مقاصد العقائد – نظرات في حكم ابن عطاء الله

التاريخ: 15 مارس، 2017 الكاتب: د. جاسر عودة

مقدمة
مقاصد الاعتقاد باب من أبواب المقاصد كبقية الأبواب الأخرى: قديم جديد. قديماً بحث فيه الأئمة وتحدثوا عنه بمصطلحات تختلف عن مصطلح “مقاصد العقائد” في الشكل ولكنها تتفق في المضمون، وذلك كحديثهم عن “الأسرار”، و”الحكَم”، و”الأغراض”، و”المحاسن”، و”المناقب” التي تتعلق بالعقائد من إيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، إلى صفات الله تعالى وأفعاله، وغير ذلك من مسائل الاعتقاد.

ومن الأمثلة على هؤلاء الحكيم الترمذي، والذي كتب عن أسرار و”علل” العقائد بأسلوب صوفي غلب عليه تجربته الصوفية الخاصة في كتابيه “إثبات العلل”،[1] و”الحج وأسراره”،[2] وكابن بابويه القمي الذي ضمن كتابه “علل الشرائع” تفسيرات عقليّة وحكَم وأسرار للإيمان بالله، والرّسل، والغيب، وما إلى ذلك من عقائد، إضافة إلى ما كتبه في نفس الكتاب عن أسرار الصلاة، والصّيام، والحجّ، والزّكاة، وبرّ الوالدين، وغير ذلك من أحكام.[3]

أما العامري الفيلسوف في “مناقبه”، فقد قارن بين الإسلام وغيره من الأديان من ناحية العقائد، وبحث في الحكم والأسرار و”المناقب” في إثبات الصانع تعالى، والرسل، والملائكة، والمعاد، وغير ذلك من العقائد.[4] وأما محمد الزاهد البخاري في كتاب الإيمان من كتابه “محاسـن الإسـلام”،[5] فقد تناول محاسن الشهادة بالتوحيد وفصّل القول في ذلك. وأما الإمام الغزالي، فقد اشتهر بنظراته المبدعة في “الأسرار”، والتي تعدى بها الحديث عن الأحكام والعبادات والمعاملات –كما في إحياء علوم الدين- إلى الحديث عن أسرار العقائد في معرض كلامه عن “معارف الأولياء وأحوالهم”.[6] وقد كتب العز بن عبد السلام عن أسرار قرب الله عز وجل، وعظمته، وعلوه، وأثر ذلك المتوقع على العبد خضوعاً وخشوعاً وتذللاً لله تعالى،[7] والإمام القرافي كتب عن مقاصد تمييز ما لله تعالى عن ما ليس له على سلوك المكلف،[8] وأما الإمام الشاطبي، فقد دافع عن التعليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة (والتي تشمل العقائد) وعن الاستقراء منهجاً لاستنباط العلل والمقاصد منها.[9] وغير هؤلاء من العلماء كثير ممن كتبوا في “مقاصد العقائد” وقاربوا نفس المعنى بأساليب مختلفة.[10]

وبعد عصر السلف ذكر إمام الهند شاه ولي الله الدهلوي كلاماً نفيساً عن مقاصد العقائد في الله تعالى، وذلك في أبواب متعددة من “حجته”، كباب الإيمان بصفات الله تعالى، وباب الإيمان بالقدر، وباب الإيمان بأن العبادة حق الله تعالى على عباده لأنه منعم عليهم مجاز لهم بالإرادة، وباب تعظيم شعائر الله (القرآن، والكعبة، والنبي، والصلاة)، وغير ذلك من الأبواب الاعتقادية.[11]

ومن العلماء المعاصرين، كتب العلّامة الشيخ يوسف القرضاوي عن مدى السعة في مجال البحث في مقاصد الشريعة، فقال: “الذي أرجحه: أننا نعني مقاصد الإسلام كله، وأحسب أن الأصوليين الذين حصروا مقاصد الشريعة في الكليات الخمس، أرادوا أن تشمل العقائد فيما تشمل، ولهذا جعلوا الدين هو الضرورة الأولى. والعقائد هي رأس الدين وأساس بنيانه كله”.[12]

وحث الدكتور أحمد الريسوني على تفعيل البحث في مقاصد العقائد فكتب يقول:[13]

وهذا المجال في تقديري هو أهم المجالات والآفاق التي على البحث المقاصدي ارتيادها وإلحاقها بمجالات الدراسات المقاصدية، وأعني به البحث في (مقاصد العقيدة الإسلامية)، تماما مثلما بحث السابقون ويبحث المعاصرون في (مقاصد الشريعة الإسلامية). وليست شرائع الإسلام أولى بالعناية وبالبحث عن مقاصدها من عقائد الإسلام. فلماذا نجد الحديث ينمو ويتكاثر عن مقاصد الأحكام ولا نجد شيئا عن مقاصد العقائد؟ … مجال العقائد (علم التوحيد وعلم الكلام) قد خلا تقريبا من النظر المقاصدي، وكأن عقائد الإسلام ليس لها مقصد ولا غرض ولا ثمرة ترجى، وأن على المكلف أن يعتقدها ويعقد عليها قلبه ليس إلا … المهم: لكي تستعيد عقائدنا وجهها الحقيقي وتؤدي دورها الحقيقي، وتستعيد موقعها الأساسي في حياتنا وعلومنا وثقافتنا، لابد من البحث في مقاصدها الشرعية، ودراستها والتعامل معها في ضوء مقاصدها تلك. فهذا مجال كبير وبكر من مجالات (علم المقاصد)، يحتاج إلى باحثين أفذاذ ومستكشفين رواد …

