معجزة الإسراء والمعراج عقيدة ونصر من الله

التاريخ: 17 إبريل، 2017 الكاتب: د. تيسير التميمي
 في شهر رجب المحرم تتجدد ذكرى الإسراء والمعراج الخالدة كلما تجدد الزمان ؛ خلَّدها ربنا عز وجل في كتابه الكريم لتستذكر الأمة أحداثها وتستلهم دروسها وتعيش ظلالها ما تلت القرآن ، قال سبحانه وتعالى { سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير } الإسراء 1 ، فهي ذكرى رحلة معجزة نقلت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبعد من حدود الزمان والمكان ، وجلّت له أمكنة وعوالم بعيدة في لحظات خاطفة ، وهذا ليس بمستغرب على القدرة الإلهية التي لا يتعاظمها شيء ويتساوى أمامها كل شيء ، فإن النبوة التي هي اتصال بالملأ الأعلى والتلقي عن الوحي ليست أقل غرابة من تلك الرحلة ؛ وهذا ما دعا الصديق أبا بكر رضي الله عنه لمقابلة استهجان قريش قصة الإسراء بالتصديق المطلق قائلاً : إني لأصدقه بأبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء
أما ظروفها ومناسبة حدوثها ؛ فقد عاد صلى الله عليه وسلم من الطائف بعد أن رده أهلها رداً غير جميل ، فلجأ إلى الله تعالى طالباً منه النصرة والتأييد { اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني؟ إلى بعيدٍ يتجهمني؟ أم إلى عدوٍ ملّكْتَه أمري؟ إن لم يكن بك علي غضبٌ فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تُنْزِل بي غضبك، أو يحل عليَّ سخـطك، لك العُتْبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك } ، بات صلى الله عليه وسلم في بيت أم هانىء أو في الحجر عند البيت في الحرم ؛ فجاء الروح يدعو سيد الحرم إلى عالم الملكوت ، فلن يكل الله رسوله وحبيبه إلى بعيد يتجهمه ولا إلى عدو يملك أمره ، إنه الآن في رعاية ربه وتأييده فلن يضيره بعد اليوم كيد البشر مهما أمعنوا في طغيانهم أو تمادوا في غيهم وجحودهم .
وقصة الإسراء أنه صلى الله عليه وسلم قال { أتيت بالبراق فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربـطـته بالحلقة التي يربط فيها الأنبياء ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم عـرج بي إلى السماء } رواه مسلم .
ابتدأت رحلة الإسراء العجيبة التي كانت بالروح والجسد في حال اليقظة من البيت الحرام قلب أم القرى والقبلة الدائمة للمسلمين ، وانتهت بالمسجد الأقصى المبارك قلب بيت المقدس والأرض التي بارك الله فيها وقبلة المسلمين الأولى ومعدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل عليه السلام ، واتخذت الرحلة مسار أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام في تردده بين مكة وفلسطين ؛ فقد أسكن زوجه هاجر وابنها إسماعيل في مكة وأسكن زوجه سارة وابنها إسحاق في فلسطين ، فربطت بذلك بين رسالات التوحيد الكبرى وأماكنها المقدسة ، وربطت المسجد الأقصى المبارك بالمسجد الحرام برباط رباني وثيق .
