السفينة والطوفان

By : أ‌.د. ليلى محمد بلخير

أ‌.د.  ليلى محمد بلخير (عضو الاتحاد)        

السفينة والطوفان  

تجول دائما في داخلي قصة سفينة نوح عليه السلام، وأشعر أن تفاصيلها قريبة جدا من زمننا، إنه الطوفان يتقدم نحونا كل هذه الفتن المتلاطمة وكل المفاسد والشرور، كل الأوجاع والأحزان والمحن، طوفان أهوجه هادر، يعلو ويرتفع، يكاد يطوينا، يقتلعنا من جذورنا تصمت وتنخرس أنفاسنا، وتتفجر العيون دمعا حارقا يموج في الوجوه، وهناك نلهج ببقايا ما فينا بالدعاء والاستغاثة "يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث".

في اللحظات الجلل تحضر السفينة كرمز للأمان للنجاة للسعادة، سفينة تعصم القلوب من التصدع والتلاشي من الهلاك، سفينة للقلوب المطمئنة تسير برحمة من الله في أغوار الطوفان }فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْله إِلَّا اِمْرَأَته كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ{ الأعراف 83، هي السفينة المعجزة في مواكبتها لكل الأزمان. 

المدهش فيها أنها منفتحة غير نمطية، وأي واحد منا يملك أن يصنع واحدة، بهمته ونور يقينه، نتمثل ذلك من الآية الكريمة }وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا{هود37، التوجيه اللطيف لنوح عليه السلام بالمبادرة، وانجاز وسيلة الإنقاذ، لم تقدم جاهزة، ولم تحدد بوصف نهائي، وبالتالي يمكن إسقاط أثرها على حياتنا كفكرة معنوية ذات بعد رمزي، نقبل على معناها المتجدد لنفهم ضرورة هذا الفعل الإنقاذي، وضرورة أن نبدأ وبسرعة في صنع السفينة، وتجهيزها مضمونا ووظيفة، لا مجرد صورة وهيكل، حتى نسلم من أمواج الطوفان العاتية، امتثل نوح عليه السلام لأمر الله، وأقبل على مشروعه الإيماني، يشد الأخشاب بعضها لبعض، ويلحمها بقوة ساعة فساعة ويوم فيوم.

عامل الزمن ترويضي للطاقة الروحية {وَلَقَد أَرْسَلْنا نُوحًا إِلَى قَومِه فَلَبِثَ فِيهِم أَلْفَ سَنَة إِلا خَمْسِين عَاماً فَأخَذَهم الطوفَان وَهُم ظَالِمُون {العنكبوت14.

   وسط استهزاء وسخرية المنكرين، ورغم الأذى والألم، لم ينصرف عن مهمته؛ لأنه مدرك لموقعه وموقعهم، طول مدة الإنجاز مهم جدا، يكتسب أهميته في ممارسته فعل الإقناع بالمماحكة والمباشرة، تلتقي الأعين وتتراسل نبرات الصوت وتتحرك الأيادي في شغل دؤوب. وأيضا لحسم أمر الراكبين في السفينة، إن لها فعل التصفية، فلا يركب فيها إلا الأصفياء.

 {حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قُلْنَا اِحْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَأَهْلك إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْل وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيل {هود40، الأمر في الآية دليل كبير على البعد الإيماني للسفينة الذي يعضد البعد الاجتماعي، جاء الطوفان ولابد من تطهير شامل للإنسانية، (قُلْنَا اِحْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَأَهْلك) ورغم ذلك هناك اهتمام كبير بمن يركب السفينة؟

سفينة لفئة خاصة بتوجيه رباني خاص وفق ناموس خاص. تحمل بذور الحياة الجديدة، ولفظة (وأهلك)، تستبق حدثا حركيا مفصليا في القصة هو عدم ركوب ابن نوح سفينة النجاة.

يتبع....

*هذا المقال ضمن سلسلة مقالات حول " القرآن والحياة ".


اترك تعليق