يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض

التاريخ: 14 إبريل، 2017 الكاتب: د. يوسف القرضاوي

هناك ممن يدَّعون الإسلام أناس يقولون: نحن نؤمن بالقرآن الكريم، ونخضع لأحكامه، ولكن في بعض المجالات دون بعض، فهم يقبلون أحكامه في مجال العقائد والعبادات والأخلاق، ولكن لا يقبلونها في شئون التشريع والاقتصاد والسياسة وغيرها.

 

وبعضهم يقبل الأخذ بها في التشريع، ولكن في محيط الأسرة والأحوال الشخصية لا في محيط المجتمع، وأمور الحكم والسياسة والاقتصاد، والعلاقات الدولية. والعجيب أن يصدر هذا ممن يدَّعي الإسلام، ويزعم أنه رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولاً، وبالقرآن إمامًا! كيف يصدر هذا ممن يعتقد أن القرآن كتاب الله، وأن كل ما بين دفتي المصحف كلام الله سبحانه؟

 

هل يستدرك هؤلاء على ربهم؟ أو هم يدَّعون أنهم أعلم منه بمصالح خلقه؟ أو أبرُّ بهم منه جَلَّ شأنه؟ هل يحسب هؤلاء أنهم أنداد لله تعالى، ينازعونه في خلقه، ويشاركونه في حكمه؟ ألَا ساءَ ما يحكمون! كيف يكون المخلوق ندًّا للخالق؟ كيف يكون الإنسان المحدَث الفاني المحدود العاجز، ندًّا للرب الأعلى، الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء. صاحب المشيئة المطلقة، والقُدرة القاهرة، الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء؟

ولقد رأينا مَن زعم أن "القرآن المكي" وحده هو الملزِم لنا. وأما "القرآن المدني" فلا يلزمنا (1)، لأنه يتعرض لأمور من أمور حياتنا قد تتغير وتتطور، فلا يجوز أن نُجَمِّدها بقرآن ولا سُنَّة!

 

وهذا ما أنكره القرآن على بني إسرائيل أشدَّ الإنكار، وقرعهم عليه أبلغ التقريع، وتوعدهم عليه بأقسى الوعيد حين انتقوا من أحكام التوراة ما يعجبهم فأخذوا به، وأهملوا منها ما لا يروق لهم. فقال سبحانه: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} (البقرة:85،86) .

 

كما حذَّر الله تعالى رسوله * ـ وهو تحذير لكل أمته من بعده ـ أن يفتنه أهل الكتاب عن بعض ما أنزل الله إليه من الكتاب، فلا يحكم به، ولا يعمل بموجبه، يقول تبارك وتعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} (المائدة:49). وذمَّ القرآن أبلغ الذم طائفة من المنافقين يرفضون حكم الله ورسوله إذا دُعوا إليه ولا يذعنون له إلا فيما يوافق أهواءهم ومصالحهم الخاصة، ونفي عنهم الإيمان نفيًا صريحًا.

 

يقول سبحانه: {وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (النور:47 - 51). هذا هو موقف المؤمنين إذا دُعوا إلى حكم الله ورسوله: إذعان بلا تردد، وطاعة بلا تلكّؤ؛ {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

 

ذلك أن عقد الإيمان بالله ربًّا، وبمحمد رسولاً، وبالقرآن إمامًا، يقتضي ويوجب ويلزم الرضا بما رضيه الله ورسوله، والالتزام بما ألزما به، وإلا كان الإيمان لفظًا بلا معنى، ودعوى بلا حقيقة: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} (الأحزاب:36). أما الآخرون الذين لا يُذعنون بحكم الله ورسوله، إلا إذا كان لهم فيه حق ومصلحة وهوى، فهم مرضى القلوب، المرتابون: {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (المائدة:45) {وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} (النور:47).

 

القرآن وحدة لا تتجزأ:

 

والقرآن وحدة لا تتجزّأ، وتعاليمه وأحكامه مترابطة متكاملة، بين بعضها وبعض ما يشبه الوحدة العضوية بين أعضاء الجسم الواحد، فبعضها يُؤثِّر في بعض. ولا يجوز أن يُفصل منها جزء أو أكثر عن سائر الأجزاء. فالعقيدة تغذي العبادة، والعبادة تغذي الأخلاق، وكلها تغذي الجانب العملي والتشريعي في الحياة.

 

ولا يسوغ في منطق الإيمان، ولا منطق العقل أن يقرأ المسلم قول الله تعالى في سورة البقرة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:183)، فيقول: سمعنا وأطعنا. ولكنه إذا قرأ في نفس السورة قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} (البقرة:178) قال: سمعنا وعصينا!!

 

ولماذا؟ لأن الآية الأولى في مجال العبادات، والأخرى في مجال العقوبات!

ومعنى هذا أن الإنسان أصبح معقبًا لحكم الله تعالى، يأخذ منه ويَدَع، ويقبل منه ويرد بهواه وحده، والله لا معقب لحكمه.

أو يأخذ من سورة البقرة آية الكرسي: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} (البقرة:255).

 

ولا يأخذ منها آية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} (البقرة:278،279). لأن آية الكرسي في الإلهيات، وآيات الربا في المعاملات!!

ومثل ذلك يقال فيمن يقبل من سورة المائدة قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} (المائدة:6).

ويرفض من السورة قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (المائدة:38).

 

أو يقبل من نفس السورة قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِن اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا} (المائدة:87،88).

ويرفض بعدها بآية واحدة قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (المائدة:90).

ويقبل من سورة الحج قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (الحج:77).

