في بناء المسجد الأعظم بالمدينة ( فوائد ودروس وعبر)

By : الشيخ الدكتور علي محمّد محمّد الصّلابيّ

في بناء المسجد الأعظم بالمدينة ( فوائد ودروس وعبر)

الشيخ الدكتور علي محمّد محمّد الصّلابيّ

الحلقة الستون (60) من كتاب السيرة النبوية

 

1 - المسجد من أهمِّ الركائز في بناء المجتمع:

إنَّ إقامة المساجد من أهمِّ الرَّكائز في بناء المجتمع الإسلاميِّ؛ ذلك أنَّ المجتمع المسلم إنَّما يكتسب صفة الرُّسوخ، والتَّماسك بالتزام نظام الإسلام، وعقيدته، وآدابه، وإنَّما ينبع ذلك من رُوح المسجد، ووحيه.

قال تعالى: ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾ [التوبة: 108]، وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [النور: 36 - 38] .

2 - المسجد رمزٌ لشموليَّة الإسلام:

  • حيث «أُنشئ ليكون متعبَّداً لصلاة المؤمنين، وذكرهم لله تعالى، وتسبيحهم له، وتقديسهم إيَّاه بحمده، وشكره على نعمه عليهم، يدخله كلُّ مسلمٍ، ويقيم فيه صلاته، وعبادته، ولا يضارُّه أحدٌ ما دام حافظاً لقداسته، ومؤدِّياً حقَّ حرمته».
  • كما «أنشئ المسجد ليكون ملتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه، والوافدين عليه؛ طلباً للهداية، ورغبةً في الإيمان بدعوته وتصديق رسالته»(1).
  • «وهو قد أنشئ ليكون جامعةً للعلوم، والمعارف الكونيَّة، والعقليَّة، والتَّنزليَّة، الَّتي حثَّ القرآن الكريم على النَّظر فيها، وليكون مدرسةً يتدارس فيها المؤمنون أفكارهم، وثمرات عقولهم، ومعهداً يَؤُمُّهُ طلاب العلم من كلِّ صوبٍ؛ ليتفقهوا في الدِّين، ويرجعوا إلى قومهم مبشِّرين، ومنذرين، داعين إلى الله هادين، يتوارثونها جيلاً بعد جيلٍ»(1).
  • وهو «قد أنشئ؛ ليجد فيه الغريب مأوىً، وابن السَّبيل مستقراً، لا تكدِّره منَّةُ أحدٍ عليه، فينهل من رِفْدِه، ويعبُّ من هدايته ما أطاق استعداده النَّفسيُّ، والعقليُّ، لا يصدُّه أحدٌ عن علمٍ، أو معرفةٍ، أو لونٍ من ألوان الهداية، فكم من قائد تخرَّج فيه، وبرزت بطولتُه بين جدرانه! وكم من عالمٍ استبحر علمُه في رحابه، ثمَّ خرج به على النَّاس يروي ظمأهم للمعرفة! وكم من داعٍ إلى الله تلقَّى في ساحاته دروس الدَّعوة إلى الله، فكان أسوة الدُّعاة، وقدوة الهداة، وريحانةً جَذَبَ القلوبَ شَذَاها، فانجفلت إليها تأخذ عنها الهداية؛ لتستضيء بأنوارها! وكم من أعرابيٍّ جلفٍ لا يفرِّق بين الأحمر، والأصفر وفد عليه، فدخله، ورأى أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حوله هالةً تحفُّ به، يسمعون منه؛ وكأنَّ على رؤوسهم الطَّير، فسمع معهم، وكانت عنده نعمة العقل مخبَّأةً تحت ستار الجهالة، فانكشف له غطاء عقله، فعقل، وفَقِهَ، واهتدى، واستضاء، ثمَّ عاد إلى قومـه إماماً يدعوهم إلى الله، ويربِّيهم بعلمه الَّذي علم، وسلوكـه الَّذي سلك، فآمنوا بدعوته، واهتدوا بهديـه، فكانوا سطراً منيراً في كتـاب التَّاريخ الإسلاميِّ!».
  • وهو «قد أُنشئ ليكون قلعـةً لاجتماع المجاهدين إذا استُنفروا، تعقد فيـه ألويـة الجهاد، والدَّعوة إلى الله، وتخفق فيـه فوق رؤوس القادة الرَّآيات، للتوجُّـه إلى مواقع الأحداث، وفي ظلِّها يقف جند الله في نشوة ترقُّب النَّصر، أو الشَّهادة»(1).
  • وهو «قد أُنشئ؛ ليجد فيه المجتمع المسلم الجديد ركناً في زواياه، ليكون مشفىً يستشفي فيه جرحى كتائب الجهاد؛ ليتمكن نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم من عيادتهم، والنَّظر في أحوالهم، والاستطباب لهم، ومداواتهم في غير مشقَّةٍ، ولا نَصَبٍ؛ تقديراً لفضلهم»(1).
  • «وهو قد أُنشئ ليكون مركزاً لبريد الإسلام؛ منه تصدر الأخبار، ويُبْرَدُ البريد، وتصدر الرَّسائـل، وفيه تُتلقَّى الآنبـاء السِّياسيَّـة سلماً، أو حربـاً، وفيه تُتلقى وتُقرأ رسائل البشائر بالنَّصر، ورسائل طلب المـدد، وفيـه يُنعى المستشهدون في معارك الجهاد؛ ليتأسَّى بهم المتأسُّون، وليتنافس في الاقتداء بهم المتنافسون»(1).
  • « وهو قد أُنشئ ليكون مرقباً للمجتمع المسلم؛ يتعرَّف منه على حركات العدو المريبة، ويراقبها، ولا سيَّما الأعداء الَّذين معه يساكنونه، ويخالطونه في بلده؛ من شراذم اليهود، وزُمَر المنافقين، ونفايات الوثنيَّة، الذين انغمسوا في الشِّرك، فلم يتركوه، ليتجنَّب المجتمع المسلم عاقبة كيدهم، وسوء مكرهم، وتدبيرهم، ويأمن مغَبَّةَغدرهم، وخياناتهم».

