علي (رضي الله عنه) في عهد عمر بن الخطاب الحلقة 20

By : بقلم الدكتور علي محمد الصلابي

علي (رضي الله عنه) في عهد عمر بن الخطاب

الحلقة العشرون

بقلم الدكتور علي محمد الصلابي

جمادى الأولى 1441 ه/ يناير 2020 م

رابعاً: علي رضي الله عنه وأولاده وعلاقتهم بعمر رضي الله عنهم:
كان عمر رضي الله عنه شديد الإكرام لآل رسول الله ﷺ وإيثارهم على أبنائه وأسرته ، نذكر من ذلك بعض المواقف:
1- أنت أحق بالإذن من عبد الله بن عمر: جاء فيما رواه الحسين بن علي رضي الله عنه: أن عمر قال لي ذات يوم: أي بني لو جعلت تأتينا وتغشانا؟ فجئت يوماً وهو خالٍ بمعاوية ، وابن عمر بالباب لم يؤذن له ، فرجعت فلقيني بعد، فقال: يا بني لم أرك أتيتنا؟ قلت: جئت وأنت خالٍ بمعاوية ، فرأيت ابن عمر رجع ، فرجعت فقال: أنت أحق بالإذن من عبد الله بن عمر ، إنما أنبت في رؤوسنا ما ترى: الله ، ثم أنتم ، ووضع يده على رأسه.
2- والله ما هنأ لي ما كسوتكم: روى ابن سعد: عن جعفر بن محمد الباقر ، عن أبيه علي بن الحسين ، قال: قدم على عمر حلل من اليمن ، فكسا الناس فراحوا في الحلل ، وهو بين القبر والمنبر جالس ، والناس يأتونه فيسلمون عليه ويدعون له ، فخرج الحسن والحسين من بيت أمهما فاطمة رضي الله عنها يتخطيان الناس، ليس عليها من تلك الحلل شيء ، وعمر قاطب ما بين عينيه ، ثم قال: والله ما هنأ لي ما كسوتكم ، قالوا: يا أمير المؤمنين ، كسوت رعيتك فأحسنت ، قال: من أجل الغلامين يتخطيان الناس وليس عليهما من شيء كبرت عنهما وصغرا عنها ، ثم كتب إلى اليمن أن ابعث بحلتين لحسن وحسين ، وعجل ، فبعث إليه بحلتين فكساهما.
3- تقديم بني هاشم في العطاء: عن أبي جعفر أنه لما أراد أن يفرض للناس بعدما فتح الله عليه ، وجمع ناساً من أصحاب النبي ﷺ ، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: ابدأ بنفسك ، فقال: لا والله بالأقرب من رسول الله ﷺ، ومن بني هاشم رهط رسول الله ﷺ ، وفرض للعباس ، ثم لعلي ، حتى والى بين خمس قبائل ، حتى انتهى الى بني عدي بن كعب ، فكتب: من شهد بدراً من بني هاشم ، ثم شهد بدراً من بني أمية بن عبد شمس ، ثم الأقرب فالأقرب ، ففرض الأعطيات لهم وفرض للحسن والحسين لمكانهما من رسول الله ﷺ.
4- كساني هذا الثوب أخي وخليلي: خرج علي وعليه برد عدني فقال: كساني هذا الثوب أخي وخليلي وصفيِّي وصديقي أمير المؤمنين عمر. وفي رواية عن أبي السفر قال: رؤي على علي بن أبي طالب رضي الله عنه برد كان يكثر لبسه ، قال: فقيل: يا أمير المؤمنين إنك لتكثر لبس هذا البرد؟ فقال: نعم ، إن هذا كسانيه خليلي وصفيي عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ناصح الله فنصحه. ثم بكى.
5- إقطاع ينبع: أقطع عمر بن الخطاب علياً ينبع ، ثم اشترى علي إلى قطيعة عمر أشياء فحفر فيها عيناً ، فبينما هم يعملون فيها إذ تفجر عليهم مثل عنق الجزور من الماء ، فأتي علي وبشِّر فتصدق بها على الفقراء والمساكين وفي سبيل الله ليوم تبيض وجوه وتسود وجوه ، ليصرف الله تعالى بها وجهه عن النار ويصرف النار عن وجهه ، وكتب في صدقته: هذا ما أمر به علي بن أبي طالب وقضى في ماله: إني تصدقت بينبع ووادي القرى والأذنية وراعة في سبيل الله ووجهه ، أبتغي مرضات الله ، ينفق منها في كل منفعة في سبيل الله ووجهه ، وفي الحرب والسلم والجنود ، وذوي الرحم القريب والبعيد ، لا يباع ولا يوهب ولا يورث حياً أنا أو ميتاً ، أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة ، ولا أبتغي إلا الله عز وجل ، فإنه يقبلها وهو يرثها وهو خير الوارثين ، فذلك الذي قضيت فيها بيني وبين الله عز وجل.
6- لتقولن يا أبا الحسن: اجتمع عند عمر جماعة من قريش فيهم علي ، فتذكروا الشرف ، وعلي ساكت. فقال عمر: مالك يا أبا الحسن ساكتاً ؟ فكأن علياً كره الكلام ، فقال عمر: لتقولن يا أبا الحسن ، فقال علي:
في كلِّ معتركٍ تزيلُ سيوفُنا
فيها الجماجِمَ عن فراخِ الهَامِ

