بيان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين حول (جائحة كورونا التداعيات والدروس المستفادة)

بواسطة :

بسم الله الرحمن الرحيم

بيان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين حول (جائحة كورونا التداعيات والدروس المستفادة)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وبعد:

فإنّ الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، قد تابع كغيره من المؤسسات العلمية والفكرية بانشغال كبير ما تعرّضت له البشريّة من تحدّيات وصعوبات جمّة شملت العالم كلّه بسبب انتشار جائحة كورونا؛ وما خلّفته من آلاف الموتى وملايين المصابين في العديد من المجتمعات؛ وهو يُبدي تعاطفه مع كلّ الذين نالهم ضرر ما بسبب هذه الجائحة.

كما يدعو الاتحاد إلى الوقوف معهم ورفع معاناتهم؛ ولا شك في أنّ التداعيات الخطيرة لهذه الجائحة التي لم تنته بعد، تضعنا أمام قضيّة كبرى تتعلّق بمطلب حفظ الحياة البشريّة، في إطار مُقاربة شموليّة تقوم على حماية التوازن البيئي، وتُكرّس قيم الأخوة والعدل والتعاون والتكافل بين بني البشر.

وإنّ الاتحاد إذ يتوقف عند هذه القضايا التي تهمّ مصير الإنسانيّة جمعاء، فهو إنّما يفعل ذلك شعورًا منه بالمسؤولية، وقيامًا بواجب أداء الأمانة وبلاغ الرسالة لما فيه خير الناس جميعًا؛ وانطلاقًا من ذلك يأتي هذا البيان الذي يقدّمه الاتحاد للإنسانيّة عمومًا وللأمّة الإسلاميّة خصوصًا؛ ويمهد لبيانه بالآتي:

أوّلًا: فهم الإسلام وممارسته:

 أظهرت جائحة كورونا وتداعياتها أنّ المسلمين-شعورًا منهم بالمسؤوليّة- لم يتأخروا عن مواجهة التحديات الإنسانيّة الكبرى ومن هذا التحدي المتمثل في هذه الجائحة، انطلاقاً من عقائد الإسلام ومقاصده وأخلاقه وقيمه، ومما يؤكد ذلك التفاعل مع هذا الحدث الكوني تصدي فقهاء المسلمين إلى بحث المستجدات الفقهية التي تمس الحياة الدينية للمسلمين جراء هذا الوباء باجتهادٍ معاصر في إطار مقاصد

الإسلام وأحكامه في كل ما يتعلق بالصحة والتي من شأنها حماية وقاية الإنسان وسلامة البيئة، وقد أسهمت مؤسسات الإفتاء داخل ديار الإسلام وخارجها بتقديم جهود علمية إفتائية متميزة فيما يتعلق بالآثار المترتبة على جائحة كورونا مما عزز الوقاية الاحترازية التي دعت إليها المنظومة الدولية.

ثانيًا: الواقع الاقتصادي العالمي:

لقد كان من تداعيات جائحة كورونا ظهور إشكاليات أساسية في النظم الاقتصادية المعاصرة، سواء التي تميل إلى اليمين أو اليسار وما بينهما من طيف، كما أظهرت تأخير قيم الإنسانية في الاعتبار مقابل القيم الاقتصادية، وظهر ذلك في حالة المواطن العادي الاقتصادية في البلاد كلها، التي وصلت بملايين من البشر إلى الفاقة والجوع، بخاصة في النُّظم التي تفتقد الضمانات الاجتماعية للمواطنين أو المقيمين وبعضها من أغنى دول العالم، كما ظهر ذلك في توحّش بعض شركات صناعة الدواء والأمصال في استغلال الظروف لتعظيم مكاسبها دون اعتبار للإنسان، وتعاظم نفوذها أمام نفوذ الدول والمجتمعات، بل وخدمة بعض المؤسسات (الخيرية) لخطط تلك الشركات الاحتكارية.

