التعبير للخلق عن الحق

بواسطة : الشيخ الدكتور جاسر عودة

رحلة إلى الله مع الحكم العطائية

التعبير للخلق عن الحق

الشيخ الدكتور جاسر عودة

كُلُّ كَلامٍ يَبْرُزُ وَعَلَيْهِ كِسْوَةُ القَلْبِ الَّذي مِنْهُ بَرَزَ. مَنْ أُذِنَ لهُ في التَّعْبيرِ فُهِمَتْ في مَسامِعِ الخَلْقِ عِبارَتُهُ، وَجُلِّيَتْ إلَيْهِمْ إشارَتُهُ.

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه المرحلة في السلوك إلى الله تعالى تتعلق بالكلام الذي يلقيه العبد على الناس ويحدثهم فيه عن الله. وكل عبد لله حقاً عليه مسؤولية أن يدعو الناس إلى خالقهم، ويذكّر الناس بمولاهم، وأن يصلح في هذا الكون. {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ}. {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي}.

والكلام كثير! {وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا}، كما يقول الحق تعالى. ولكن هناك نوع من الكلام يذهب مذهباً بعيداً، ويؤثر تأثيراً عميقاً وواسعاً في نفوس الخلق. وهذا الكلام -كما يعلّمنا الشيخ- ليس هو الكلام البليغ المنمّق الذي يخرج من عقل ذكي أو لسان ذرب، وإنما هو الكلام الذي يخرج من قلب سليم!

ويحضرني في هذا المقام كلام الأنبياء والمرسلين، وكلام الصالحين، الذين خرج كلامهم من قلوب نيّرة، و(عليه كسوة من القلب الذي منه برز)، كما يقول الشيخ، واستحقت عباراتهم أن يسجّلها المولى تعالى في كتابه الكريم. والأمثلة كثيرة.

انظر إلى كلام أبي الأنبياء إبراهيم صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم، حين يقول لقومه: {أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ. أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ. فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ. الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ. وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ. وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ. وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ. وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ. رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ. وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ. وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ. وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ. وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ. يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.

وكلام نوح صلى الله عليه وعلى محمد وسلم: { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ. فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ}.

وحوار موسى صلى الله عليه وسلم مع فرعون وملئه: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ. قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ. قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ. قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ. قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ. قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ. قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ. قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ}.

وكلام عيسى صلى الله عليه وسلم: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا. وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا}.

وكلام مؤمن آل فرعون: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ. يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ. مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ. تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ. لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ. فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}.

كل هذا الكلام خرج و(عليه كسوة من القلب الذي منه برز)، وهو قلب مؤمن منير.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعبر للخلق تعبيراً يخرج من قلب مفعم بالحب لله والحرص على الناس، ويبدو فيه حال هذا القلب. خذ مثلاً خطبته في غزوة تبوك: (أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العُرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص القرآن، وخير الأمور عوازمها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدي هدي الأنبياء، وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير العلم ما نفع، وخير الهدى ما اتُّبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشرّ الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتى الصلاة الا دبراً، ومنهم من لا يذكر الله الا هجراً، وأعظم الخطايا اللسان الكذوب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله، وخير ما وقر فى القلب اليقين، والارتياب من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والخمر جماع الإثم، وإنما يصير أحدكم الى موضع أربعة أذرع، والأمر الى آخره، وملاك العمل خواتمه، ومن يغفر يُغفر له، ومن يعفُ يعفُ الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يسمّع يسمّع الله به، ومن يتصبر يغفر الله له، ومن يعص الله يعذبه).

وهذا كلام يخرج من قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم فيدخل في مسامع الناس فيفهم ويؤثر في قلوبهم، وهذا شرط أساسي لمن أراد أن يعبّر للخلق عن الحق؛ أن يخرج الكلام من حال قلبي خاص حتى يؤثر في الناس.

ولذلك إذا أردت أن تنصح أحداً أو توجهه فأصلح قلبك، وكلما صلح قلبك كلما كان التوجيه أفضل وأعمق، أي (فُهِمت في مسامع الخلق عبارتك، وجليت إليهم إشارتك)، كما يقول الشيخ هنا.

وانظر إلى كلام الصحابة الذين رباهم النبي صلى الله عليه وسلم، تجد أمثلة رائعة لكلمات معدودات يقولها الصحابي من قلبه، لا تغير الناس فقط بل تغير التاريخ! كقول أبي بكر رضي الله عنه: (وُلّيت عليكم ولست بخيركم. فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني)، أو قول عمر رضي الله عنه: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟)، أو قول عثمان رضي الله عنه: (أيها الناس، إنكم تحتاجون إلى إمام فعّال ولا تحتاجون إلى إمام قوّال)، أو كقول على رضي الله عنه: (مات خزّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة)، وغيرهم وغيرهم، مما يدل على أن الحال القلبي يجعل الكلام القليل مسموعاً عبر القرون ومفهوماً عبر الثقافات.

 


اترك تعليق