إن هذه الرحلة مظهر من مظاهر الاحتفاء والتكريم الإلهي لخاتم الأنبياء والمرسلين وآية باهرة ومعجزة دلت على قدرة الله جل وعلا ؛ قطع فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم المسافات الشاسعة في جزء يسير من الليل راكباً البراق ؛ فلما انتهى به إلى باب المسجد ربط الدابة في جداره الغربي (حائط البراق) ؛ ودخله فصلى في قبلته ركعتين ، ثم أكرمه ربه برحلة المعراج ؛ نفحة روحية جعلها الله راحة لقلب نبيه وبشارة لنفسه وتثبيتاً لفؤاده ، رفعه تعالى فيها إلى حضرته السنيّة وأرقاه فوق الكواكب العلوية فاستحق عليه الصلاة والسلام اسم العبودية ؛ فهذه أشرف منزلة يتبوأها المؤمن أن يكون عبداً لله ، عُرج به صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العلا يرقى من سماء إلى سماء يستقبله فيها إخوانه المرسلون ، ودخل البيت المعمور كعبة السماء فصلى فيه ، ووصل إلى حيث رأى سدرة المنتهى التي عندها جنة المأوى ؛ وهناك ربما رأى جبريل على صورته الحقيقية للمرة الثانية قال تعالى { ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى } النجم 13-15 ، فكان من أثمن ثمار هذه الرحلة ركن الإسلام وعموده ؛ خمس صلوات في اليوم والليلة رضي بها عليه الصلاة والسلام وخفف بها عن عباد الله ؛ لكنها عدلت خمسين في الأجر فالحسنة بعشر أمثالها .
روى لنا صلى الله عليه وسلم رحلة المعراج فقال { بينما أنا في الحَطيم ... أتيتُ بدابَّة دُونَ البَغلِ وفوقَ الحمار أبيضَ ... يَضَعُ خَطوَه عندَ أقصى طرْفهِ فحُملتُ عليه ، فانطلَقَ بي جِبريلُ حتى أتى السماءَ الدُّنيا فاستفتَح ، فقيل مَن هذا؟ قال جِبريل. قيلَ ومَن معك؟ قال محمد. قيلَ وقد أرسِلَ إِليه؟ قال نعم. قيل مَرحباً به فنِعمَ المجيءُ جاء. ففَتَح. فلما خَلَصتُ فإذا فيها آدمُ، فقال هذا أبوك آدمُ فسلمْ عليه. فسلمتُ عليه، فرَدَّ السلامَ ثم قال: مَرحَباً بالابنِ الصالح والنبيِّ الصالح. ثم صَعِدَ بي حتى أتى السماء الثانيةَ فاستفتحَ ... ففَتَح. فلما خَلَصْتُ إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة. قال هذا يحيى وعيسى فسلمْ عليهما، فسلمتُ فردّا، ثم قالا: مرحباً بالأخ الصالح والنبيِّ الصالح. ثمَّ صعد بي إلى السماءِ الثالثة فاستَفتح ... ففُتح ، فلما خَلصتُ إذا يوسُف، قال هذا يوسُف فسلمْ عليه، فسلمتُ عليه، ... ثم صعِدَ بي حتى أتى السماء الرابعة فاستَفتح ... ففتح. فلما خلصتُ فإذا إدريس، قال هذا إدريسُ فسلم عليه، فسلمتُ عليه ، ... ثم صعِدَ بي حتى أتى السماء الخامسة فاستَفتح ... ، فلما خلصتُ فإذا هارونُ. قال هذا هارونُ فسلمْ عليه، فسلمتُ عليه ... ثم صعِدَ بي حتى أتى السماء السادسة فاستَفتح ... فلما خلصتُ فإذا موسى، قال هذا موسى فسلمْ عليه، فسلمتُ عليه ... ثم صَعِدَ بي إلى السماء السابعة، فاستَفتحَ ... فلما خلصتُ فإذا إبراهيم، قال هذا أبوك فسلمْ عليه. قال فسلمتُ عليه، فردَّ السلام ... ثم رُفعَت لي سِدرةُ المنتهى ... ، وإذا أربعةُ أنهارٍ: نهران باطنان ونهرانِ ظاهران. فقلتُ: ما هذانِ يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهرانِ في الجنة، وأما الظاهرانِ فالنيلُ والفُرات. ثم رُفعَ لي البيتُ المعمور. ثمَّ أُتيتُ بإناءٍ من خَمر وإناءٍ من لَبَن وإناءٍ من عِسل، فأخذتُ اللبَن، فقال: هيَ الفِطرةُ التي أنت عليها وأمَّتُك. ثمَّ فُرِضت عليَّ الصلاةُ خمسينَ صلاةً كلَّ يوم، فرجَعْتُ فمرَرْتُ على موسى، فقال: بما أمِرت؟ قال: أمِرتُ بخمسينَ صلاةً كل يوم، قال: إن أمتكَ لا تَستطيعُ خمسينَ صلاةً كل يوم، وإني واللّه قد جربتُ الناسَ قبلك، وعالجتُ بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجعْ إلى ربِّك فاسأَلْهُ التخفيفَ لأمتك، فرجَعت، ... فأمِرتُ بخمس صلواتٍ كل يوم، فرجعتُ إلى موسى فقال: بما أمِرتَ؟ قلت: أمِرتُ بخمسِ صلوات كل يوم. قال: إن أمتكَ لا تستطيعُ خمسَ صلواتٍ كل يوم، وإني قد جَريتُ الناسَ قبلك، وعالجتُ بني إسرائيلَ أشد المعالجة، فارجعْ إلى ربِّكَ فاسألهُ التخفيف لأمتك. قال: سألتُ رَبي حتى استحيَيتُ، ولكن أرضى وأسلم. قال: فلما جاوَزت نادَى مُنادٍ: أمضَيتُ فريضتي، وخَفَّفتُ عن عبادي } رواه البخاري .
وفي نهاية رحلة المعراج هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس وهبط معه الأنبياء والرسل فصلى بهم إماماً في مسجدها ، قال صلى الله عليه وسلم { ... وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلى ... وإذا عيسى ابن مريم عليه السلام قائم يصلي ... وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلى ... فحانت الصلاة فأممتهم } رواه مسلم ، ، فكانت صلاته بهم تأكيداً أن الإسلام كلمة الله الأخيرة إلى البشر أخذت تمامها على يد النبي الخاتم بعد أن مهّد لها رسل الله الأولون ، قال تعالى { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين } الأحزاب 40 ، واستقر بذلك نسب المسجد الأقصى المبارك إلى الالتصاق بالأمة التي أم رسولها سائر النبيين والمرسلين ، فأصبح جزءاً من عقيدة المسلمين لأنه محور هذه المعجزة ، وهذا إلغاء أبديّ وطيّ سرمديّ لصفحة بني إسرائيل من التفضيل والاصطفاء ؛ فقد ظلت النبوات وقفاً فيهم حيناً طويلاً من الدهر ؛ وظل بيت المقدس مَهبِط الوحي ومَشرِق أنواره على الأرض ، فلما خانوا العهود وأهدروا كرامة الوحي وأسقطوا أحكام السماء وقتلوا الأنبياء وشوّهوا سيرتم بالأباطيل بل وتطاولوا على رب العزة سبحانه حلت بهم لعنة الله ؛ قال تعالى { فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً } النساء 155 ؛ فتقرر تحويل النبوة والرسالة عنهم إلى الأبد بعد ما غيروا وبدلوا فالله أعلم حيث يجعل رسالته .
عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة من ليلته ، وأصبح يحدث القوم بآيات ربه الكبرى التي رآها ، ولم يستمع لتخوّف أم هانىء من تكذيب قريش له أو اتخاذها قصة الإسراء والمعراج مادة للسخرية والتشكيك ؛ فثقته بربه وبالحق الذي أنزله عليه جعلته يصارح القوم برحلته ولا يبالي بردّة من ارتدّ ؛ فلن يتملّق القوم أو يحجم عن الجهر بالحق استرضاء لهم .
وأمام هذه المعجزة العظيمة لم تغير قريش مواقفها المكذبة للرسول صلى الله عليه وسلم كما لم تغير مواقفها أمام كل معجزة أخرى أتاهم بها رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ، إنها المكابرة والمعاندة التي تُعمي عن الحق وتصرف صاحبها عنه ولو كان أبلج مثل فلق الصبح . فكانت هذه المعجزة الخالدة تأييداً ونصراً من الله عز وجل للدعوة الإسلامية ولصاحبها صلى الله عليه وسلم .