وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين

التاريخ: 2 ديسمبر، 2017 الكاتب: د. تيسير رجب التميمي

عدتَ يا شهر الربيع، فيك ولد الهدى، ولد المبعوث رحمة للعالمين، ولد السراج المنير، البشير بالحنيفية السمحة التي أنزلت عليه لتخرج البشرية من ظلمات الوثنية والجهل إلى نور التوحيد والرقي والحضارة، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن الجور إلى العدل، ومن الجاهلية إلى السماحة والتسامح.   

في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول، كان مولد الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، قبل ما يقرب من خمسة عشر قرناً، وإنها لذكرى عطرة تفوح نسماتها في الأرجاء، لكنها تحل اليوم على أمتنا وقد توالت نكباتها ونال منها أعداؤها فجنَّدوا أبناءها ضدها، فسفكوا دماء أبنائها المصونة واقتنصوا أرواحهم البريئة، وأعملوا فيها معاول الهدم والتدمير في محاولة لشيطنة رسالة الإسلام الربانية وإلصاق تهمة الإرهاب بأتباعها.

ولعل ما جرى في مسجد الروضة بشمال سيناء يوم الجمعة الماضي من أظهر الأدلة على ذلك، مئات المسلمين الموحدين المدنيين العُزَّل قتلوا وهم ركع سجود بين يدي ربهم، وما ذنبهم ؟ حبهم لنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ورفضهم التهديدات بمنع الاحتفال بذكرى مولده ؟ وحتى لو كان الاحتفال بدعة فهل يبرر ذلك هذه القتلة الشنيعة النكراء المخالفة لأحكام الشرع ومبادئ دين الرحمة ؟ هل يبرر قتلهم في بيت الله ؟ هل القتل هو عقوبة المبتدع في دين الله ؟ وحتى لو كانت هذه عقوبته فمن الذي نضَّبهم لتنفيذها ؟ هل الأمر بهذه السهولة والبساطة ؟ كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم {كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه} رواه مسلم، كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم {من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعها وإن كان أخاه لأبيه وأمه} رواه مسلم، فإذا كان مجرد الترويع موجب للعن الملائكة فما بالكم بالقتل المباشر عن قصد وتخطيط وتدبير؟

 أما علم من نفذوا الجريمة أنهم يسهمون في تنفيذ مخطط رهيب يستهدف الأمة بهويتها وكيانها؟ ويستهدف قضاياها المركزية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية؟ كيف ارتضَوْا لأنفسهم أن يكونوا أداة لأعدائهم حتى ولو بجهل؟ هل هذا ما تعلموه من سيرة نبيهم الذي يحاربون الاحتفال بمولده بذريعة الاعتقاد ببدعيته وأن المطلوب فقط وجوب الاقتداء به؟ هل اقتدوا هم به وبسيرته ؟ لقد كان حرياً بهؤلاء وبالأمة كلها ـ وقد غمرتها النفحات الروحانية والمشاعر الإيمانية في ذكرى ولادته صلّى الله عليه وسلّم ـ الاحتفال بهذه المناسبة الشريفة حق الاحتفال.

فالمسلمون في كل بقاع الأرض يحيون ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم بالاستعراضات الكشفية أو بالمحاضرات والندوات والأعمال الأدبية وغيرها من المظاهر الاحتفالية، فهل هذا المطلوب منهم لإرضاء ربهم ونيل شفاعته؟ ليس هذا هو المطلوب، فالاحتفال الحقيقي بهذه المناسبة يكون بكمال اتِّباعه والسير على نهجه، قال تعالى {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} آل عمران 31. الاحتفال الحقيقي يكون بفقه سيرته وتمثّلها وتطبيقها في حياتنا، فالاقتداء به أكمل ما يكون الاقتداء ليس من المندوبات والنوافل، بل من فرائض الدين وأصوله، قال تعالى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} الأحزاب21 .

فحري بالأمة في شهر نزول الرحمة الإلهية بالولادة المحمدية أن يقيم أبناؤها فعلاً -لا قولاً فقط- المولد الحقيقي في أرواحهم وجوارحهم ومساكنهم وأماكنهم، وأن يجعلوا أعمارهم كلها ربيعاً؛ يولد فيها حبّه صلى الله عليه وآله وسلم عملاً وقولاً. فقد قام صلّى الله عليه وسلّم بأمر الدعوة إلى الله عز وجلّ: بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن وبالعمل الدءوب، ففتح لها مغاليقَ النفوس؛ ومكّن لها في الأرض، وهذه سيرتُه العطِرةُ الشاملة بين أيدينا حافلةٌ بالجهاد والمجاهدة والصبرِ والمصابرةِ، وبممارسةِ الحياة تحصيلاً للآخرة، فلم يجعل إراقة الدم نهجاً له في ذلك أبداً.

حري بهم وبنا جميعاً أن نجعل هذه الذكرى مناسبة للاستجابة له وطاعة أمره تنفيذاً لقوله تعالى {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} الأحزاب 36؛ فالنهي يعم كل تشريع صادر عنه صلى الله عليه وسلم، فإذا حكم فليس لنا أن نختار لأنفسنا غير حكمه، أما رفض قضائه ومخالفة أحكامه فمعصية وضلال أعاذنا الله عز وجل وحذرنا منها؛ لأنها صفة المنافقين الذين يأبون طاعته وتنفيذ حكمه، قال تعالى فيهم {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} النساء: 61، فالإيمان الراسخ يوجهنا إلى السمع والطاعة؛ قال تعالى {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} النور 51.