فالمسجد النَّبويُّ «بدأ بتأسيسه وبنائه رسول الله صلى الله عليه وسلم أوَّل ما بدأ من عملٍ في مستقرِّه، ودار هجرته في مطلع مقدمه؛ ليكون نموذجاً يُحتذَى به في بساطة المظهر، وعمق المخبر؛ ليحقِّق به أعظم الأهداف، وأعمَّها بأقلِّ النفقات، وأيسر المشقَّات».

3 - التَّربية بالقدوة العمليَّة:

من الحقائق الثَّابتة: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم شارك أصحابه العمل، والبناء، فكان يحمل الحجارة، وينقل اللَّبن على صدره، وكتفيه، ويحفر الأرض بيديه كأيِّ واحدٍ منهم، فكان مثال الحاكم العادل، الَّذي لا يفرِّق بين رئيسٍ ومرؤوسٍ، أو بين قائدٍ ومقودٍ، أو بين سيِّد ومسودٍ، أو بين غنيٍّ، وفقيرٍ؛ فالكلُّ سواسيةٌ أمام الله، لا فرق بين مسلمٍ وآخر إلا بالتَّقوى، ذلك هو الإسلام: عدالةٌ، ومساواةٌ في كلِّ شيءٍ، والفضل فيه يكون لصاحب العطاء في العمل الجماعيِّ للمصلحة العامَّة، وبهـذا الفضل ثوابٌ من الله، والرَّسول صلى الله عليه وسلم كغيره من المسلمين، لا يطلب إلا ثـواب الله؛ فقد كانت مشاركة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في عملية البناء ككلِّ العمال الَّذين شاركوا فيه، وليس بِقَطْعِ الشَّريط الحريريِّ فقط، وليس بالضَّربة الأولى بالفأس فقط؛ بل غاص بعملية البناء كاملةً، وقد دُهِشَ المسلمون من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ وقد عَلَتْهُ غَبَرةٌ، فتقدَّم أُسَيد بن حُضَير رضي الله عنه؛ ليحمل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله! أعطنيه! فقال: «اذهب فاحتمل غيره؛ فإنَّك لست بأفقرَ إلى الله منِّي»، وقد سمع المسلمون ما يقول النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لصاحبه، فازدادوا نشاطاً، واندفاعاً في العمل.

