آيا صوفيا.. أين الخطأ الشرعيّ؟!

بواسطة : د. عطية عدلان

آيا صوفيا.. أين الخطأ الشرعيّ؟!

بقلم: د. عطية عدلان (عضو الاتحاد)

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

آيا صوفيا يؤول مسجداً؛ فأين الخطأ الشرعيّ؟! سؤال ليس للاستفهام والاستعلام وإنّما للتعجب والاستنكار؛ إذْ لم تمضِ ساعات على صدور القرار بفتح آيا صوفيا للصلاة حتى رأينا الأبواق (الْمُعَمَّمَةِ منها والْمُهَنْدَمَةِ) تتبارى في إصدار الفتاوى بعدم شرعية هذا القرار، بل وعدم شرعية اتخاذ الكنيسة مسجداً من الأساس! وكأنّ تاريخ هذه الأمّة وثقافتها الشرعية البسيطة كنزٌ مطلسمٌ قد احتكر هؤلاء المفتون المفتونون مفاتيحه السحرية!

   وعلى سبيل الإجمال نستعرض أقوال المذاهب في هذه القضية، ففي البداية: العلماء عموماً يفرقون في مثل هذه الأحكام بين ما فتح صُلحا وما فتح عَنْوَةً أي بالقوة والقتال، فما فُتح صُلحا فَمَرَدُّهُ لعقد الصلح بشروطه، و”ما فَتَحَهُ المسلمون عَنْوة فقد مَلَّكَهم اللهُ إياه … وليس لمعابد الكفار خاصَّةٌ تقتضي خروجها عن ملك المسلمين (1)"؛ بما يعني أنّ القول بعدم ترك الكنائس لأهلها في هذه الحالة مبنيّ على التمسك بالأصل، وعدم جواز الخروج عن هذا الأصل إلى حيث التمكين للشرك، أمّا القول بجواز تركها لأهلها وإقرارهم عليها فهو خلاف الأصل؛ اعتماداً على أدلة أخرى ومراعاة لمصالح شرعية معتبرة.

   وقد اختلف العلماء في مصير الكنائس القديمة وأمثالها مِن مَعابد مَن تؤخذ منهم الجزية في بلاد العَنْوَة؛ حتى إنّ كل مذهب من هذه المذاهب اشتمل على القولين؛ بما يعني أنّ المسألة فيها اضطراب كبير؛ ربما لقيامها على الاجتهاد وتَلَمُّس سِيَرِ الفاتحين، مع شِحَّةِ النصوص المتعلقة بها.

   وقد اشْتُهِر في بعض كتب الحنفية القولُ بأنّ الإمام يأمرهم أن يجعلوا كنائسهم مساكن ويمنعهم من الصلاة فيها، ولكن لا تهدم (2)، لكن عند التحقيق نجدهم يفرقون بين ما كان منها في السَّواد (الريف الزراعي) وما كان في الأمصار (المدن)؛ فما كان منها في السواد لا يهدم كما سبق، وما كان منها في الأمصار ففيه روايتان عن محمد: إحداهما أنّها تهدم والأخرى أنّها لا تهدم (3)، ويبدو من خلال النظر في هذه الأقوال واستعراض أقوال أخرى في المذهب أنّ هذه الكنائس التي في أرض العنوة حق للمسلمين في الأصل، لكن مع ذلك يبقى أنّ النظر فيها للإمام “فيما يرجع إلى النظر للمسلمين لا في إبطال حقهم (4)"، وذلك حسبما يترجح من المصالح، وغالبا ما تترجح مصلحة تأليف الكفار ودعوتهم للإسلام.

   أمّا المالكية فعندهم روايتان إحداهما رواية عبد الملك أنّه لا تترك لأهل الذمة كنائسهم، والأخرى رواية القاسم أنّه تترك لهم كنائسهم (5)، ويبدو لي أنّ الراجح في المذهب أنّها لا تترك لهم (6)، وأمّا الشافعية فعندهم وجهان في المذهب، الأول أنّه لا يجوز إقرار أهل الذمة على كنائسهم في فتح العنوة، والثاني أنّ هذا يجوز، والأصح عندهم الأول (7)، وعند الحنابلة وجهان، أحدهما: يجب هدمها، والآخر: يجوز. (8)

   واتجه بعض المحققين إلى الجمع بين هذه الأقوال بِرَدّ الأمر إلى الإمام للنظر في صالح المسلمين: فيقال: “إن الإمام يفعل في ذلك ما هو الأصلح للمسلمين، فإن كان أخذها منهم أو إزالتها هو المصلحة – لكثرة الكنائس أو حاجة المسلمين إلى بعضها وقلة أهل الذمة – فله أخذها أو إزالتها بحسب المصلحة، وإن كان تركها أصلح – لكثرتهم وحاجتهم إليها وغنى المسلمين عنها – تركها، وهذا الترك تمكين لهم من الانتفاع بها لا تمليك لهم رقابها، فإنها قد صارت ملكا للمسلمين). (9)

والسبب في الخلاف أنّ المسألة يتنازعها أصلان، الأول: أنّ الكنائس وسائر دور العبادات عقارات تدخل ضمن حقّ المسلمين في بلاد العنوة، ولم يرد دليل يستثنيها؛ بما يترتب عليه أن يكون لهم الحق في منع أهل الذمة منها وفي التصرف فيها على أي وجه من وجوه التصرف بما في ذلك تحويلها إلى مساجد، وأن يكون من الواجب عليهم ألا يستعمل شيء من حقوقهم في عبادة باطلة شرعاً، الأصل الثاني: أنّ عقد الذمة يتضمن تقرير أهل الذمة على عباداتهم وعقائدهم وشعائرهم؛ بما يلزم منه تقريرهم على دور عبادتهم أيضاً، ومن ثمّ فإنّ تردد المسألة بين هذين الأصلين هو السبب في ذلك الخلاف الواسع.