الله أكرَمَنَا بنصرِ نبيِّهِ
وبنا أعزَّ شرائعَ الإسلامِ

ويزورُنا جبريلُ في أبياتِنَا
بفرائضِ الإسلامِ والأحكامِ

7- حوار بين أمير المؤمنين عمر وعلي حول الرؤيا:
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: أعجب من رؤيا الرجل أنه يبيت فيرى الشيء لم يخطر له على بال ، فتكون رؤياه كأخذ اليد ، ويرى الرجل الشيء ، فلا تكون رؤياه شيئاً. فقال علي بن أبى طالب: أفلا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين؟ إن الله يقول: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ﴾ [الزمر: 42].
خامساً: زواج عمر من أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب:
زوج علي بن أبي طالب رضي الله عنه ابنته من فاطمة بنت النبي ﷺ من الفاروق حينما سأله زواجها منه؛ رضا بما يطلب ، وثقة فيه ، وإقراراً لفضله ومناقبه ، واعترافاً بمحاسنه وجمال سيرته ، وإظهاراً بأن بينهم من العلاقات الوطيدة الطيبة والصلات المحكمة المباركة ما يحرق قلوب الحساد من أعداء الأمة المجيدة ، ويرغم أنوفهم؛ فقد كان عمر يكن لأهل البيت محبة خاصة لا يكنها لغيرهم لقرابتهم من رسول الله ﷺ ، ولما أوصى به رسول الله ﷺ من إكرام أهل البيت ورعاية حقوقهم ، فمن هذا الباعث خطب عمر أم كلثوم ابنة علي وفاطمة رضوان الله عليهم ، وتودد إليه في ذلك قائلاً: فوالله ما على الأرض رجل يرصد من حسن صحبتها ما أرصد ، فقال علي: قد فعلت، فأقبل عمر إلى المهاجرين ، وهو مسرور قائلاً: رفئوني... ثم ذكر أن سبب زواجه منها ما سمعه من النبي ﷺ : «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا ما كان من سببي ونسبي» ، فأحببت أن يكون بيني وبين رسول الله ﷺ سبب.
ولقد أقر بهذا الزواج كافة أهل التاريخ والأنساب ، وجميع محدثي الشيعة وفقهائهم ومكابريهم ومجادليهم ، وأئمتهم المعصومين حسب زعمهم ، ولقد أورد الشيخ إحسان إلهي ظهير روايات بخصوص ذلك في كتابه (الشيعة والسنة).
ولقد ذكر هذا الزواج علماء أهل السنة في التاريخ، وأجمعت مصادرهم عليه، ومن العلماء الذين ذكروا هذا الزواج: الطبري، وابن كثير، والذهبي، وابن الجوزي، والديار بكري، وقد ذكر هذا الزواج كتب التراجم ، كابن حجر، وابن سعد، وأسد الغابة.
وقد قام الأستاذ أبو معاذ الإسماعيلي في كتابه (زواج عمر بن الخطاب من أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما حقيقة وليس افتراء) بتتبع مراجع ومصادر الشيعة وأهل السنة فيما يتعلق بهذا الزواج ، ورد على الشبهات التي ألصقت بهذا الزواج الميمون ، وقد ذكرت شيئاً من سيرتها ومواقفها في حياتها في عهد الفاروق في كتابي (فصل الخطاب في سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، شخصيته وعصره). هذا وقد ولدت أم كلثوم بنت علي من عمر رضي الله عنه ابنة سميت (رقية) ، وولداً سمته زيداً ، وقد روى الأصحاب: أن زيد بن عمر حضر مشاجرة في قوم من بني عدي بن كعب ليلاً ، فخرج إليهم زيد بن عمر ليصلحهم فأصابته ضربة شجت رأسه ومات من فوره ، وحزنت أمه لقتله ووقعت مغشياً عليها من الحزن ، فماتت من ساعتها ، ودفنت أم كلثوم وابنها زيد بن عمر في وقت واحد ، وصلى عليهم عبد الله بن عمر بن الخطاب ، قدمه الحسن بن علي بن أبي طالب وصلى خلفه.
سادساً: يا بنت رسول الله ! ما أحد من الخلق أحب إلينا من أبيك ، وما أحد من الخلق بعد أبيك أحب إلينا منك:
عن أسلم العدوي قال: لما بويع لأبي بكر بعد النبي ﷺ ؛ كان علي والزبير بن العوام يدخلان على فاطمة فيشاورانها، فبلغ عمر ، فدخل على فاطمة فقال: يا بنت رسول الله ! ما أحد من الخلق أحب إلينا من أبيك ، وما أحد من الخلق بعد أبيك أحب إلينا منك. وكلَّمها ، فدخل علي والزبير على فاطمة فقالت: انصرفا راشدين ، فما رجعا إليها حتى بايعا، وهذا هو الثابت الصحيح ، والذي مع صحة سنده ينسجم مع روح ذلك الجيل وتزكية الله له ، وقد زاد الروافض في هذه الرواية واختلقوا إفكاً وبهتاناً وزوراً ، وقالوا بأن عمر قال: إذا اجتمع عندك هؤلاء النفر أن أحرق عليهم هذا البيت ، لأنهم أرادوا شق عصا المسلمين بتأخرهم عن البيعة ، ثم خرج عنها ، فلم يلبث أن عادوا إليها ، فقالت لهم: تعلمون أن عمر جاءني وحلف بالله لأن أنتم عدتم إلى هذا البيت ليحرقنه عليكم ، وايم الله إنه ليصدقن فيما حلف عليه ، فانصرفوا عني فلا ترجعوا إلي ، ففعلوا ذلك ، ولم يرجعوا إليها إلا بعدما بايعوا.
وهذه القصة لم تثبت عن عمر رضي الله عنه ، ودعوى أن عمر رضي الله عنه همَّ بإحراق بيت فاطمة ، من أكاذيب الرافضة ، أعداء صحابة رسول الله ﷺ، وقد أوردها مع أكاذيب أخرى الطبرسي في كتابه (دلائل الإمامة) ؛ عن جابر الجعفي؛ وهو رافضي كذاب باتفاق أئمة الحديث كما في الميزان للذهبي وتهذيب التهذيب.
وزعم بعض الروافض أن عمر ضرب فاطمة حتى أسقط ولدها محسناً وهو في بطنها ، وهذه من الأكاذيب الرافضية التي لا أساس لها من الصحة ، وما علموا أنهم يطعنون في علي رضي الله عنه وذلك باتهامه بالجبن والسكوت عن عمر وهو من أشجع أصحاب النبي ﷺ، بل إن بعض كتب الروافض أنكر صحة هذا الهذيان والزور. علماً بأن محسناً ولد في حياة النبي ﷺ كما ثبت ذلك بالرواية الصحيحة.
سابعاً: الخلاف بين العباس وعلي وحكم عمر رضي الله عنهم بينهم:
قال مالك بن أوس: بينما أنا جالس في أهلي حين متع النهار، إذا رسول عمر بن الخطاب يأتيني ، فقال: أجب أمير المؤمنين ، فانطلق معه حتى دخل على عمر ، فإذا هو جالس على رمال سرير ليس بينه وبينه فراش ، متكئ على وسادة من أدم ، فسلمت عليه ، ثم جلست ، فقال: يا مالك ! إنه قدم علينا من قومك أهل أبيات ، وقد أمرت فيهم برضخ ، فاقبضه فاقسمه بينهم ، فقلت: يا أمير المؤمنين لو أمرت به غيري ، قال: اقبضه أيها المرء ، فبينما أنا جالس عنده أتاه حاجبه يرفأ ، فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص ، يستأذنونه؟ قال: نعم فأذن لهم ، فدخلوا فسلموا وجلسوا ، ثم جلس يرفأ يسيراً ، ثم قال: لك في علي ، وعباس؟ قال نعم: فأذن لهما ، فدخلا فسلما فجلسا.
فقال عباس: يا أمير المؤمنين ! اقضي بيني وبين هذا. وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله ﷺ من مال بني النضير ، فقال الرهط عثمان وأصحابه: يا أمير المؤمنين ! اقض بينهما وأرح أحدهما من الاخر. قال عمر: تيدكم، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله ﷺ ، قال: «لا نورث ما تركنا صدقة» ، يريد رسول الله ﷺ نفسه؟ قال الرهط: قد قال ذلك ، فأقبل عمر على علي ، وعباس ، فقال: أنشدكما بالله أتعلمان أن رسول الله ﷺ قد قال ذلك؟ قالا: قد قال ذلك ، قال عمر: فإني أحدثكم عن هذا الأمر ، أن الله قد خص رسوله ﷺ في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحداً غيره ، ثم قرأ: ﴿ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الحشر: 6]. فكانت هذه خالصة لرسول الله ﷺ ، و والله ما احتازها دونكم ، ولا استأثر بها عليكم ، قد أعطاكموها ، وبثَّها فيكم ، حتى بقي منها هذا المال ، فكان رسول الله ﷺ ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مال الله ، فعمل رسول الله ﷺ بذلك حياته ، أنشدكم بالله، هل تعلمان ذلك؟ قال عمر: ثم توفى الله نبيه ﷺ فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله ﷺ، والله يعلم إنه فيها لصادق بار راشد تابع للحق ، ثم توفى الله أبا بكر ، فكنت أنا وليَّ أبي بكر ، فقبضتها سنتين من إمارتي ، أعمل فيها بما عمل رسول الله ﷺ وما عمل فيها أبو بكر ، والله يعلم إني فيها لصادق بار راشد تابع للحق ، ثم جئتماني تكلماني وكلمتكما واحدة وأمركم واحد ، جئتني يا عباس ، تسألني نصيبك من ابن اخيك ، وجاءني هذا (يريد علياً) يريد نصيب امرأته من أبيها ، فقلت لكما: إن رسول الله ﷺ قال: لا نورث ما تركناه صدقة ، فلما بدا لي أن أدفعه إليكما؟ قلت: إن شئتما دفعتها إليكما ، على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل فيها رسول الله ﷺ وما عمل أبو بكر ، وبما عملت فيها منذ وليتها ، فقلتما: ادفعها إلينا ، فبذلك دفعتها إليكما ، فأنشدكم بالله هل دفعتها إليهما بذلك؟ قال الرهط: نعم ، ثم أقبل على عليِّ وعباس فقال: أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك؟ قالا: نعم ، قال: فتلتمسان مني قضاء غير ذلك ، فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض ، لا أقضي فيها قضاء غير ذلك ، فإن عجزتما عنها فادفعاها إليَّ ، فإني أكفيكماها.
ثامناً: ترشيح عمر علي للخلافة مع أهل الشورى وما قاله علي في عمر بعد استشهاده:
1- ترشيح علي مع أهل الشورى: لما طُعِن عمر رضي الله عنه ، وظنَّ أنه سيفارق الحياة ، وأخذ المسلمون يدخلون عليه ، ويقولون له: أوصي يا أمير المؤمنين ، استخلف ، فقال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ فسمَّى علياً ، وعثمان ، والزبير، وطلحة ، وسعداً ، وعبد الرحمن، ثم دعا خاصتهم وهم عبد الرحمن، وعثمان ، وعلي؛ فوعظهم.
إن عمر ـ رضي الله عنه ـ إمام وعليه أن يستخلف الأصلح للمسلمين ، فاجتهد في ذلك ، ورأى أن الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض أحق من غيرهم ، وهو كما رأى ، فإنه لم يقل أحـد غيرهم أحق منهـم ، وجعل التعيين إليهم خوفاً أن يعين واحداً منهم ، ويكون غيره أصلح لهم ، فإن الذي ظهر له رجحان الستة دون رجحان التعيين ، وقال: الأمر في التعيين إلى الستة يعينون واحداً منهم. وهذا اجتهاد إمام عادل ناصح لا هوى له رضي الله عنه ، وهو نموذج واقعي لتطبيق قول الله تعالى: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ [الشورى: 38] ، وقال: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ﴾ [آل عمران: 159] ، فكان ما فعله من الشورى مصلحة.
إن الفاروق رضي الله عنه رأى الأمر في الستة متقارباً؛ فإنهم وإن كان لبعضهم من الفضيلة ما ليس لبعض ، فلذلك المفضول مزية أخرى ليست للاخر ، ورأى أنه إذا عين واحداً فقد يحصل بولايته نوع من الخلل فيكون منسوباً إليه ، فترك التعيين خوفاً من الله تعالى ، وعلم أنه ليس واحداً أحق بهذا الأمر منهم ، فجمع بين المصلحتين؛ بين تعيينهم إذ لا أحق منهم ، وترك تعيين واحد منهم لما تخوفه من التقصير ، والله تعالى قد أوجب على العبد أن يفعل المصلحة بحسب الإمكان، فكان ما فعله غاية ما يمكن من المصلحة.
ولا يقال: إنه بجعله الأمر شورى بين الستة قد خالف به من تقدمه كما هو زعم الشيعة الرافضة ، لأن الخلاف نوعان، خلاف تضاد ، وخلاف تنوع؛ وما فعله عمر رضي الله عنه من النوع التالي، وقد أقره على اجتهاده كل الصحابة ، ولم نسمع أحداً عارضه ، وقد بسطت ما ابتكره عمر من طريقة جديدة في اختيار الخليفة من بعده في كتابي (فصل الخطاب في سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب شخصيته وعصره) ، فمن أراد التوسع فليرجع إليه مشكوراً.
2- ما قاله علي في عمر بعد استشهاده: قال ابن عباس كما في صحيح البخاري: وُضِع عمر على سريره ، فتكنفه الناس يدعون ويصلون ، قبل أن يرفع ، وأنا فيهم ، فلم يرعني إلا رجل اخذ منكبي ، إذا علي بن أبي طالب ، فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحداً أحب إليَّ أن ألقى الله بمثل عمله منك ، وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت أني كنت كثيراً ما أسمع النبي ﷺ يقول: «ذهبت أنا وأبو بكر وعمر ، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر ، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر».