إنَّه مشهدٌ فريدٌ من نوعه، ولا مثيل له في دنيا النَّاس، وإذا كان الزُّعماء، والحكَّام قد يقدمون على المشاركة أحياناً بالعمل؛ لتكون شاشات التِّلفزيون جاهزةً لنقل أعمالهم، وتملأ الدُّنيا في الصُّحف، ووسائل الإعلام كلِّها، بالحديث عن أخلاقهم، وتواضعهم؛ فالنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ينازع الحجرَ أحدَ أفراد المسلمين، ويبيِّن له: أنَّه أفقر إلى الله تعالى، وأحرص على ثوابه منه.

وقد تفاعل الصَّحابة الكرام تفاعلاً عظيماً في البناء، وأنشدوا هذا البيت:

لَئِنْ قَعَدْنَا والنَّبِيُّ يَعْمَلُ
 

 

فَذَاكَ مِنَّا العَمَلُ المُضَلَّلُ
 



 

إنَّ هذه التَّربية العمليَّة لا تَتِمُّ من خلال الموعظة، ولا من خلال الكلام المنمَّق، إنَّما تتمُّ من خلال العمل الحيِّ الدَّؤُوب، والقدوةِ المصطفاة من ربِّ العالمين، والَّتي ما كان يمكن أن تتمَّ في أجواء مكَّة، والملاحقة، والاضطهاد، والمطاردة فيها، إنَّما تَتِمُّ في هذا المجتمع الجديد، والدَّولة الَّتي تُبنى، وكأنَّما غدا هذا الجمع من الصَّحابة الكرام كلُّه صوتاً واحداً، وقلباً واحداً، فمضى يهتف:

اللَّهُمَّ إنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخرهْ
 

 

فانْصُرِ الأنصار وَالمُهَاجِرَهْ
 

ويهتف بلحنٍ واحدٍ:

لَئِنْ قَعَدْنَا والنَّبِيُّ يَعْمَلُ
 

 

فَذَاكَ مِنَّا العَمَلُ المُضَلَّلُ
 



 

وكان الهُتاف الثَّالث:

هَذِي الحِمَالُ لاَ حِمَالُ خَيْبَرْ
 

 

هَـــــذَا أَبرُّ لِرَبِّنَا وأطْــــــــــهَرْ
 

فحَمْلُ التَّمر، والزَّبيب من خيبر إلى المدينة كان له مكانةً عظيمةً في المجتمع المدنيِّ؛ لكنَّه أصبح لا يُذْكَرُ أمام حمل الطُّوب لبناء المسجد النَّبويِّ العظيم، فقد أيقنوا بقوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: 96] .

وأمَّا الهُتاف الرَّابع:

لاَ يَسْتَوي مَنْ يَعْمُرُ المَسَاجِدَا
 

 

يَدْأَبُ فِيْهَا قَائِماً وقَاعِدا
 

 

 

 

وَمَنْ يُرَى عَنِ الغُبَارِ حَائِدَا
 

 

             

4 - الاهتمام بالخبرة والاختصاص:

أخرج الإمام أحمد [مجمع الزوائد (2/9)] عن طَلْق بن عليٍّ اليماميِّ الحنفيِّ، قال: بنيت المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان يقول: «قرِّبوا اليماميَّ من الطِّين؛ فإنَّه أحسنكم له مسيساً»، وأخرج الإمام أحمد عن طلقٍ أيضاً [الطبراني في الكبير (8254) ومجمع الزوائد (2/9)] قال: جئت إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم ؛ وأصحابه يبنون المسجد، وكأنَّه لم يعجبه عملهم، فأخذت المسحاة، فخلطت الطِّين، فكأنَّه أعجبه، فقال: «دعوا الحنفيَّ والطِّين؛ فإنَّه أضبطكم للطِّين»، وأخرج ابن حبَّان عن طلقٍ، قال: فقلت: يا رسولَ الله! أأنقل كما ينقلون؟ قال: «لا، ولكن اخلطْ لهمُ الطِّين؛ فأنت أعلم به» [ابن حبان (1122)] .

