من فضائل شهر شعبان

التاريخ: 17 مايو، 2017 الكاتب: د. تيسير التميمي

نعيش الآن أيام شهر شعبان، هذا الشهر الكريم الذي يلي شهر الإسراء والمعراج، ويسبق شهر الصيام والقيام وصلة الأرحام، نفحةٌ مباركة من نفحات الله تعالى لعباده المؤمنين، وفرصة عظيمة للتقرب إليه سبحانه.

 

     أخذت العرب اسم هذا الشهر من التشعُّب، لأنهم كانوا يتشعَّبون فيه لطلب الماء، فهو شهرٌ تشعَّب فيه الخير وأبوابه، وتنوَّعت مجالاته وأسبابه، وتعددت فيه القُرُبات إلى الله تعالى والطاعاتِ، جعله الله تعالى موسماً من مواسم الخير التي اختصها ببعض العباداتِ ووصلها ببعضها على مدار الأوقاتِ، ليدومَ اتصال العبد بربه، فينيرَ بالإيمان قلبه، ويحرسَه بعنايته ويشملَه برعايته.

 

     وأعظم العبادات في شعبان الصيام، فقد ورد أنَّ {أحب الشهور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصومه كان شعبان ثم يصله برمضان} رواه أبو داود، لذا كان يكثر الصيام فيه، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها [كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياماً منه في شعبان] رواه البخاري، في الحديث إشارةٌ من فعله صلى الله عليه وسلم تدفعُنا إلى حسن الاقتداء.

 

     وشعبان شهر توبة ومغفرة، ومِنْ تكريم الله له أن الأعمال تُرفَعُ فيه إلى الله عز وجل، قال أسامة رضي الله عنه: يا رسول الله لم أَرَكَ تصوم من شهرٍ من الشهور ما تصوم من شعبان، فقال [ذاك شهر تغفل الناس فيه عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم] رواه النسائي.

 

     يدل الحديث على أن صيام شعبان أفضل من صيام الأشهر الحرم، وفيه إشارة إلى فضيلة التطوع بالعبادة والتقرب إلى الله تعالى عند استيلاء الغفلة على الناس، ففي قيام الليل مثلاً يتوجه المؤمن إلى الله تعالى بالقيام والذكر والدعاء والناس نيام، فالعمل الصالح في أوقات الغفلة أشق على النفوس، لأنها في هذه الساعات أبعد ما تكون عن الرياء. يضاف إلى ذلك أن الصوم سر بين العبد وربه فلا اطِّلاع لأحد عليه إلا الله، قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه سبحانه وتعالى في الحديث القدسي [كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به] رواه البخاري.

 

     وشهر شعبان مقدمة لشهر رمضان، لذا يستحب فيه التعبد بما يستحب في رمضان من الصيام وقراءة القرآن والدعاء والاستغفار وصلة الأرحام، ليحصل الاستعداد لاستقبال رمضان، والتدرب على طاعة الرحمن، والتخفيف من المشقة عند البدء بالصيام، فيكون الصائم قد روَّض نفسه على الصبر وقوة الإرادة، فقد [سئل صلى الله عليه وسلم: أي الصوم أفضل بعد رمضان فقال: شعبان لتعظيم رمضان] رواه الترمذي.

 

     لكن الأفضل ترك الصيام في آخر شعبان، لقوله صلى الله عليه وسلم [لا تقدموا رمضان بيوم أو يومين إلاَّ من كان يصوم صوماً فليصمه] رواه البخاري. ولقوله صلى الله عليه وسلم [إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا] رواه الترمذي. والنهي إنما هو لمن يتعمد الصيام في آخره، فالسنة المقررة صيام شهر شعبان أو أكثره من مبتدئه إلى منتهاه، أما من لم يصمه من أوله ثم أراد الصيام بعد منتصفه فهذا هو الذي يتناوله النهي.

 

     وفي هذا الشهر المغفول عن فضله ومكانته يصعد الدعاء إلى الرحمن، وتفتح له أبوابُ القبولِ في السماء، في ليلة النصف منه وفي غيرها من الليالي والأيام، قال صلى الله عليه وسلم {إذا كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها، فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا فيقول ألا من مستغفر لي فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه، ألا كذا، ألا كذا حتى يطلع الفجر} رواه البيهقي، ويجيب رب العزة سبحانه دعوة الداعين في هذا الموقف الإيماني إلاَّ للمتدابرين والمتقاطعين، فإنه صلى الله عليه وسلم قال {إن الله ليطَّلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن} رواه ابن ماجة، كل ذلك بشرط ألاَّ يأتي المؤمن شيئاً من البدع فيها، فقد نص العلماء على حكمين مهمين هما:

 

الأول: إن استحباب إحياء ليلة النصف من شعبان بالصلاة إنما يكون بالقيام الفردي بين العبد وربه وليس جماعة لا في المسجد ولا في غيره، ولذلك نص الفقهاء من المذاهب الفقهية الأربعة على كراهة إحيائها جماعة.