3- قول علي في عمر: إن عمر كان رشيد الأمر ، وحرصه على عدم مخالفته بعد وفاته: عن عبد خير قال: كنت قريباً من علي حيث جاء أهل نجران؛ قال: قلت: فإن كان راداً على عمر شيئاً فاليوم ، قال: فسلموا واصطفوا بين يديه ، قال: ثم أدخل بعضهم يده في كمه فأخرج كتاباً فوضعه في يد علي ، قالوا: يا أمير المؤمنين ، خطك بيمينك وإملاء رسول الله ﷺ عليك ، قال: فرأيت علياً وقد جرت الدموع على خده ، قال: ثم رفع رأسه إليهم فقال: يا أهل نجران ، إن هذا لاخر كتاب كتبته بين يدي رسول الله ﷺ ، قالوا: فأعطنا ما فيه ، قال: سأخبركم عن ذاك: أن الذي أخذه عمر لم يأخذه لنفسه ، إنما أخذه بجماعة من المسلمين ، وكان الذي أخذه منكم خيراً مما أعطاكم ، والله لا أرد شيئاً مما صنعه عمر ، أن عمر كان رشيد الأمر. وهذه الحادثة أصَّل الفقهاء عليها قولهم: لا يرد القاضي اجتهاد قضاء من قبله عند علي، وروي عنه أنه قال: اقضوا كما كنتم تقضون حتى تكونوا جماعة ، فإني أخشى الاختلاف، وهو قول جمهور الفقهاء، وقد قال علي: ما كنت لأحل عقدة شدَّها عمر
4- إن عمر بن الخطاب كان يكره نزوله ، فأنا أكرهه لذلك: لما فرغ علي من وقعة الجمل ، ودخل البصرة ، وشيع أم المؤمنين عائشة لما أرادت الرجوع إلى مكة ، سار من البصرة إلى الكوفة ، فدخلها يوم الإثنين ، لثنتي عشرة ليلة خلت من رجب سنة ست وثلاثين ، فقيل له: انزل بالقصر الأبيض ، فقال: لا ، إن عمر بن الخطاب كان يكره نزوله ، فأنا أكرهه لذلك ! فنزل في الرحبة وصلَّى في الجامع الأعظم ركعتين.
5- حب أهل البيت لعمر رضي الله عنه: إن من دلالة محبة أهل البيت للفاروق رضي الله عنه تسمية أبنائهم باسمه ، حباً وإعجاباً بشخصيته ، وتقديراً لما أتى به من الأفعال الطيبة والمكارم العظيمة ، ولما قدَّم إلى الإسلام من الخدمات الجليلة ، وإقراراً بالصلات الودية الوطيدة والتي تربطه بأهل بيت النبوة والرحم، والصهر القائم بينه وبينهم ، فأول من سمَّى ابنه باسمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سمَّى ابنه من أم حبيب بنت ربيعة البكرية عمر.
وقد جاء في كتاب صاحب الفصول ، تحت ذكر: أولاد علي بن أبي طالب: وعمر من التغلبية ، وهي الصهباء بنت ربيعة من السبي الذي أغار عليهم خالد بن الوليد بعين التمر ، وعمَّر عمر هذا حتى بلغ خمساً وثمانين سنة ، فحاز نصف ميراث علي رضي الله عنه ، وذلك أن جميع إخوانه وأشقائه وهم عبد الله وجعفر وعثمان قتلوا جميعهم قبله مع الحسين رضي الله عنه ، يعني أنه لم يقتل معهم بالطف فورثهم.
هذا وتبعه حسن في ذلك الحب لعمر بن الخطاب رضي الله عنهم فسمى أحد أبنائه عمر أيضاً، وكذلك الحسين بن علي سمَّى عمر ، ومن بعد الحسين ابنه علي الملقب بزين العابدين سمَّى أحد أبنائه باسم عمر، وكذلك موسى بن جعفر الملقب بالكاظم سمَّى أحد أبنائه باسم عمر.
فهؤلاء الأئمة من أهل البيت الذين ساروا على هدي النبي ﷺ ومعالم منهج أهل السنة والجماعة؛ بسيرتهم العطرة يظهرون لعمر الفاروق ما يكنونه في صدورهم من حبهم وولائهم له بعد وفاته بمدة ، وقد جرى هذا الاسم ، وكذلك أبو بكر وعثمان في ذرية أهل البيت ممن ساروا على مذهب الحق ، وهو منهج أهل السنة والجماعة إلى يومنا هذا ، ونجد أسماء الصحابة وأمهات المؤمنين في البيوت الهاشمية التي التزمت بالكتاب والسنة؛ فقد سموا طلحة، وعبد الرحمن، وعائشة ، وأم سلمة ، ونحن ندعو الشيعة اليوم ، للاقتداء بعلي والحسن والحسين وسائر الأئمة من ال البيت ، فيسمون بعض أبنائهم وبناتهم بأسماء الخلفاء الراشدين ، وأمهات المؤمنين. نرجو ذلك.