   فلا مناص إذاً من محاولة مراعاة الأصلين والجمع بين الأقوال المختلفة، مع عدم إهمال الأصول المقررة، وأحسب أنّ ما ذهب إليه المحققون ومنهم ابن تيمية وابن القيم وغيرهما، من أنّ الأمر يُرَدّ إلى الإمام لينظر فيما هو أصلح للمسلمين؛ فإن غلبت مصلحة تأليف أهل الذمة ودعوتهم إلى الإسلام أقرهم الإمام على معابدهم مع عدم ملكيتهم لرقابها لكونها حق المسلمين، وإلا أبقاها على الأصل حقا للمسلمين ينتفعون بها على الوجه الذي يرون، وغالبا ما يترجح الأول؛ لكون الجهاد والفتح وسيلة لغاية هي الهداية.

   ومن هنا نقول: إنّ ما قام به السلطان محمد الفاتح من تحويل كنيسة آياصوفيا إلى مسجد عمل شرعيّ حتى ولو لم يثبت أنّه اشتراها منهم بماله الخاص ثم تبرع بها كمسجد للصلاة، أمّا وإنّه قد ثبت بوثيقة تاريخية أنّه اشتراها وتبرع بها فإنّه لا يبقى هناك أدنى شائبة في المشروعية، ويكون ذلك منه على سبيل الورع وحسن المعاملة، ويتمثل الورع هنا في عمله بقاعدة “الخروج من الخلاف مستحب” وباحتياطه لنفسه ودينه وذمته، وتقديمه مصلحة الدعوة وتأليف الناس وتأسيه برسول الله وصحابته.

   وعليه فإنّ تغيير البناء بعد إيقافه مسجداً على المسلمين واستمراره على ذلك أزماناً يُعَدُّ قراراً باطلاً من وجهة نظر الشريعة، ويُعَدُّ إبطاله ونَسْخُه واجبا شرعياً، وهذا ما قام به الرئيس الطيب أردوغان.

   أمّا ما أثير من شبهات فهو هراء لا قيمة له؛ فمن قال: يترتب على ذلك صحة ما قام به النصارى في الأندلس وغيرها من تحويل المساجد إلى كنائس، قلنا له: إنّ هذا الكلام مبنيّ على التسوية بين المساجد والكنائس، ولا سواء؛ فالكنائس دور عبادة لدين منسوخ بنص الكتاب العزيز، أمّا المساجد فهي دور العبادة للدين الخاتم الذي نَسَخَ كل ما سبقه، والذي لم يَرْتَضِ اللهُ للناس بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ديناً غيره: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) (آل عمران 19)، (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران 85).

    ثم يقال لهم: ومع ذلك فإنّ الثابت المستقر في التاريخ الإسلاميّ هو ترك الكنائس للنصارى وتقريرهم عليها، والمسألة في أصلها كُلٌّ له أجزاء، ولا يصح الاجتزاء عند الموازنة، فأمّا المسلمون فبرغم أنّهم أصحاب الدين الحقّ لم يقيموا محاكم التفتيش التي أقامها للناس أصحاب الدين المبدل المنسوخ، ولم يقهروا الناس على العقيدة، وعاملوهم بالحسنى، وارجعوا إلى كتابات “غوستاف لوبون” و”زغريد هونكة” و”أرنولد توينبي” وغيرهم من المستشرقين الذين شهدوا بذلك، ولم يشرع الجهاد الإسلامي لقهر الناس على العقيدة إنّما كان لإماطة فتنة التضييق على الحريات وإسقاط الحواجز المادية التي تحول دون حرية العقيدة، فإذا سقطت انتهى دور الجهاد وقيل للناس عندها: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة 256)؛ فهل هذا يستوي مع تاريخ الصليبيين الملطخ بالعدوان والبغي والنهب والاغتصاب؟!  

   أليس من العجيب إذاً أن تثار كل هذه الضجة؟! وأن يستدعى لها أبواق من إعلام العار ومشايخ الفتنة؟! إنّها ليست سوى مكايدات سياسية وراءها من يعرفهم المسلمون بسيماهم، فلا يلتفتن أحد إلى ترهاتهم ولا إلى مزاعهم، إن هم إلا أبواق وحسب، ومسيرة الحق ماضية ولن يضيرها نباح ولا نواح، والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.


([1]) أحكام أهل الذمة (3/ 1188)

([2]) البناية شرح الهداية (7/ 256)

([3])الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (4/ 206)

([4])شرح السير الكبير (ص: 1539)

([5]) مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (3/ 384)

([6]) الذخيرة للقرافي (3/ 458)

([7]) المهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازي (3/ 315) – روضة الطالبين للنووي (10/ 323) مغني المحتاج للشربيني (6/ 77)

([8]) المغني لابن قدامة (9/ 355)

([9])أحكام أهل الذمة (3/ 1200)


اترك تعليق