فقد اهتمَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بهذا الوافد الجديد على المدينة، والَّذي لم يكن من المسلمين الأوائل، ووظَّف خبرته في خلط الطِّين، وفي قوَّة العمل، وهو درسٌ للمسلمين في الثَّناء على الكفاءات، والاستفادة منها، وإرشادٌ نبويٌّ كريمٌ في كيفيَّة التعامل معها، وما أحوجَنَا إلى هذا الفهم العميق!.

5 - شعار الدَّولة المسلمة:

إنَّ أذان الصَّلاة شعارٌ لأوَّل دولةٍ إسلاميَّة عالميَّةٍ: «الله أكبر، الله أكبر»: إنَّها تعني: أنَّ الله أكبر من أولئك الطُّغاة، وأكبر من صانعي العقبات، وهو الغالب على أمره. «أشهد أن لا إله إلا الله» أي: لا حاكمية، ولا سيادة، ولا سلطة، إلا لله ربِّ العالمين، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾، فمعنى لا إله إلا الله: لا حاكم، ولا آمر، ولا مُشَرِّع، إلا الله. «أشهد أنَّ محمداً رسول الله»: أسْلَمَهُ الله تعالى القيادة، فليس لأحدٍ أن ينزعها منه، فهو ماضٍ بها إلى أن يُكمل الله دينه بما ينزله على رسوله من قرآن، وبما يلهمه إيَّاه من سُنَّة، ويعني الاعتراف لرسول الله بالرِّسالة، والزَّعامة الدِّينيَّة والدُّنيويَّة، والسَّمع والطَّاعة له.

«حَيَّ علـى الصَّلاة.. حيَّ علـى الفلاح»: أقبل يا أيها الإنسان للانضواء تحت لواء هذه الدَّولة الَّتي أخلصت لله، وجعلت من أهدافها تمتين العلاقة بين المسلم وخالقه، وتمتين العلاقة بين المؤمنين على أساسٍ من القيم السَّامية. «قد قامت الصَّلاة»: وقد اختيرت الصَّلاة من بين سـائر العبادات؛ لأنَّها عماد الدِّين كلِّه، ولأنَّها بما فيها من الشَّعائر كالرُّكوع، والسُّجود، والقيام أعظم مظهرٍ لمظاهر «العبادة» بمعناها الواسع؛ الَّتي تعني: الخضوع، والتذلُّل، والاستكانة، فهي خضوعٌ ليس بعده خضوعٌ، فكلُّ طاعـةٍ لله على وجـه الخضوع، والتذلُّل عبادةٌ، فهي طاعـة العبد لسيِّده، فيقف بين يديـه قـد أسلم نفسه طاعةً وتذلُّـلاً.

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لـمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [غافر: 66]. وهذا الارتباط بين شعار الدَّولة الرَّسميِّ بحاكمية الله، وسيادة الشَّرع، وسقوط  الطَّواغيت، وقوانينهم، وأنظمتهم، وشرائعهم، بـ «حيَّ على الفلاح... قد قامت الصَّلاة» يشير إلى أنَّه: لا قيام للصَّلاة، ولا إقامة لها كما ينبغي إلا في ظلِّ دولةٍ تقوم عليها، وتقوم بها، ولها، فقد كان المسلمون يصلُّون خِفْيَةً في شِعاب مكَّة قبل قيام دولتهم، أما وقد قامت تحت حماية سيوف الأنصار، فليجهروا بالأذان، والإقامة، وليركعوا ويسجدوا لله ربِّ العالمين.

إنَّ الواقع التَّاريخيَّ خيرُ شاهدٍ على أنَّ الله لا يُعْبَدُ في الأرض حقَّ عبادته، إلا في ظلِّ دولةٍ قويَّةٍ، تحمي رعاياها من أعداء الدِّين. ثمَّ تتكرَّر كلمات الأذان: «الله أكبر... الله أكبر» للتأكيد على المعاني السَّابقة. إنَّنا بحاجةٍ ماسَّةٍ لفهم الأذان، وإدراك معانيه، والعمل على ترجمته ترجمةً عمليَّةً؛ لنجاهد في الله حقَّ جهاده، حتَّى ندمِّر شعارات الكفر، ونرفع شعارات الإيمان، ونقيم دولة التَّوحيد، الَّتي تحكم بشرع الله، ومنهجه القويم.