ومن تلاميذ الأستاذ الدكتور الريسوني بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط من كتب في هذا الموضوع رسائل علمية جادة جددت البحث في كثير من الجوانب، وقدمت محاولات رائدة في هذا العلم، كالأستاذ امحمد عبدو الذي قدم رسالة عن “مقاصد العقائد عند الإمام الغزالي” (عام 2002)، والأستاذة يامنة هموري التي قدمت رسالة عن “مقاصد العقيدة ومقاصد الشريعة عند الإمام فخر الدين الرازي (عام 2003)، وغيرهما.

ونوه الأستاذ الدكتور نور الدين بن مختار الخادمي كذلك على أهمية التفرقة بين مجالات العقيدة القطعية التي لا تقبل الاجتهاد المقاصدي، ومجالات العقيدة الظنية التي تقبل الاجتهاد المقاصدي، مثل الوسائل الخادمة للعقيدة.[14] وبين الدكتور يوسف أحمد محمد البدوي في كتابه عن ابن تيمية كيف أنه لم يراع المقاصد في الفقه وأصوله فحسب، بل في كل أبواب الشريعة، حتى في العقيدة والأخلاق والسلوكيات، وحرص على ربط الجزئيات بالكليات في الإسلام وبيان مقاصدها.[15] وأشار الدكتور محمد الزحيلي إلى أن العقيدة بمختلف أصولها وفروعها إنما جاءت لرعاية مصالح الإنسان وتحقيق السعادة لهم في الدارين.[16] وغير هؤلاء كثير.[17]

وهذا البحث يهدف إلى إضافة متواضعة في هذا الباب عن طريق التفكر في صفتين من صفات الله عز وجل تحدث عنهما الإمام العارف بالله الشيخ أحمد بن عطاء الله السكندري في حِكَمه القيمة وتوجيهاته المركزة المعروفة بحكم ابن عطاء الله،[18] بدا لي أن أنتقي منها ما يبين الأسرار والحكَم والمصالح الدينية والدنيوية التي يحصلها العباد من اعتقاده بهاتين الصفين، وما قصده الله عز وجل من تجليه على عباده عطاء أو منعاً، وهو الذي بيده الخير دائماً –سبحانه- وهو على كل شيء قدير.

وأبدأ قبل الشروع في مقاصد العلم بصفتي العطاء والمنع، والتي سوف أعرضها بأسلوب مبسط على هيئة خواطر وأسئلة وأجوبة – أبدأ بمناقشة موجزة بأسلوب أكثر أكاديمية للسؤال الفلسفي (الكلامي) المتعلق بهذا الموضوع، ألا وهو: هل العقائد الإسلامية معللة بأغراض؟

هل العقائد الإسلامية معللة بأغراض؟

هذا السؤال يتعلق بسؤال كثر حوله الجدل في تراثنا الإسلامي الكلامي، ألا وهو السؤال: “هل أفعال الله معللة بأغراض؟”، ومن المهمّ أن نلاحظ أنّ مفهوم العلة أو السبب لم يكن يجري في علم الكلام التفريقُ بينه وبين مفهوم الغرض أو المقصد أو الحكمة.[19] وإنّما كان يجري التفريق بين هذين المفهومين في مجال الاجتهاد الفقهي.[20] إنّ البحث الفلسفي الكلامي حول التعليل ذو علاقة بهذا البحث، لأنّ الشريعة الإسلاميّة نفسها هي من حيث العقيدة “فعل إلهيّ” أتتنا عن طريق الوحي، والأغراض التي من وراء الشريعة هي إذن مقاصد الشّريعة. فالسؤال إذن هو: هل هناك من قصد من وراء تنزيل الله تعالى لهذه الشريعة؟ وقد أعطانا الكلاميّون عن هذا السؤال ثلاثة أجوبة:

من قالوا إنّ أفعال الله “يجب عليه” أن يكون لها مقاصد، وبالتالي فإعلامنا بهذه العقائد “يجب على الله” تعالى أن يكون له غرض فيها: قسم المعتزلة والشّيعة (كلهم عدا بعض الاستثناءات) كلّ الأفعال إلى أفعال “حسنة” وأفعال “قبيحة”،[21] واعتقدوا في كلّ شيء حسْناً أو قبْحاً ذاتياً غير قابل للتغيّر بتغيّر الظروف. ثم اعتقدوا أنّ العقل الإنسانيّ قادر بذاته على ما أطلقوا عليه “التحسين والتقبيح العقليين”، أي على معرفة الحسن من القبيح ولو دون وحي إلهي. ولأنّ تحديد التحسين والتقبيح أعمال عقليّة، فإنّ المعتزلة طبّقوهما سواء بسواء على البشر وعلى الله تعالى (وكان هذا بناء على “أصل العدل”). وإذن، في حق البشر تكون الأفعال الحسنة عندهم “واجبة” وتكون الأفعال القبيحة “محظورة”، وفي حق الله تعالى تكون الأفعال الحسنة واجبة عليه، والأفعال القبيحة هي أفعال “يستحيل عليه فعلها”، حسب تعبيرهم. ويعتقدون أيضاً أنّ الأفعال التي لا علة ولا غرض لها عبث قبيح لا يجوز على الله، ولهذا فهم يعتقدون أنّ كلّ أفعال الله تعالى “معللة”.[22]
من قالوا إنّ الله تعالى منزه عن الأسباب والمقاصد والأغراض: كان الأشاعرة والسّلفية -كردّ فعل على المعتزلة- قد أقرّوا بأنّ الفعل يمكن أن يكون “حسناً” أو “قبيحاً”، ولكنّهم قرّروا أنّ تقرير القبْح والحسْن هو من الشريعة لا من العقل. ففي غياب الشريعة -عندهم- يمكن أن يكون أي فعل “حسن” أو “قبيح” على حدّ سواء (إلا العلمَ في مقابل الجهل، والعدل في مقابل الظلم)،[23] وقالوا بناء على ذلك إنّ الله تعالى “لا يجب عليه” فعل شيء أصلاً، وأنّ كلّ ما يفعله هو “خير” و”حسن”. لهذا يعتقد الأشاعرة أنّ أفعال الله تعالى هي “فوق الأسباب”، لأنّ من يفعل الشيء لسبب هو بحاجة إلى ذلك السبب، بينما الله تعالى لا يحتاج لشيء.[24] واحتجّ الأشاعرة أيضاً بأنّ الله تعالى هو مسبب الأسباب، وخالق الأسباب، وخالق نتائجها كذلك، ولهذا فهو يفعل ما يشاء دون أن يحتاج أن يلتزم بأيّ شيء يلزمنا من أحكام الأسباب والمسبّبات”.[25]
من قالوا إن أفعال الله تعالى لها أسباب ومقاصد رحمة منه بعباده، وهو قول الماتُريديّة، ورأوا أنّ المعتزلة مصيبون في اعتقادهم أنّ أفعال الله تعالى مسببة، ولكنّهم مخطئون في جعل الله وكأنه ملزم أو “يجب عليه” أن يفعل ما يفعل. وارتأى الماتريديّة أيضاً أنّ الأشاعرة مصيبون في قولهم إنّ الله تعالى “لا يحتاج” إلى الأسباب، ولكنّهم قالوا إنّ الأسباب والمقاصد والمصالح هي “حاجات” للبشر، لا لله تعالى. وقبِل الماتريديّة مبدأ التحسين والتقبيح، ولكنّ “العقل” عند الماتريديّة لا يملك السلطة ليحكم مستقلاً عن الشرع على ما هو حسن وما هو قبيح، وإنّما العقل “آلة” منحها الله للإنسان لكي يدرك الحُسن والقبح إذا أُعلم به.[26]
ولكن كثيراً من الأئمة الذين انتموا إلى الأشاعرة خالفوا الموقف الأشعريّ في الواقع فيما يخصّ عدم تعليل أفعال الله بأسباب، وتبنّوا موقفاً هو أقرب إلى موقف الماتريديّة. ولعل الظروف السياسيّة والخوف من الاضطهاد – فيما يبدو لي – هو الذي جعلهم يعلنون رفضهم الكلي والجزئي لمبدأ “التحسين والتقبيح” العقلي، كالآمدي،[27] والشاطبيّ،[28] وابن تيميّة،[29] وابن القيّم،[30] وابن رشد.[31] وقد كان هجوم ابن رشد على الأشاعرة هو الأشد، فقد كتب في نقده لكتاب “التهافت” بأنّ: “أولئك الذين ينفون الأسباب ينفون العقل نفسه”.[32] والجدير بالذكر هنا أنّ الشاطبيّ اعتبر مقاصد الشّريعة العامة من “أصول الدّين وكلّيّات الملّة”، أي أن ثبوت المقاصد نفسها عنده من مسائل الاعتقاد ولو كان طريق إثباتها الاستقراء للنصوص الشرعية، الذي وسمه الأشاعرة بالظنية.[33]

وإنه بناء على الاستقراء كذلك، فإن لله عز وجل أغراض ومقاصد من تعليم العباد عن صفاته وأفعاله –عز وجل- مما يظهر بوضوح في نصوص كثيرة، نذكر بعضها هنا على سبيل المثال:

يقول تعالى: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (الحديد 22-23). و”لكيلا” هنا للتعليل، أي أنه سبحانه وتعالى أخبرنا عن الكتاب الذي كتب فيه كل شيء، لكيلا نأسى على ما فاتنا ولا نفرح بما آتانا، وهو إذن يقصد أن نستفيد هذه الفوائد النفسية والدينية من تعليمنا هذه المسألة العقدية.

ويقول تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) (الحج 40)، وهو يبين المقصود من سنة التدافع التي خلق الله العباد على نظامها، ألا وهو إحلال السلام ومنع الحروب وهدم بيوت العبادة.

ويقول تعالى: (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ) (الشورى 19)، فصفات اللطف والقوة والعزة هنا القصد منها أن نوقن أنه سبحانه يرزق من يشاء وأن العباد لا يستطيعون رد ذلك ولا الاختيار فيه، (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (القصص 68)، وهذا أدعى لتسليمهم له وتوكلهم عليه.

