مقاصد الدعوة (1)

بواسطة : الشيخ الدكتور فضل مراد

مقاصد الدعوة (1)

الشيخ الدكتور فضل مراد

مقاصد الدعوة هي الغايات والمطالب الكبرى والأهداف والحكم التي تسري في منظومة الدعوة إلى الله ملاحظة في كل أجزائها وتفاصيلها

ونعرف هذه الغايات بالنص عليها أو باستقراء تام لتعليل الرسالة وتصرفات الرسول الكريم في القرآن والسنن

فمن النوع الأول

قوله تعالى : (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آيته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة )

تلاوة القرآن ، التزكية، تعليم القرآن بما يشمل كيفية قراءته وأحكامه الشرعية ، وتعليم الحكمة بأقواله وأفعاله فصارت أقواله وافعاله معصومة لأنها من أركان البعثة والرسالة ..

سأطل سريعا على المقصد الأول .. التلاوة

إن التلاوة مقصد عظيم من مقاصد الدعوة إلى الله بل من مقاصد البعثة والرسالة

وابتداء النص بها لبيان أهميتها في التأثير والدعوة إلى الله

إن تلاوة القرآن مفتاح للقلب وإنعاش للروح وقدحا للعقل

إنها أسرع وأسهل طريقة للتأثير على النفس البشرية ... لقد كان المصطفى يدرك هذه الفاعلية التي تشع حال سماع القرآن

فما فتيء يتلو كتاب ربه على الناس حال دعوتهم

إن تلاوة القرآن على الناس مسلمهم وكافرهم مطلوبة، لعموم النص بل هو أول مقاصد الرسالة وهذا ما فعله الرسول سائر حياته

ومن حكم التشريع البالغه أنه فرض التلاوة في ركن من أركان الإسلام وشعائره الكبرى التي تتكرر آناء الليل وأطراف النهار

إن ركن الصلاة تلاوة القرآن، ولو ما تيسر منه

خاصة الفاتحة فهي فرض ركني على ما دلت عليه نصوص السنن

ولقد جعل الجهرية أكثر من السرية وشرع الجهر في بداية اليوم وختامه ... يبدأ الناس يومهم قبل بزوغ شمسه بصلاة الفجر وتلاواته التي أشاد الله بها وأمر بقوله في سياق الطلب (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا )

ويتكرر هذا التشريع في ورد مفروض ليلي بداء بالمغرب وختاما بالعشاء ومن شاء التطوع فالليل على مصراعيه ..

لقد كان الأمر المبكر في بداية البعثة للرسول الكريم (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا)

إنه تكليف معلل بالنص (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا)

إن تكاليف الرسالة بما فيها من بلاغ وبيان وجهاد وإقامة حجة وصراع مع الباطل ومواجهته

كل ذلك بحاجة إلى زاد كلف به المصطفى في تهجده بالليل ( ورتل القرآن ترتيلا )

ولم يتوقف التشريع عند ذلك بل ثبت في المسند أن رسول الله كان يختم القرآن كل أسبوع في غير صلاته بالليل

لأنها كانت حصرية على التأمل والتفكر والترتيل غير مقصود فيها ختم القرآن ولا يحضرني الآن نقل يثبت أنه صلى الله عليه وسلم ختم القرآن في تهجده بل كان يتلو الطوال والمفصل مسبحا أو مستغفرا أو داعيا كلما مر بآية فيها ذلك

بل ثبت أنه ردد آية في تهجده ولم يقم بغيرها

وكان يدارس القرآن في رمضان مع الروح الأمين وفيه مشروعية المدارسة مع العالم بالقرآن والعلم قياسا

وكان يحب أن يسمعه من بعض أصحابه لقد قال لابن مسعود

اقرَأْ عليَّ النِّساءَ . قال : قلتُ : أقرأُ عليك وعليك أُنزِل ؟ قال : إنِّي أحبُّ أن أسمعَه من غيري . قال : فقرأتُ عليه حتَّى إذا انتهيْتُ إلى قولِه فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا الآيةِ ، فرفعتُ رأسي فإذا عيناه تَهمِلان والحديث في البخاري ومسلم

بل أمره الله أن يقرأه على أبي كما في الصحيحين عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ لِأُبَيٍّ : إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ ، قَالَ : آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ ؟ قَالَ : اللَّهُ سَمَّاكَ لِي ، قَالَ : فَجَعَلَ أُبَيٌّ يَبْكِي ..

ويؤخذ منه مشروعية قراء القرآن على الغير من أهل العلم ولو كان القارئ أعلم وأعلا منزلة إن المقصود هو التشارك والسماع يقرأ الفاضل على المفضول والمفضول على الفاضل

زيادة في تكريس هذه الشعيرة العظيمة نشر التلاوة إسماعا وسماعا ...

وهنا نسأل أنفسنا هل طلبت يوما من أحد أن تقرأ عليه سورة كذا أو هو يقرأ عليك أو تدارسان التلاوة ..

ومن هنا نعلم الأهمية المقاصدية لتلاوة القرآن وسماعه وإسماعه في مختلف الأحوال

ونعلم كذلك خطورة وبشاعة من يحارب تلاوته ويسعى لتقليصها بتبريرات وذرائع أو بدون .

.. ونستطيع تفسير الجفاف الروحي والخواء القلبي الذي نعيشه بعيدين عن المصحف وتلاوته وسماعه

أنعكس ذلك على حياتنا وأفكارنا واهتماماتنا وعلاقاتنا مع بعضنا ... لقد كشرت المادية أنيابها بلا مواراة في عالمنا اليوم وأول علاجاتها تلاوة القرآن وسماعه وإسماعه للناس والأجيال ..


اترك تعليق