6 - حكم تشييد المساجد، ونقشها، وزخرفتها:

والتَّشييد: أن تقام عمارة المسجد بالحجارة، ممَّا يزيد في قوَّة بنائه، ومتانة سقفه وأركانه. والنَّقش، والزَّخرفة: ما جاوز أصل البناء من شتَّى أنواع الزِّينة.

فأمَّا التشييد: فقد أجازه، واستحسنه العلماء عامَّةً؛ بدليل ما فعله عمر، وعثمان رضي الله عنهما من إعادة بناء مسجده صلى الله عليه وسلم ؛ لأنَّ في ذلك عنايةً، واهتماماً بشعائر الله تعالى، واستدلَّ العلماء على ذلك بقوله تعالى: ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾ [التوبة: 108] .

وأمَّا النَّقش، والزَّخرفة؛ فقد أجمع العلماء على كراهتهما، ثمَّ هم في ذلك بين محرِّمٍ، ومكرِّهٍ كراهةَ تنزيه؛ غير أنَّ الذين قالوا بالحرمة، والَّذين قالوا بالكراهة اتَّفقوا على أنَّه يحرم صرف المال الموقوف لعمارة المساجد على شيءٍ من الزَّخرفة، والنَّقش. وكان أوَّلَ مَنْ زخرف المساجد الوليدُ بن عبد الملك بن مَرْوان، ومن يومها والنَّاس شرعوا يغالون في بناء المساجد، وزخرفتها، حتى أصبح بعضها من قبيل المتاحف، وكلُّ ذلك خارج عن هَدي النُّبوَّة، فعندما زُخرفتِ المساجد، وخرجت عن نمط البساطة؛ الَّذي أرشد إليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بخعَ الأسفُ نفوسَ المستضعفين، وتنافس في شهوات التَّزخرف الفارغون من عواصم الإيمان.

إنَّ الذين يهتمُّون بتعمير المساجد، وتشييدها، وينصرفون بكلِّ جهودهم إلى التَّفنُّن في تزيينها، ونقشها، وإضفاء مختلف مظاهر الأبَّهة عليها قد وقعوا في خطأ عظيمٍ؛ حتَّى إنَّ الداخل إليها لا يكاد يستشعر أيَّ معنىً من ذلِّ العبودية لله - عزَّ وجلَّ - وإنَّما يستشعر ما ينطق به لسان حالها من الافتخار بما ارتقى إليه فنُّ الهندسة المعماريَّة، وفنون الزَّخرفة العربيَّة.

إنَّ الفقراء لم يعودوا يستطيعون أن يتهرَّبوا من مظاهر الإغراء الدُّنيويِّ إلى أيِّ جهةٍ، لقد كان في المساجد ما يعزِّي الفقير بفقره، ويخرجه من جوِّ الدُّنيا، وزخرفها إلى الآخرة، وفضلها، فأصبحوا يجدون حتَّى في مظهر هذه المساجد ما يذكِّرهم بزخارف الدُّنيا الَّتي حُرموها، ويشعرهم بنكد الفقر، وأوضاره، فما أسوأ ما وقع فيه المسلمون من هجران لحقائق إسلامهم، وانشغالٍ بمظاهر كاذبةٍ، ظاهرها الدِّين، وباطنها الدُّنيا بكلِّ ما فيها من شهواتٍ، وأهواءٍ!.

7 - فضائل المسجد النَّبويِّ:

تحدَّث النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن فضائل المسجد النَّبويِّ؛ ولذلك تعلَّق الصَّحابة به. ويمكننا تلخيص هذه الفضائل في الاتي:

أ - تأسيس المسجد النَّبويِّ على التَّقوى:

عن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه، قال: دخلتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله! أيُّ المسجدينِ الَّذي أُسِّسَ على التَّقوى؟ قال: فأخذ كفاً من حَصْبَاء، فضرب به الأرض، ثمَّ قال: «هو مسجدكم هذا» [مسلم (1398) والترمذي (3099) والنسائي (2/36) وأحمد (3/8)] لمسجد المدينة.