ويقول تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) (المؤمنون 76)، وفيه بيان أن المقصود من البلاء والعذاب في الدنيا قد يكون أن يستكين العبد ويتضرع لربه، وفي هذا مصلحة أي مصلحة، ومثله في المقصود من قوله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم 41)، ومثله قوله تعالى: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (السجدة 21)، ومثله قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الأحقاف 27)، ومثل هذا المعنى كثير في كتاب الله.

ويقول تعالى: (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الحشر 21)، وفيه بيان أن المقصود من إخبارنا بهذه المسألة الغيبية هو أن نتفكر ونتعظ.

وفي كتاب الله عز وجل من ذلك الكثير مما يدل على مقاصد أفعال الله تعالى وصفاته وغير ذلك من مسائل العقائد، استقراءً، بغض النظر عن الجدل الفلسفي والتعقيد الكلامي، والله أعلم وأحكم.

العطاء والمنع بقصد الإفهام

المؤمن يعتقد أن من أسماء الله عز وجل الحسنى أنه المعطي المانع، فيعطينا أحيانًا، ويمنعنا أحيانًا أخرى، ويبتلينا بالخير أحياناً وبالشر أحيانًا أخرى، بالسراء أحيانًا وبالضراء أحيانًا أخرى، بالنعمة أحيانًا وبالحرمان منها أحيانًا أخرى. ولكنّ الأمر على حقيقته قد يختلف عن ما أظن أنا أنه خير أو شر أو نعمة أو نقمة. يبين العارف بالله الشيخ ابن عطاء الله السكندري أن المؤمن في حاجة لحسن الفهم عن الله سبحانه وتعالى في عطائه ومنعه، لأن الأمور قد لا تكون كما تبدو ظواهرها، وأن الله عز وجل يقصد إلى أن “نفهم” حين يعطي أو يمنع. كتب فيقول:

رُبَّما أَعْطاكَ فَمَنَعَكَ وَرُبَّما مَنَعَكَ فأَعْطاكَ. إن فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء. إنَّما يُؤلِمُكَ المَنْعُ لِعَدَمِ فَهْمِكَ عَنِ اللهِ فيهِ. رُبَّما فَتَحَ لَكَ بابَ الطّاعَةِ وَما فَتَحَ لَكَ بابَ القَبولِ. وَرُبَّما قَضى عَلَيْكَ بِالذَّنْبِ فَكانَ سَبَبَاً في الوُصولِ. مَعْصِيَةٌ أَورَثَتْ ذُلاً وافْتِقاراً خَيرٌ مِنْ طاعَةٍ أوْرَثَتْ عِزّاً وَاسْتِكْباراً.

ونقرأ قوله تعالى: (فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ. وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ. كَلَّا) (الفجر 15-17). (كلّا): أي أن الله عز وجل يقول إن هذا ليس هو الفهم الصحيح لاتساع الرزق بالعطاء أو ضيق الرزق بالمنع. إن قَدَر الله عليّ الرزق، فهذا لا يعني أنه يهينني، وإن نعَّمني وأغدق عليّ بعض الرفاهية فهذا لا يعني أنه يكرمني، ولا يعني بلوغ المكانة الرفيعة، بل العكس قد يكون صحيحاً. والسؤال الآن هو: كيف أحكم في هذا الأمر؟

ينبه الشيخ على مقصود الله تعالى، ألا وهو الفهم، فيقول: (إن فتح الله تعالى لك باب الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء). فإن منعك أو أخذ منك الله عز وجل شيئاً من المال، أو الوظيفة، أو الصحة، أو الأهل، أي أخذ منك شيئاً هاماً وغالياً، ولكنه في نفس الوقت قد فتح لك باباً للفهم، أي باباً للعبرة والتفكر والنضوج والقرب من الله – إن حدث ذلك فما حدث ليس منعاً، بل المقصود هو العطاء والهدية، وعندها تتحول المحنة إلى منحة! وبالفهم عن الله عز وجل، تعرف أن ما يحدث من بلاء هو عين العطاء، لأنك قبل الفهم كنت تنظر إلى المادة، وإلى الحواس الخمس، وإلى الأرقام، فتقول مثلاً: (قد خسرت عشرة آلاف)، أو (ذهب كذا من أهلي أو صحتي أو من متاع الدنيا)، إلى آخره. ولكنّ ذلك هو الحساب المادي، والله عز وجل قد يأخذ منك العشرة آلاف ولكنه يعطيك فهماً، ويعطيك رضى، ويعطيك عملاً صالحاً، ويعطيك همة عالية لتغيير حالك، وقد يعطيك صديقاً وفياً يقف معك، وقد يعطيك استكانة له سبحانه وتعالى ودعاءً وقرباً وتوكلاً عليه سبحانه وتعالى فتكون خسارة هذه العشرة آلاف هي عين العطاء وعين المنحة. بل وقد يعطيك بدلاً منها مائة ألف مثلاً في وقت لاحق نتيجة مراجعتك لنفسك وتحسينك لمسلكك. لابد إذن من أن نحسن الفهم عن الله سبحانه وتعالى، ولابد أن تعتدل الموازين حتى نفهم ما هو المنع وما هو العطاء. لأنه أحيانًا نتصور أن شيئاً ما منع، ويكون هو عين العطاء. ونتصور أن شيئاً ما عطاء، ويكون هو عين المنع.