مع ذلك فإنّ بعض الشركات وأصحاب الأعمال - من المسلمين وغير المسلمين - أظهروا قيمًا إنسانيّة رفيعة، مثل الوفاء بالتزامات التعاقد مع العاملين رغم تناقص الأرباح، ومثل تحويل بعض الشركات لنشاطها الصناعي ليسهم في سدّ العجز في الأدوات والاستعدادات المطلوبة لمواجهة الوباء، ومثل الارتفاع الكبير في حجم التبرعات الخيريّة في دول العالم كلّها، وإن لم يكن ذلك كافيًا للتعامل مع تداعيات الأزمة كلّها بخاصة في الدول التي لا تراعي العدالة الاجتماعية كهدف من أهداف نظامها الاقتصادي العام.

ثالثًا: الواقع السياسي العالمي:

أظهرت الجائحة وجود إشكاليات أساسية في النُّظم السياسية المعاصرة، سواء التي تلتزم بالديمقراطية أو التي تمارس الدكتاتورية، بخاصة في عدم التعامل المبكر أو الشفاف مع الأزمة وذلك في دول كثيرة، حرصًا على مصالح سياسيّة ضيّقة أو من أجل أهداف أنانيّة تخصّ أصحاب الأعمال والصناعات وشركات

 

 

السياحة وغيرها، وفي عدم التعامل الإنساني من بعض الدول مع مواطنيها المصابين أو العائدين إليها بعد أن فقدوا أعمالهم الخارجيّة، أو المقيمين من غير المواطنين بخاصة من اللاجئين والعمال الوافدين، وفي استغلال الأزمة لتوسيع السلطات التنفيذيّة في النظم السياسية كلّها تقريبًا على اختلاف ألوانها، وعلى رأس هؤلاء كان استغلال الاحتلال الإسرائيلي لتلك الأزمة بعدد من الأساليب لتوسيع دوائر الاحتلال وتغيير الواقع على الأرض بخاصة في القدس الشريف والضفة الغربية؛ إلّا أنّ بعض الحكومات الوطنيّة والإدارات المحليّة - من المسلمين وغير المسلمين -  أظهروا تجرّدًا في الحرص على حياة الناس، وذلك بتوظيف موارد الدول وحصيلة الضرائب على الأغنياء من أجل تقديم ضمانات اجتماعية لمن خسروا أعمالهم ووظائفهم، وتقديم برامج بخاصة للطعام والإغاثة، رغم اعتراضات بعض أصحاب الأعمال وجماعات الضغط، وكذلك دعم بعض الحكومات للبحث العلمي في الجامعات من أجل الوصول إلى اكتشاف الأمصال والأدوية المنشودة وتصنيعها، متجاوزين احتكارات شركات الأدوية وما تملكه من نفوذ في دوائر صنع القرار.

رابعًا: الواقع الاجتماعي العالمي:

أبانت هذه الجائحة عن تراكم إشكاليّات أساسية في النظم الاجتماعية المعاصرة أيضًا، سواء التي تميل إلى التقليد أو التحرر، بخاصة في التعامل مع قيم الأسرة، إذ فشل كثير من المجتمعات الإنسانية في الحدّ من العنف ضد المرأة في البيوت في ظل الأزمة، بل ارتفع عدد الضحايا من النساء من جرّاء هذا العنف في بعض الدول كما أظهرت الإحصاءات، وكشفت الأزمة كذلك تقصيرًا إنسانيًّا عامًّا في مجال حقوق الكبار في السّن ورعايتهم، خصوصًا في بيوت العجزة التي كثرت فيها حالات الوفاة، وكشفت الأزمة ضعف مستوى الرعاية فيها في بلاد كثيرة، وقد تعالت- كذلك- في ظل الأزمة نزعات العنصريّة في بعض المجتمعات، وأوذيت بسببها أقليّات مختلفة بسبب اتهامات باطلة بأنها جلبت العدوى للمجتمع، وقد رصدنا- كذلك- استغلال بعض الحكومات للأزمة من أجل دفع خطط لتحولات اجتماعيّة غير أخلاقيّة؛

 

 

