((( ... إنّ الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم ... )))

By : الشيخ الدكتور تيسير التميمي

((( ... إنّ الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم ... ))) 
الشيخ الدكتور تيسير التميمي (عضو الاتحاد)

     أدى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة ومعه عشرات الألوف من أصحابه ، فخطب فيهم خطبة الوداع بمنى التي نستذكرها كل عام ، فاشتملت على أبرز قواعد الإسلام وأسسه ومبادئه، فكان منها قوله { أتدرون أيّ يوم هذا ؟ قالوا الله ورسوله أعلم ، قال فإن هذا يوم حرام ، أفتدرون أيّ بلد هذا ؟ قالوا الله ورسوله أعلم ، قال بلد حرام ، أتدرون أيّ شهر هذا ؟ قالوا الله ورسوله أعلم ، قال شهر حرام ، قال فإن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا } رواه البخاري.

     صان الإسلام النفس الإنسانية أن تزهق بغير حق ، وحرم الدماء أن تراق ظلماً وعدواناً ، واعتبر مرتكب هذه الجريمة كأنما قتل الناس جميعاً ، وكثرت الآيات الكريمة والأحاديث النبوية التي تجرم هذا العدو ان عليها ، فأوجبت إيقاع العقوبة الرادعة به زجراً لكل من تحدثه نفسه بارتكابها .

     وكفل ديننا الحنيف للإنسان أيضاً ماله أن يُعتدى عليه ، فحرم السرقة والغصب والاحتيال والسلب والنهب وأكل المال بالباطل وغيرها من صور العدوان على المال ، وتوعدت الآيات الكريمة والأحاديث النبوية من يفعل ذلك بالعذاب الشديد يوم القيامة ، وفرضت عقوبات مشددة على من يقترفها.

     وأولت شريعتنا الغراء أعراض الناس عنايةً خاصة ، فأوجبت صيانتَها والمحافظةَ عليها ، وحرَّمت الاعتداءَ عليها أو النيل منها بأي وجه من الوجوه ، فالعِرْضُ من القضايا الرئيسية التي يُجْهِدُ كلُّ إنسانٍ نفسَه في المحافظة عليها ، فالإساءة إلى أيّ إنسان بما يمس كرامته هي من المحرمات، فلا يجوز لأيّ إنسان مثلاً أن يعتدي على آخر بالسب والشتم أو انتهاك الحرمات والأعراض أو تتبع العورات ، ولا تجوز الإساءة إليه بكل ما يؤدي إلى ازدرائه أو انتقاص سمعته واحترامه بين الناس ، فهذه الجريمة من أخطر الجرائم لأنها منشأ الفتنة والأحقاد والتقاتل وسفك الدماء ، قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} الحجرات 11.

     ويحرم كل ما يؤذي المسلم في مكانته الاجتماعية والأدبية كالغيبة والقذف والافتراء ، قال تعالى مشبهاً الغيبة بأبشع صورة يمكن تصورها { ... وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} الحجرات 12، وقال صلى الله عليه وسلم في تحريمها { أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا الله ورسوله أعلم ، قال ذكرك أخاك بما يكره ، قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال إن كانفيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه فقد بَهَتَّه } رواه مسلم. 

     والنميمة تختلف عن الغيبة ، فالنميمة هي رفع الكلام بين الناس على وجه الإشاعة والإفساد والتحريش بينهم وذلك بنقل الحديث منقوم إلى قوم ، وهي محرمة ، قال تعالى { وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ *هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ } القلم 10-11، وشرها عظيم على المجتمع لأنها تقطع العلاقات وتنشر فيه العداوة والبغضاء ، قال صلى الله عليه وسلم { ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة ، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين } رواه الترمذي ، ومن آثارها أنه تورث صاحبها الذل بين الناس الذين عرفوا حقيقته .

     ومن أشدَّ صور الغِيبة وأضرّها على أهلها وأشرّها وأكثرها بلاءً وعقاباً تساهل المرء بما تخُطُّه يمينه ، قال صلى الله عليه وسلم { إنَّ الرجل ليتكلَّم بالكلمة لا يُلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعدَ ما بين المشرقِ والمغرب } رواه البخاري ، وسواء في ذلك الكلمة المسموعة والمقروءة ، وروي عن الإمام الشافعي رحمه الله قوله :

وما من كاتب ٍ إلاَّ سيفنى ويبقي الدهر ما كتبت يداهُ             فلا تكتب بخطك غير شيء يسرك في القيامة أن تراهُ

     وللشفاء من داء الغيبة يجب التداوي لها بالإكثار من ذكر الله تعالى ، ومعرفة حدود الله من أفضل الوسائل ليكف الشخص نفسه عنها . ويجب زيادة الورع واستحضار الخوف من الله عز وجل ، فمن قلَّ ورعه طعن في أعراض الناس ، وترك الحسد دواء ناجع للغيبة لأنه من الدوافع التي تحمل المرء عليها، وأما الترياق الشافي فالانشغال بعيوب النفس عن عيوب الناس ، قال صلى الله عليه وسلم { يبصر أحدكم القـذاة في عين أخيه وينسى الجذل أو الجذع في عين نفسه }رواه البخاري في الأدب المفرد ، والجـذل هو الخشبـة العالية الكبيرة ، فمن أبغض صور الغيبة وأظهرها أن ترمي غيرك بعيوب نفسك .