العطاء بقصد الإملاء (والعياذ بالله)

والمثال بالعكس صحيح، فقد يعطي الله سبحانه وتعالى إنساناً عشرة آلاف وهو يقصد الابتلاء له، فلا يشكر الله عليه بالقول ولا بالعمل، ويغتر بالمال، ولعله يصرفه في الحرام، وتكون العاقبة سيئة، والعياذ بالله. ولعل الله عز وجل يقصد أن يُمْلي لهذا الإنسان: {وأملي لهم إن كيدي متين}، والعياذ بالله. فالله عز وجل أحيانًا ما يفتح الأبواب عقوبة، {حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون}، والعياذ بالله. ولابد للعبد العاقل أن يخاف من هذا.

ويضرب الشيخ هنا مثالاً آخر في نفس المعنى. يقول رحمه الله: (ربما فتح لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول، وربما قضى عليك الذنب فكان سبباً في الوصول). هنا يعطيك الله تعالى الطاعة أو العبادة أو العمل الصالح، صليت القيام، أو حفظت القرآن، أو تصدقت، أو صمت، أو حججت، وهذا فتح من الله سبحانه وتعالى. لكن احذر! فأحيانًا تتخيل أن العبادة نفسها في حد ذاتها عطاء وما هى بعطاء، لماذا؟ مثلًا، قد يبطل العبد ثوابه بنفسه بعد أداء العمل. فمثلاً، قال تعالي: {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منّاً ولا أذى لهم أجرهم}. فالمنّ والأذى يبطل الصدقة ويسدّ باب القبول والأجر. وقد يكون هناك طاعة ولكن سوء أداء العبد لهذه الطاعة نتج عن رياء مثلاً: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً}، وإذن تؤدي هذه الطاعة إلى عقوبة، والعياذ بالله، لأن المقصود من الطاعة هو الإخلاص فيها والانتفاع بها خلقياً وروحياً. فإن حدثت الطاعة ولم يحدث الإخلاص أو لم يتم الانتفاع بها روحياً وخلقياً، فلا قيمة لها. ولذلك، ففي الحديث أنه: (من لم يدع قول الزور والعمل به فلا حاجة لله في أن يدع طعامه وشرابه)، أي أن صيامه غير مقبول ومردود عليه، والعياذ بالله.

المنع بقصد تعليم التواضع

ثم يعطينا الشيخ مثلاً آخر في باب الطاعة والمعصية مما يتطلب دقة في الفهم. يقول الشيخ: (وربما قضى عليك الذنب فكان سبباً في الوصول)، وفي هذا المعنى يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله: (رب معصية أورثت ذلاً وانكساراً فأدخلت صاحبها الجنة، ورب طاعة أورثت صاحبها عجباً وكبراً فأدخلته النار).

والمعصية في حد ذاتها لا تدخل أحداً الجنة طبعاً، ولكنها قد حدثت بالفعل وحدثت التوبة، ويذكر العاصي ذنبه باستمرار ولا ينساه، بل يجتهد ويجدّ حتى يدخل الجنة. وهذا المعنى من معاني العطاء والمنع. أحيانًا تكون معصية، ولكنها معصية تاب العبد منها وتورث الذل والانكسار لله سبحانه وتعالى، فتصبح منحة وتصبح عطاء.

وهذا لا يعني أن أذهب وآتي المعاصي ثم أقول: حتى ينكسر القلب ويتوب، هذا فهم خاطئ منحرف انزلق إليه بعض الجهال، وليس هذا هو مقصود الله عز وجل قطعاً، فالله لا يقصد الفحشاء ولا يأمر بها. ولكن الحديث هنا هو عن ما سبق وحدث من المعاصي في الماضي، أن تورث هذه المعاصي الذل والانكسار لله سبحانه وتعالى. ولعل ذلك أفضل من طاعة تورث العزة والاستكبار: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، كما قال صلى الله عليه وسلم. فإن كانت ثمة طاعة، ولكنها أورثت فاعلها الكبر، فعدمها أفضل. فلابد إذن أن ننظر إلى مدى القرب والبعد من الله عز وجل، وأن يكون هذا هو المعيار.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له). وهذا الحديث يدل على أنك أنت الذي تصنع الخير أو الشر لنفسك في الحقيقة، والأمر بيدك أنت! إن استقبلت السراء بالشكر فهو خير، وإن استقبلت الضراء بالصبر فهو خير، وإن استقبلت السراء بالكبر والمعصية فهو شر، وإن استقبلت الضراء بالضجر والكفر فهو شر، فأنت الذي تحدد: عطاء أم منع، حسب ردّ فعلك أنت.

المنع بقصد تقريب العبد من الله
وهذا مثال آخر خاص بالفهم عن الله تعالى في عطائه ومنعه، يعلمنا إياه الشيخ ابن عطاء الله رحمه الله ورضى عنه. يقول:

مَتى أَوْحَشَكَ مِنْ خَلْقِهِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ يُريدُ أَنْ يَفْتَحَ لَكَ بابَ الأُنْسِ بهِ. ومَتى أطْلَقَ لِسانَكَ بِالطَّلَبِ فَاعْلَمْ أنَّهُ يُريدُ أنْ يُعْطِيَكَ.