 

الثاني: لا يجوز تخصيص هيئة معينة للصلاة ليلة النصف من شعبان كما اشتهر عند بعض الناس بالصلاة الألفية، وهي مائة ركعة يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة سورة الإخلاص عشر مرات، فهذه الصلاة غير مشروعة وأنكرها العلماء ولا يجوز نسبتها إلى الدين، وإنما يصلي المسلم وحده ما تيسر له، ويحرص على كثرة الدعاء وسؤال الله الحاجات، قال الإمام النووي الشافعي رحمه الله [الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب وصلاة ليلة نصف شعبان مائة ركعة، وهاتان الصلاتان بدعتان ومنكران قبيحتان، ولا يُغْتَرَّ بذكرهما في كتاب قوت القلوب وإحياء علوم الدين ولا بالحديث المذكور فيهما فإن كل ذلك باطل، ولا يُغْتَرَّ ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة فصنف ورقاتٍ في استحبابهما؛ فإنه غالط في ذلك] المجموع شرح المهذب (4/56) 

 

     وشهر شعبان أيضاً شهر المناسبات العظيمة في تاريخ رسالة الإسلام الماجدة ودعوته الخالدة:   

 

* ففيه تحققت أمنية الرسول صلى الله عليه وسلم بتحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة في مكة المكرمة بعد أكثر من ستة عشر شهراً صلى فيها مستقبلاً المسجد الأقصى المبارك في بيت المقدس، فقد نزل الأمر بالتحويل ورسول الله قد صلى من الظهر ركعتين في مسجد بني سلمة، فتحول بالناس إلى الكعبة في الركعتين الباقيتين، وتحوّل الناس، قال تعالى {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} البقرة 144.

 

     لم يكن تحويل القبلة إلى مكة تغيير لمنزلة المسجد الأقصى المبارك وبيت المقدس، فإن كانت الأفضلية الدينية لمكة المكرمة والبيت العتيق، فإن لبيت المقدس وللمسجد الأقصى المبارك فيها أفضلية، قال تعالى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} الإسراء 1.

 

* وفي شعبان من السنة الثانية للهجرة فرضت عبادة صيام شهر رمضان المبارك، قال تعالى {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة 183.

 

* وفي شعبان من السنة الثانية للهجرة أيضاً فرضت زكاة الفطر، قال ابن عمر رضي الله عنهما [فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة] رواه البخاري.

 

     وفي شهر شعبان، كانت بطولاتٌ وانتصارات، قوَّضت عروش الظلم ودكَّت أركان العدوان:

 

* ففي شعبان من السنة الرابعة للهجرة كانت غزوة بدر الثالثة، وقصتها أن أبا سفيان في نهاية غزوة أُحد صاح على مسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد موعدنا معكم العام القادم في بدر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة أن يجيبه: نعم موعدنا معكم العام القادم إن شاء الله، وفعلاً جاء صلى الله عليه وسلم في شهر شعبان من السنة الرابعة للهجرة على رأس ألف وخمس مئةٍ من المسلمين المجاهدين يحمل لواءهم عليٌّ رضي الله عنه، وجاء أبو سفيان ومعه ألفان من المشركين، لكن دبَّ الرعب في قلوب المشركين فعادوا خائبين مدحورين بغير قتال.

 

* وفي الثالث من شهر شعبان من العام الخامس للهجرة كانت غزوة بني المصطلق، وقد تسمى غزوة المريسيع، حيث قتل من المشركين ووقع في الأسر عدد كبير، وانتصر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد، وفيما بعد تم إطلاق سراح معظم الأسرى.

 

     وفيها كشف الله المنافقين وغدرهم وحنقهم على الإسلام وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وتحريضهم الأنصار على ترك نصرة ومؤازرة المهاجرين، قال تعالى فيهم { هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ } المنافقون 8.

 

* وفي شهر شعبان كانت سرايا أخرى للمسلمين بعثها صلى الله عليه وسلم في أرض الجزيرة، تحقق فيها النصر للمسلمين منها سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل في السنة السادسة للهجرة.

 

* وفي نهاية شهر شعبان تتهيأ الأمة لاستقبال مناسبة عظيمة، ففي التاسع والعشرين منه ؛ يراقب المسلمون جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها هلال شهر رمضان المبارك، قال صلى الله عليه وسلم { صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِّيَ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين } رواه البخاري، ولأهمية شعبان هذه { كان صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره } رواه أبو داود، أي كان يحتاط في عدِّ أيامه لتحديد بداية شهر الصيام.

 

     فعلينا أن نغتنم ما تبقى من أيام هذا الشهر المباركةَ التي يُنْعِمُ الله فيها على عباده بالرحمةِ والمغفرةِ والفضلِ والمنةِ، نغتنمها بالدعاء والصيام وصلة الأرحام، وبالتوبة والاستغفار وقراءة القرآن، وترك القطيعة والشحناء والتطهر من البغضاء.