     وأسوأ صور الغيبة النيل من العلماء ، وقد استعظم أهل العلم هذه الصورة واستهجنوها ، قال الإمام ابن عساكر رحمه الله موجهاً ومحذراً [ أعلم يا أخي ـ وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حقت قاته ـ أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصهم معلومة، لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمره عظيم، والتناولُ لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم ] ، وإنما كانت هذه المكانة للعلماء أنهم ورثة الأنبياء وأمناء الله على خلقه ورسالاته فوجب الدفاع عنهم ، وهنا أود التذكير بمحنة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله الذي لم يجد نصيراً ظهيراً له في فتنة خلق القرآن الكريم ؛ لكنه ظل ثابتاً في محنته على الحق لا ينثني عن موقفه ؛ فأوذي وضيق عليه وسجن وعذب ، ثم كانت العاقبة أن نصره الله وساق إليه من رفع الظلم عنه وأعلى كلمة الحق والدين ونشرها على يديه .

     وأما القذف والسب والإشانة بما ينال من شرف الإنسان وسمعته بين الناس فهي من جرائم التعزير التي ليست لها عقوبة محددة في الشرع ، فعلى القاضي اختيار العقوبة المناسبة فيها ، قال ابن الهمام [ إذا قذف مسلماً بغير الزنا فقال يا فاسق أو يا كافر أو يا خبيث أو يا سارق ، لأنه أذا هو الحق الشين به ، فوجب التعزير ] شرح فتح القدير 5/333 .

     فلْيعلم من أطلَقَ قَلمَه أو لسانَه في التجريح والقَدح أنه قد بغى وظلَم ، ولْيخشَ على نفسه من دعوةٍ تَسرِي بليلٍ وهو عنها غافِل ، ولْيعلم أنه آذى أخاه ، فالأذية كما تكون بالأفعال تكون بالأقوال القبيحة أيضاً كالبهتان والافتراء والتكذيب ، قال تعالى { وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} الأحزاب 58، وهذه الآية نظير قوله تعالى { وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً} النساء 112، فلْنجتنب أَذَى الْمُؤْمِن فَإِنَّ اللَّهَ يَغْضَب لَهُ ، ولْنعلم أنَّ أعراض المسلمين حفرةٌ من حُفر النار فلْنحذر الوقوفَ على شَفيرها .

     وينبغي للمسلم الحق والمؤمن التقيّ النقيّ الطائع لله سبحانه وتعالى المتّبع منهاج النبوة ألاَّ يخوض في عرض أخيه مع الخائضين ، وأن يضع نفسه مكان أخيه فيلتزم قوله جلّ وعلا { لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ } النور 12، وينبغي له ألاَّ يحضر هذه المجالس أو يشارك فيها ، فإن حضرها ولا بدَّ فلْيقطع الحديث ما استطاع ، وإلاَّ فلْيدافع عن عرض أخيه ، قال صلى الله عليه وسلم { منرد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة } رواه الترمذي، فإن البُهتان والافتراء وقول الزّور والشهادة به مهما علا وارتَفَعَ في الآفاق وشاع بين المسلمين فهو آخِذٌ صاحِبَه إلى الهاوية ، ومُردٍ به إلى سوء العاقبة في الدنيا والآخرة ، قال صلى الله عليه وسلم { الربا اثنان وسبعون باباً أدناها مثل إتيان الرجل أمه ، وإن أربى الربا استطالةُ الرجل في عِرْض أخيه } رواه أبو داود.

     إذن فكل امرئ مخبوء تحت لسانه ، وكلامه ترجمان ما في قلبه ، قال تعالى { قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } آل عمران 118، ولذا فقد حذرنا ربنا عز وجل من إطلاق الألسن بما تشتهي الأنفس ، بل دعانا سبحانه إلى استحضار مراقبته وإحاطة سمعه وبصره بأقوالنا وأعمالنا ودخائل نفوسنا وذوات صدورنا ، قال تعالى { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْل ِالْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} ق 16-18.
     فلنحرص على أعمالنا وطاعاتنا وقرباتنا ألاّ نبطلها ، وأجورنا ألاَّ نضيعها وموازيننا ألاَّ نخففها ، قال صلى الله عليه وسلم {أتدرون من المفلس ؟ قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ، قال المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل ما لهذا وضرب هذا وسفك دم هذا ، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار } رواه مسلم.


اترك تعليق