فعلينا أن نتأسى به في تطبيقه كل مبدأ رباني وحكم إلهي ورد في القرآن الكريم، وأن نقتدي به في عبادته ومداومته على طاعة الله تعالى وإكثاره من التضرع والدعاء إليه، ونقتدي به في رضاه وغضبه، وفي ثباته على دعوته رغم الضغوط والمساومة والمقاطعة، وفي تمسكه بمبادئه أمام إنكار قومه وتنكرهم له ومحاولتهم إثناءه عنها بكل المثبطات والمغريات، فقد قال لهم {ما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم أن تشعلوا منها (يعني الشمس) شعلة} رواه البخاري.

نقتدي به في تأكيد القيم الوجدانية والشعورية؛ التي هي أصل العلاقات الإنسانية، وفي تأكيد السلوك الإيجابي والعمل البناء ولو عند انقطاع الأمل في الحياة؛ فلا يأس مع الحياة؛ قال صلى الله عليه وسلم [إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل] رواه أحمد، وفي ذلك انسجام مع قوله تعالى {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا} القصص 77. فالدين ليس عزلة عن الحياة بل هو الحياة التي يتكامل فيها العمل والعبادة؛ ويكون العمل فيها عبادة.

نقتدي به في التحلي دوماً بروح العطاء والجود والبذل؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم {أجود الناس بالخير وأجود ما يكون في شهر رمضان.. كان أجود بالخير من الريح المرسلة} رواه البخاري؛ حتى البشاشة والاستبشار في وجوه الناس حرص عليها ودعانا إليها؛ قال صلى الله عليه وسلم {تبسمك في وجه أخيك لك صدقة} رواه الترمذي.

 

نقتدي به في سلوكه التربوي وذوقه الإنساني؛ في خلقه السامي الرفيع؛ فقد أدبه ربه وأحسن تأديبه؛ فوصفه تعالى بقوله {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} القلم 4، ونقتدي به في اعترافه بالآخر واحترامه للآخر وحواره مع الآخر؛ حتى لو كان الآخر على فكرٍ ودينٍ مغاير؛ استجابة لأمر ربه {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} آل عمران 64.

 نقتدي به في التقوى والإخلاص في نية العمل وفي حسن الأداء؛ قال صلى الله عليه وسلم {إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى} رواه البخاري، ونقتدي به وهو يواصل أمانة التبليغ التزاماً بقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} المائدة 67، وحرصاً منه على مستقبل الأمة ومصيرها، حتى في أضيق الأوقات وأحرجها؛ فقد قال لأصحابه وهو يعاني آلام الاحتضار ويشرف على الموت {إيتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً} رواه البخاري.

نقتدي به في علاقته بأتباعه وهم الرعيل الأول والصفوة التي حملت الرسالة فيما بعد، فلم ينصرف عنهم ولم يتنكر لهم يوم أن ساومه كبراء مكة على ذلك مقابل دخولهم الإسلام؛ فقال تعالى {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} الكهف 28، بل كان حريصاً عليهم يتفقدهم ويهتم بشؤونهم ويسأل عنهم حتى أن أحدهم ليظن أن ليس من هو أكرم عليه منه، فقابلوا حبه هذا بحب إيماني عميق، فافتدوه بالمهج والأرواح في مواقف الشدة، وهانت عليهم نفوسهم وهم ينافحون عنه ويَذُبُّون الخطر في مواطن الحرب والجهاد، فآثروا حياته على حياتهم ونجاته على نجاتهم إلى الحد الذي أذهل الأعداء، فهذا أبو سفيان يقول بعد أن رأى هذا الإيثار بنفسه [ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً].

فواجبٌ على الآباء تربية أبنائهم على هذه المحبة الروحية له، فهي معيار صدق الإيمان القلبي، قال صلى الله عليه وسلم {فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده} رواه البخاري، ويجب ألاَّ تقتصر محبته على يوم احتفالنا بذكرى مولده فقط؛ بل يجب أن تشمل أيام عمرنا جميعاً؛ بالْتزام تعاليمه واتِّباع أوامره واجتناب نواهيه؛ ففي ذلك خيرنا في الدنيا والآخرة؛ قال تعالى {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} الحشر 7.

إن وفاءنا لصاحب الذكرى يكون بتحديد حقيقةَ الحبّ الذي تُكنّه قلوبُنا لصاحبها صلّى الله عليه وسلّم، ومن ادعى محبته فلا بد له من علامة؛ وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب سنته الشريفة؛ وهما دليل على حب الله تعالى وحب كتابه الكريم، ومحبة المؤمن لله تثمر محبة الله له. فمحبتَه ليست ادعاء بل كمالُ إيمان، وإيجابٌ للتمسك بهديه النبوي؛ وإحياء لسنته الشريفة؛ قال صلى الله عليه وسلم {من أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة} رواه الترمذي. لذا أوصانا رسول الهدى صلى الله عليه وسلم أن نتمسك بسنته ونتجنب الابتداع فيقول {عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة} رواه أبو داود.

وإننا إذ نُحْيي ذكرى نبينا ورسولنا الحبيب محمد صلّى الله عليه وسلّم في يوم مولده، ندعو أنفسَنا إلى نقلة نوعية في الفكر والعمل والسلوك، وإعلان الخطوة الحازمة لبناء أنفسنا ومجتمعنا من جديد؛ قال تعالى {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} محمد 38؛ وإلاَّ فسنبقى مستضعفين كما نحن اليوم، مصائرنا بيد أعدائنا، وقِيادنا ليس بأيدينا وطريقنا مفروضة علينا، تتداعى علينا أهون الأمم وأضعفها وأذلها، وهذا ما حذرنا منه صاحب الذكرى صلى الله عليه وسلم بقوله {يوشك الأمم أن تَدَاعى عليكم كما تَداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ؟ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل يا رسول الله وما الوهن ؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت} رواه أبو داود.