(متى أوحشك من خلقه فأعلم أنه يريد أن يفتح لك باب الأنس به)، فأحيانًا يأتي البلاء في صورة أن يستوحش الإنسان أي ينعزل وينفرد، مثلاً بأن يأخذ الله عز وجل الرفيق، كالصاحب أو الزوج أو الأخ أو الصديق، أو أن يسافر العبد لظرف ما ويبقى وحده في مكان بعيد أو بلد غريب، أو تجد نفسك فجأة وحدك في سجن أو مستشفى، لا قدر الله.

يبين الشيخ أن هذا قد يكون من العطاء في صورة المنع، وهذا أيضا مصداق حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: (إذا أراد الله بعبد خيراً أوحشه من الناس). فيفتح الله لك في هذه الوحدة باب الذكر أو باب التفكر أو باب الأنس به، وهذا الأنس لم يكن ليأتي وأنت تختلط بالناس ليل نهار، فيفتح لك سبحانه وتعالى هذا الباب بأن يحبسك في مكان ما، ولعلك تظن أن هذا من المنع وإنما هو من العطاء، أوسع عطاء. ومن أساتذتي من يذكر فترات من حياته كان فيها في السجن أو في منفى، يذكرها بالخير ويقول: (لولا ذلك السجن لما ألّفت كتبي ولا وصلت إلى أفكاري). فكان السجن والوحشة في الحقيقة سبباً للأنس بالله والنفع للخلق.

المنع بقصد توبة العبد

وأحيانًا ما يضيّق الله عز وجل عليك الرزق، ويريد منك أن تتوب، ليس إلا. {أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولاهم يذّكرون}، {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون}. فالله عز وجل أحيانًا يأخذك ببعض البلاء وبعض الضرر حتى تتوب إليه، وتستكين، وتدعوه وأنت تحس بالاضطرار، وهذا أيضاً من صور المنع الذي هو في حقيقته عطاء، فالبلاء والفتنة اللذان ينتهيان إلى التوبة والرجوع إلى الله تعالى هما نعمة حقيقية.

والمنع والعطاء لا يقاسان بمقاييس البشر، فلن تكون المقاييس الصحيحة هي مقاييس الأرقام ومقاييس اللذّات المادية، وإنما المقياس الحقيقي هو علاقتك بالله. فأحيانًا يبتليك الله ابتلاء فتتحسن العلاقة معه سبحانه وتعالى، وهذا هو عين العطاء، وأحيانًا لا تأتي منح من الله تعالى إلا عن هذا الطريق، لأنني مثلاً قصّرت في حق الشكر أو حق العبادة، فالله تبارك وتعالى يأخذ من مليارات النعم التي أعطاني إياها يأخذ مني نعمة أو اثنتين أو ثلاثة، وقد أجزع، ولكنني أعود إليه سبحانه وتعالى، وهذه هي المنحة أي منحة، وعطاء أي عطاء!

المنع بقصد فتح باب الدعاء

ثم يقول الشيخ:

ما طَلَبَ لكَ شَيْءٌ مِثْلُ الاضْطِرارِ، وَلا أَسْرَعَ بِالمَواهِبِ إلَيْكَ مِثْلُ الذِّلَّةِ والافْتِقارِ

قد يبتليك الله عز وجل بلاء لا ترى له حلاً إلا أن تسأل وتدعو، فلعلك مقصّر لا تسأل ولا تدعو كثيرًا قبل هذا البلاء، ولعلك تتوهم أنك لا تحتاج إلى الدعاء، أو تدعو ولكن لا تكون مضطراً، ولكن أحيانًا يجد الإنسان نفسه مضطراً، ويجد الإنسان نفسه في ضيق لا ملاذ له ولا كاشف له إلا الله، وأخيراً يدعو ويسأل الله عز وجل، ويكون هذا هو مقصود الكريم سبحانه. ولعل هذا السؤال يستمر أياماً أو أسابيع، ويكون المقصود من هذا أيضاً العطاء وليس المنع، لأن (الدعاء مخ العبادة)، كما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم، وفي رواية: (الدعاء هو العبادة)، فتظل في عبادة صادقة وصلة دائمة بالمولى عز وجل، ويكون هذا هو عين العطاء وليس هذا من المنع في شئ.

ولكن، يقول الشيخ: (إن فتح لك باب السؤال فأعلم أنه يريد أن يعطيك)، فالله عز وجل يثيب على السؤال في حد ذاته، ويعطي كذلك ويجيب السؤال كذلك في الدنيا أو في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة معاً، أو في شيء آخر أفضل في الدنيا أو في الآخرة؛ فالله عز وجل حين يفتح لنا باب الدعاء فإنه سبحانه وتعالى يريد أن يعطينا، لأن العبد الكريم إذا سُئل لابد أن يعطي، فما بالك بالله!