 

ويرد الآية التي بعدها: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ} (الحج:78).

بل في هذه الآية يقول تعالى: {فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ} (الحج:78)، فيقول: آخُذ الصلاة، ولا آخذ الزكاة، لأن الصلاة شعيرة روحية خالصة، أما الزكاة ففريضة تتعلق بالمال والاقتصاد، فأنا أقبل تلك، ولا أقبل هذه!

 

يا لله العجب! هل غدا العبد أعلم من ربه؟ أو بات المخلوق أعلى من خالقه؟!! إنه لم يعد ندًّا لله فحسب، بل زاد على ذلك، فجعل من نفسه محكمة عُليا للتمييز، أو للنقض والإبرام، فينقُضُ ما شاء له عقله أو هواه أن ينقض من أحكام الله، ويُبرم ما شاء له أن يُبرم!

 

إن الشيء المؤكد الذي لا خلاف عليه، وهو من المعلوم من الدين بالضرورة، ـ بمعنى أنه لم يعد في حاجة إلى إقامة أدلة عليه، لأنه مما يشترك في معرفته الخاص والعام ـ أن تعاليم القرآن كلها واجبة التنفيذ، ولا فرق فيها بين ما يُسَمَّى "روحيًّا" وما يُسمى "ماديًّا"، ما يُعتبر من "شئون الدين" وما يُعتبر من "شئون الدنيا"، ما يتعلق بحياة "الفرد" وما يتعلق بحياة "الجماعة".

 

إن هذه التسميات والعناوين لا وجود لها في كتاب الله تعالى، ولا توجد فوارق معتبرة بين بعضها وبعض، ما دامت كلها في دائرة أمر الله سبحانه أو نهيه. ومَنْ فتح المصحف وقرأ سورة الفاتحة، ثم شرع في سورة البقرة، وجد أول ما يطالعه وصف المتقين المهتدين بكتاب الله بأنهم: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (البقرة:3)، فقرن بين الجانب الاعتقادي "الإيمان بالغيب"، والجانب الشعائري "إقامة الصلاة"، والجانب الاقتصادي "الإنفاق مما رزق الله".

 

وهكذا نجد أوصاف المؤمنين وأهل التقوى والإحسان، في سائر سور القرآن لا تفرق بين جانب وجانب. كما نجد ذلك واضحًا في أوائل سورة (الأنفال:2 - 5)، وأول سورة (المؤمنون الآيات:1 - 11)، وفي أوسط سورة (الشورى:36 - 39)، وفي أوصاف عباد الرحمن من سورة (الفرقان:63 - 76)، وفي أوصاف المحسنين من سورة (الذاريات:15 - 19) وغيرها.

 

ومثل ذلك نجده في الأوامر والنواهي والوصايا القرآنية، مثل: الوصايا العشر في سورة الأنعام: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ. . .} (الأنعام:151 - 153). ووصايا الحكمة في سورة الإسراء: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا....} (الإسراء:23 - 39). فهذه كلها تجمع بين العقيدة والعبادة والخُلُق والسلوك، مما يتعلق بالدين وما يتعلق بالدنيا، وما يتعلق بالفرد أو بالأسرة أو بالمجتمع، في سياق واحد، ونسيج واحد لا ينفصل بعضه عن بعض، ولا يتميز بعضه عن بعض.

 

وأحيانًا يستخدم القرآن صيغة واحدة في طلب الأمور التي يعتبرها الناس مختلفة باختلاف مجالاتها، مثل قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} (البقرة:178)، {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} (البقرة:180)، {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:183)، {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} (البقرة:216).

 

فهذه صيغة واحدة: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ} وهي تفيد تأكيد الوجوب والفرضية، استعملت في القِصاص وهو في القانون الجنائي، وفي الوصية وهي من الأحوال الشخصية وشئون الأسرة، وفي الصيام وهو من شعائر العبادات، وفي القتال وهو من شئون العلاقات الدولية، وكلها مما كتبه وفرضه على المؤمنين.

 

ومَنْ تدبَّر القرآن وجد أنه ـ في تعليلاته للأحكام والأوامر والنواهي ـ يربط الجوانب الروحية والمادية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية بعضها ببعض، دون فصل أو تمييز. فهو يعلِّل الأمر بالصلاة بعِلَّة أخلاقية حين يقول: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِن الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} (العنكبوت:45).

 

ويعلِّل الأمر بالزكاة ـ الفريضة المالية الإسلامية ـ بعِلَّة أخلاقية أيضًا فيقول: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} (التوبة:103). ويعلِّل الحج ـ وهو شعيرة تعبدية ـ بعِلَّة اقتصادية واجتماعية، مع العِلَّة الروحية فيقول: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} (الحج:27،28).

 

ويعلِّل الأمر باجتناب الخمر والميسر واعتبارها رجسًا من عمل الشيطان بعِلَّة اجتماعية وروحية، فيقول: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} (المائدة:91). فهذا هو منهج القرآن: الربط بين جوانب الحياة كلها برباط لا ينفصم؛ لأنها هكذا في الواقع، كما بيَّنا ذلك في حديثنا عن أصل "شمول الإسلام".

 

وإذا كانت الحياة كلها مترابطة متلازمة، فلا بد أن تكون الأحكام التي تُشرع لها كلها مترابطة متلازمة كذلك، وذلك هو حكم الله: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (المائدة:50).

 

.................

 

* من كتاب "المرجعية العليا في الاسلام للقرآن والسنة.. ضوابط ومحاذير في الفهم والتفسير" لفضيلة العلامة.

(1) قال ذلك محمد محمود طه، السوداني المرتد المعروف.