , وجهل الشعب بصلاحيات وسلطات الحاكم السياسية , الخضوع المطلق للأنظمة الظالمة واعتبارها نوع من العبادة , الصراع الداخلي بين فئات الامة , المتمثل في الصراع الطائفي والعرقي واللغوي والجهوي . القمع ومصادرة الحريات والجام الافواه والتضييق على حرية التعبير والتفكير . النهب والعبث بثروات الامة وتبديدها دون رقابة او محاسبة .... وغيرها من العوامل المساعدة في نم وتغول الاستبداد التي يجب محاربتها والقضاء عليها وتقديم نموذج سياسي واعي واعد ينشل الامة من كبوتها ويعيد لها حقوقها وكرامتها ولعل العودة الى الاصل الاول الذي قامت عليه حضارتها مازال الاساس الذي تقوم عليه و العمود الذى تستند أليه فهو دين الحرية والعدالة والمساوة وهو الذي جاء ليكبح الاستبداد ويحرر البلاد والعباد .