فمن مقاصد المنع فتح باب الدعاء، والله عز وجل يسأل الكفار في كتابه العزيز: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض؟ أإله مع الله؟}، فالله عز وجل يُشهد الكفار على أنهم حين يضطرون في دعائه له سبحانه فإنه يجيبهم! فإذا كان دعاء المضطر الكافر يستجاب من الله سبحانه وتعالى نظراً لما فيه من الصدق والحرارة والتسليم بالقدرة الإلهية، فما بالك بالمضطر المؤمن؟ الاضطرار إذن يسرع باستجابة الله للدعاء، ولذلك فإن الشيخ يقول أيضاً: (ما طلب لك شيء مثل الاضطرار). أنت مضطر وترفع يديك لله عز وجل، وتحس بالحاجة الشديدة، ويؤيد ذلك انقطاع الأسباب أحيانًا، كما مرّ.

وهذا ينطبق أيضًا على المسائل العبادية، فأنا مضطر إلي مغفرة الله عز وجل ورحمته، وأحسّ بهذا الاضطرار حين أسأله أن يفتح عليّ من مغفرته ورحمته وفضله. إذن حتى في أبواب العبادات وأبواب المناجاة، ليس هناك شئ أسرع بالطلب مثل أن يشعر المسلم بالاضطرار والفقر والتعلق بمحض الرحمة الإلهية.

ونرى هذا الحال في دعاء المصطفى صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة، ونذكر منها مثلاً غزوة بدر، حين رفع يديه صلى الله عليه وسلم حتى سقط الرداء عن كتفيه وحتى رؤي بياض إبطيه، أي أنه رفع يديه عاليًا، قائلاً: (اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد بعد اليوم)، ورفع يديه صلى الله عليه وسلم ودعا دعاء طويلاً! هذا دعاء المضطر، هذا الذي يسرع إليك بالاجابة.

ثم يشرح الشيخ أحوالاً أخرى مفيدة في الدعاء. قال: (ولا أسرع إليك بالمواهب مثل الذلة والافتقار)، أي أن تتذل إلي الله عز وجل، وتحس بالفقر له. قال بعض العلماء في قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء}، قالوا: هذه تنطبق أيضًا على من يحس بالفقر ويطلب من الله تعالى العون، وهو تأويل بعيد، ولكن المعنى صحيح لأنه إذا كان الإنسان الفقير يحق عليك له الصدقة؛ فما بالك إذا أظهرت لله عز وجل فقرك وهو سبحانه وتعالى الكريم، بل الأكرم، فإذا أظهرت له الفقر وأظهرت الذلة وأظهرت الخشوع فإن الله عز وجل يكرمك ويعطيك ما تسأل أو أفضل مما تسأل. وقوله: (ولا أسرع بالمواهب إليك)، لأن الله عز وجل هو الذي يمنحنا المواهب، دنيوية أو دينية، لكن الشيخ إنما يقصد المواهب الدينية بالأساس، كالحال القلبي والطاعات والقربات.

وصحيح أن للدعاء شروط وفقه، وهي أن تتوجه إلى القبلة، وألا تدعو بإثم ولا قطيعة رحم، ويستحب أن ترفع يديك عند الدعاء، وتبدأ بالحمد لله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وأفضل منه أن تتوسط وتختم بالصلاة على النبي كذلك، هذا من فقه الدعاء؛ ولكن الحال أبعد من الفقه، فهو يتعلق بالحال القلبي الذي هو أساس للدعاء وليس فقط من (المستحبات)، وهو مقصود أيضاً.

ومن إجابة الدعاء ما يكون في الآجل ويكون أفضل من العاجل، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن العبد يثاب يوم القيامة على دعاء لله لم يستجاب، يقول صلى الله عليه وسلم: (حتى يتمنى العبد أن لم يُستجب له دعاء قط)، يعني: أن تتمنى يوم القيامة أن الله عز وجل لم يستجب لك أبداً حين ترى أن الذي لم يجبه لك في الدنيا قد أخره لك يوم القيامة في صورة درجات هي أفضل من الدنيا وما فيها.

وحين لا يستجيب لك في الدنيا، فإنه سبحانه وتعالى يحسن لك الاختيار. وهل عودك إلا حسن الاختيار؟ وهو الذي يقول عن نفسه سبحانه: {بيدك الخير}، أي أنه عز وجل دائمًا ما يحسن لنا. فإن دعوت بشيء ولم يستجب لك فاعلم أنه يختار لك الخير، ولا يختار لك الشر أبداً. ولأنه ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك، كما مر. وهذا العطاء يكون إما في هذه الدنيا أو في الآخرة. فلنترك الاختيار له سبحانه وتعالى، فـ {ربك يخلق ما يشاء ويختار}، ودائمًا ما يختار أفضل مما نختار، في العاجل والآجل.