6- عمر بن الخطاب جعله الله سبباً في ذرية الحسين بن علي بن أبي طالب:
أعطى عمر بن الخطاب رضي الله عنه للحسين بن علي رضي الله عنهم من غنائم الفرس ابنة يزدجرد ملك الفرس ، فولدت له زين العابدين علي بن الحسين الذي لم يبق من أبناء الحسين غيره ، وكل ذرية الحسين تناسلوا منه وينسبون إليه، فليحذر الذين يسبُّون عمر بن الخطاب ممن ينتسبون الى الحسين ، فلولاه بعد الله لما كان لهم وجود، كما أن عمر رضي الله عنه أعطى أختها لمحمد بن أبي بكر فكان عديلاً للحسين ، وأنجبت له القاسم بن محمد بن أبي بكر ، فكان القاسم بن محمد بن أبي بكر ، وعلي بن الحسين زين العابدين ابن خالته.
7- قول عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب في عمر:
عن حفص بن قيس ، قال: سألت عبد الله بن الحسن عن المسح على الخُفَّين ، فقال: امسح ، فقد مسح عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال: فقلت: إنما أسألك أنت تمسح؟ قال: ذاك أعجَزُ لك ، أخبرك عن عمر وتسألني عن رأيي ، فعمر كان خيراً مني ومن ملء الأرض. فقلت: يا أبا محمد ، فإن ناساً يزعمون أن هذا منكم تقية ، قال: فقال لي ونحن بين القبر والمنبر: اللهم إن هذا قولي في السر والعلانية ، فلا تسمعن عَلَيَّ قول أحد بعدي. ثم قال: من هذا الذي يزعم أن علياً رضي الله عنه كان مقهوراً، وأن رسول الله ﷺ أمره بأمر ولم ينفذه؟! وكفى بإزراء على علي ومنقصة أن يزعم أن رسول الله ﷺ أمره بأمر ولم ينفذه.

يمكن النظر في كتاب أسمى المطالب في سيرة علي بن أبي طالب رضي الله عنه شخصيته وعصره
ع


اترك تعليق