وقد تكلَّم بعض العلماء، في الأحاديث الَّتي أشارت إلى أنَّ المسجد النَّبويَّ هو الَّذي أُسِّس على التَّقوى؛ بحجَّة أنَّها معارضةٌ لقوله تعالى: ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾[التوبة: 108].

وقد اختلف العلماء في المراد بالمسجد الَّذي أسس على التَّقوى في الآية السَّابقة، فقال بعضهم: هو مسجد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وقال آخرون: هو مسجد قُباء، وقد ذكر أقوالهم محمَّدُ بن جريـرٍ الطَّبريُّ في تفسيره، ثمَّ قال: «وأولى القولين في ذلك عندي بالصَّواب، قول مَنْ قال: هـو مسجد الرَّسول صلى الله عليه وسلم ؛ لصحَّة الخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ».

ولا معارضة بين الحديث والآية السَّابقة على القول بأنَّ المراد بالمسجد الَّذي أُسِّس على التَّقوى فيها هو مسجد قُباء؛ لأنَّ كلاً من المسجدين أُسِّس على التَّقوى. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيميَّة: أنَّ الآية السَّابقة نزلت بسبب مسجد قُباء، ثمَّ قال: «لكن الحكم يتناوله، ويتناول ما هو أحقُّ منه بذلك، وهو مسجد المدينة، وهذا يوجِّه ما ثبت في الصَّحيح عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : أنَّه سئل عن المسجد الذي أُسِّس على التَّقوى، فقال: «هو مسجدي هذا» [سبق تخريجه].

وقال في موضع آخر: «... فتبيَّن أنَّ كلا المسجدين أُسِّس على التَّقوى، لكن مسجد المدينة أكمل في هذا النَّعت، فهو أحقُّ بهذا الاسم، ومسجد قُباء كان سبب نزول الآية».

وذكر الحافظ ابن حجرٍ: أنَّ السِّرَّ في جوابه صلى الله عليه وسلم بأنَّ المسجد الَّذي أُسِّس على التَّقوى مسجده رفعُ توهم أنَّ ذلك خاصٌّ بمسجد قُباء.

ب - فضل الصَّلاة في المسجد النَّبويِّ:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «صلاةٌ في مسجدي هذا، خيرٌ من ألفِ صلاةٍ فيما سواه، إلا المسجد الحرامَ» [البخاري (1190) ومسلم (1394/506 و507)] .

ج - أحد المساجد الثَّلاثة الَّتي لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إليها:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : أنَّه قال: «لا تُشَدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: «المسجد الحرام، ومسجد الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، ومسجد الأقصى» [البخاري (1189) ومسلم (1397/511)] .

د - الرَّوضة في المسجد النَّبويِّ:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «ما بين بيتي ومِنْبري روضةٌ من رياض الجنَّة، ومنبري على حوضي» [البخاري (1196) ومسلم (1391)] .

هـ  فضل التَّعلُّم والتَّعليم في المسجد النَّبويِّ:

عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّه سمع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ دخل مسجدنا هذا؛ يتعلَّم خيراً، أو يعَلِّمه؛ كان كالمجاهد في سبيل الله، ومَنْ دخله لغير ذلك؛ كان كالنَّاظر إلى ما ليس له» [أحمد (2/350) وابن ماجه (227) والحاكم (1/91)] .

8 - آيةٌ نزلت في أهل الصُّفَّة وفقراء المهاجرين:

قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 273].

ذكر ابن سعدٍ بسنده إلى ابن كعبٍ القرظيِّ، قال: هُمْ أصحاب الصُّفَّة. وذكر الطَّبريُّ بأسانيده عن مجاهدٍ والسُّدِّيِّ: أنَّها في فقراء المهاجرين.

إنَّ الأحداث الَّتي تتعلَّق بالدِّعامة الأولى في المجتمع كثيرةٌ، وكذلك ما يتعلَّق بها من أحكام؛ كضمان حقوق الأيتام، وجواز نبش القبور الدَّارسة، واتِّخاذ موضعها مسجداً إذا نظفت، وطابت أرضُها، إلاَّ أنني أكتفي بهذه الدُّروس، والعبر، والفوائد فيما يتعلَّق بالمسجد؛ خوفاً من الإطالة.


اترك تعليق