العطاء والمنع بقصد فتح باب الرجاء والخوف

ومن مقاصد العطاء والمنع الإلهي الخوف والرجاء البشري، فقد يلتمس السالك إلى الله قلبه أحياناً فلا يجده! ويحاول أن يستشعر شيئاً نحو الله فتحول بينه وبين ذلك غفلات القلب وشهوات النفس. والشيخ هنا يدلنا على بابين يمكن أن نفتحهما عن طريق العقل، وهو الآلة التي يمكن أن نستعملها في أي وقت بفضل الله ورحمته الواسعين. هاذان البابان هما باب الرجاء وباب الخوف. السؤال الذي يجيب عنه الشيخ هنا هو: كيف يمكن أن ينفتح لي باب الرجاء وأن لا أستشعر هذا الرجاء في قلبي حقيقة؟ وكيف يمكن أن ينفتح لي باب الخوف وأنا لا استشعر هذا الخوف في قلبي حقيقة؟

والجواب:

إذا أَرَدْتَ أنْ يَفْتَحَ لَكَ بابَ الرَّجاءِ فاشْهَدْ ما مِنْهُ إلَيْكَ. وَإذا أَرَدْتَ أنْ يَفْتَحَ لَكَ بابَ الخَوفِ فاشْهَدْ ما مِنْكَ إلَيْهِ

أجر إحصاءً وجرداً للنعم التي منّ الله عليك بها، وإحصاءً وجرداً آخر للطاعات والقربات التي تقدمها إلى حضرته سبحانه. فأما النعم فلا يمكن أن تحصيها على أية حال: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}، ولكنك كلما تذكرت نعمة من نعم الله تعالى عليك، أدركت وشعرت كم هو كريم، وكم هو حليم، وكم هو رحيم، وكم هو جواد. وإذا استغرقتني هذه المعاني، فسينفتح لي باب الرجاء في عطاء هذا الإله الكريم المعطي الحليم الجواد الرحيم.

ثم إنني إذا تذكرت ما أقوم به، وتقصيري، وقصوري عن بلوغ أدنى درجات الشكر الذي يليق بكرمه، أو الذكر الذي يليق بجلاله، أو التعبد الذي يليق بمقامه سبحانه، وإذا استغرقتني هذه المعاني، فسينفتح لي باب الخوف في قلبي.

والعبد ينبغي أن يراوح بين هذا وذاك، فيصبح -كما قال ابن القيم في إحدى تشبيهاته الجميلة- كالطائر الذي له جناحان، جناح رجاء وجناح خوف، وكأنه يطير بهذين الجناحين. والتوازن بين الأضداد من السنن الإلهية الثابتة، وهنا لابد أن يحدث توازن بين الرجاء والخوف حتى يطير الطائر، لأنه لا يستطيع أن يطير بجناح واحد!

فمن الانحرافات في هذا الباب أن يتعدى الرجاء إلى (الأمن). وهذا يعني أن يأمن الإنسان من العقاب. { وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً}، وهذا قد ورد في شأن بعض الأمم من قبلنا وقد كانوا يظنون أنهم شعب الله المختار أبداً، بغض النظر عن عملهم، كما يظن بعض المسلمين اليوم أنهم ما داموا مسلمين فمهما فعلوا فلا يهم ولا يضر، وقد قال تعالى: {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}، فلا ينبغي للرجاء أن يصبح أمناً أو توهم وجود ضمان مع الله سبحانه وتعالى، ليس هناك ضمان إلا في الجنة. ومن الانحرافات في هذا الباب كذلك أن يتعدى الخوف حتى يكون قنوطاً من رحمة الله سبحانه وتعالى! رغم قوله تعالى: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، وقال: {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُون}.

والمطلوب هنا هو أن يكون هناك توازن بين الرجاء والخوف، فنتوب إلى الله سبحانه وتعالى ونرجوه من فضله ومنّه وكرمه أن يعفو عنا، وفي نفس الوقت نخاف من الله عز وجل ألا يتقبل منا، وألا يمنحنا ذلك العفو بسبب التقصير وبسبب ارتكاب الذنوب. لكن لا ينبغي للذنوب أن تصدنا عن الرجاء في رحمة الله سبحانه وتعالى، كما لا ينبغي للرجاء أن يصدنا عن الخوف من الله سبحانه وتعالى، وأن نفهم أن العطاء والمنع هو بقصد فتح باب الخوف أو الرجاء، وهي نعمة كبرى.

العطاء والمنع بقصد تعليم العبد الشكر

ومن مقاصد العطاء والمنع تعليم العبد الشكر، فمن سنن الله سبحانه وتعالى التي يُجري بها الرزق، كل أنواع الرزق، أن شكر الله على النعمة يزيد النعمة نفسها أو يستبدلها بما هو أفضل منها. قال عز من قائل: { لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}، وهو قانون عام وسنة ماضية. وإننا لن نستطيع أن نعدّ النعم كلها عدّاً فضلاً عن أن نشكرها كلها! والله عز وجل يقول في محكم كتابه: {وإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا}. ولكن ينبغي على المسلم على أي حال أن يجتهد في أن يشكر الله سبحانه وتعالى على ما ينعم عليه من نعم. ثم يقول تعالى: {ولَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد}، والكفر هنا هو كفر النعمة، وهو ليس الكفر الذي يعني عدم الإيمان، بل الكفر هنا هو أن يقصّر العبد في الشكر. وهذا عيب آخر يتحدث عنه الشيخ في هذه الحكمة البليغة.

يقول الشيخ:

مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها، وَمَنْ شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها. ومَنْ لَمْ يُقْبِلْ عَلى اللهِ بِمُلاطَفاتِ الإحْسانِ قِيْدَ إلَيْهِ بِسَلاسِلِ الامْتِحانِ

(من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها ف