الإنسان والأرض في كتاب الله (3)

By : د. عطية عدلان

بسم الله الرحمن الرحيم

الإنسان والأرض في كتاب الله (3)

د. عطية عدلان (عضو الاتحاد)

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

ليس على أساس الصراع تقوم العلاقة بين الإنسان والأرض في التصور الإسلاميّ؛ إذ ليس في العقيدة الإسلامية ما يؤسس لهذا الصراع المفترى، وإنما كل ما تتضمنه هذه العقيدة وجميع ما اشتملت عليه تُبني علاقة حميمية ملؤها الود والأنس والتآلف؛ كيف لا ؟! والأرض بما عليها تدخل في المعبد الكوني العام، وتنخرط مع سائر خلق الله - بما في ذلك الإنسان المؤمن بالله - في محفل العبودية لله الواحد القهار: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (الإسراء 44) (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) (الحج 18).

   ومن تأمل الآيات التي تحدثت عن علاقة الإنسان بالأرض تبين له بوضوح خطان بارزان يمضي عليهما الخطاب المؤسس لهذه العلاقة المتينة الرشيدة، الأول: وضع الأرض بالنسبة للإنسان، الثاني: الوضع الذي يجب أن يكون عليه الإنسان بالنسبة للأرض، فهذان محوران رئيسيان للحديث عن علاقة الإنسان بالأرض في كتاب الله تعالى؛ وقد تناولنا في مقال سابق المحور الأول، والأن نتناول المحور الثاني؛ فماذا يحدثنا القرآن عن الوضعية التي يجب أن يكون عليها الإنسان بالنسبة للأرض التي يحيا عليها ؟

   يدور الحديث في كتاب الله عن هذا المحور حول عناصر أربعة، الأول: وجوب إقامة منهج الله في الأرض وتحكيم شريعته، وهذى هو المقتضى المباشر للاستخلاف (إني جاعل في الأرض حليفة) وهو كذلك مقتضى عبودية الإنسان للرحمن (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وأيضاً مقتضى الأمانة التي تحملها هذا الإنسان، والتي هي - حسب التفسير الجامع لأقوال السلف - الحكم الشرعيّ (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب 72) وفي تحقيق هذه الوظيفة يقول الله تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (ص 26).

   العنصر الثاني: وجوب السعير في الأرض لاستكناه أسرار الخلق وآثار الأمم، وللاعتبار بذلك كله وبما في الأرض من آيات، وفي هذا يقول الله عز وجل: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ) (الذاريات 20) (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) (النمل 69) (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت 20) (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج 46).

   العنصر الثالث: وجوب الضرب في الأرض والتنقيب فيها عن الرزق؛ حيث إنَّها لا تضن بما قدر الله فيها من الأرزاق، ولا ندرة فيها ولا شحة، وفي هذا يقول الملك العزيز الوهاب: (وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا) (فصلت 10) (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) (المزمل 20) (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة 10) (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك 15).

   العنصر الرابع: منع الظلم والبغي والإفساد في الأرض بغير الحق، ومنع الاستكبار والاستعلاء فيها بغير الحق، وفي هذا وردت آيات كثيرة من كتاب الله تعالى: (وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص 77) (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (الأعراف 56) (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (الأعراف 85) (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) (ص 28) (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص 83) (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا) (الإسراء 37) (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان 18) (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) (الأحقاف 20) (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) (الأعراف 146) (فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (يونس 23) (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ) (القصص 39) (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) (فصلت 15) (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الشورى 42) (ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ) (غافر 75).

   هذه هي أهم العناصر التي يجب توافرها ليتحقق ما تتحدث عنه الآيات في المحور الثاني من الموضوع، وهو الوضع الذي يجب أن يكون عليه الإنسان في الأرض، وبذلك يتم موضوع من موضوعات الكتاب العزيز، وهو موضوع الإنسان والأرض في كتاب الله تعالى، وهو موضوع ينتسب للعقيدة، ويبني عليه مناهج حياة في السياسة والاقتصاد وسائر أنشطة الحياة، وهو أحد المحكمات التي يغفل عنها كثير من الناس، واستدعاء هذا المحكم له أميته في خوض الصراع الفكري والحضاري مع الغرب ومع سائر أمم الأرض، والله المستعان.


اترك تعليق