إلّا أنّ بعض شرائح المجتمعات المعاصرة أظهرت الوفاء لأعلى مستويات القيم الاجتماعية بعدّها قيمًا إنسانيّة فطريّة، مثل: قيم الأسرة، والبر بالوالدين، والإحسان لكبار السن، ومساعدة المعاقين والملهوفين، والصدقات الخيريّة، وكان على رأس تلك القيم الحياة، التي تجلّت في ما قدمته الطواقم الطبية والعاملون في مجالات الخدمات الأساسية في كل البلاد من أجل حفظ النفوس والوفاء بالحاجات الإنسانية الحيوية، ولولا رحمة الله ثمّ الجهود الكبيرة لهؤلاء لكان تأثير الجائحة كارثيًّا على واقع البشريّة ومستقبلها.

خامسًا: الواقع الصحي العالمي:

لقد كشفت هذه الجائحة عن تعاظم إشكاليات أساسية في النظم الصحية والسلوكيات البيئية المعاصرة أيضًا، فقد كشفت الأزمة عدم استعداد أغلب النُّظم الصحيّة للتصدي للطوارئ الوبائيّة، وكشفت كذلك إشكالية ربط الرعاية الصحية بمستوى الدخل، في بعض البلدان، ومن ثمّ حرمان الفقير من هذا الحق، إلّا أنّ الأزمة أظهرت- كذلك- وعيًا متزايدًا عند كثير من الشعوب بأهمية الضمان الصحي بوصفه حقًّا من حقوق الإنسان.

سادسًا: الواقع البيئي:

كما ظهرت النتائج السلبية للاعتداء على البيئة الطبيعية بكل مكوناتها من حيوان ونبات وهواء وماء ومصادر طبيعية، وما أنتجته في واقعنا من فساد في الأرض واختلال في التوازنات الطبيعية في شتى الصور، إلّا أنّ الأزمة أظهرت كذلك وعيًا متزايدًا عند كثير من الشعوب بأهمية تصحيح المسار الإنساني في التعامل مع البيئة الطبيعيّة والحفاظ على توازنها.

بناءً على ما سبق كلّه فإنّ الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يتوجه بخطابه إلى الجهات الآتية:

أوّلًا: صناع القرار:

أ) الحكومات والهيئات التنفيذيّة:

يدعو الاتحاد الحكومات والهيئات التنفيذيّة إلى التعامل الشفاف مع الأزمة، وإلى الوقوف مع قيمة الحياة

الإنسانية مهما كانت الكلفة الاقتصادية والسياسية، ومع قيمة النزاهة في عدم استغلال الأزمة للإخلال بالتوازن بين السلطات، أو إثارة العنصريات في المجتمع من أجل تحقيق مكاسب سياسية، أو الدفع بمعاهدات واتفاقات ظالمة تتناقض مع الشرائع السماوية والمواثيق الدوليّة والقانون الدولي، كما نحذّر من استغلال الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه لتلك الأزمة للاعتداء على القدس الشريف وحقوق الشعب الفلسطيني.

كما يدعو الاتحاد الحكومات العربية والإسلامية إلى منح الحريات المسؤولة، وزيادة سقف الممارسات الديمقراطية، والمصالحة الشاملة مع شعوبها لتحقيق التضامن والتكامل.

كما يدعو الاتحاد كذلك إلى الحدّ من التفاوت الكبير في الانتفاع بخيرات الأرض بين الدول الغنية والدول الفقيرة والنامية، مما يفرز موجات للهجرة واللجوء، ويتسبب في نشر النزاعات والحروب في العالم؛ وهدر الميزانيات الضخمة من أجل حيازة الأسلحة بدلًا من صرفها فيما ينفع البشر ويحفظ حياتهم في مثل ظروف هذه الأزمة الصحية العالمية.

كما يدعو الاتحاد إلى مناهضة ممارسات كل الجهات المتطرفة في نشر خطاب الكراهية والعنصرية، في التعامل مع ظاهرة الإسلاموفوبيا.

وأخيرًا يدعو الاتحاد الحكومات إلى عدم الانكفاء على مشكلاتها والاستجابة لنزعات القومية والعنصرية، بل أن يدرك الجميع أنّ مدّ يد التعاون بين البشر هو صمّام الأمان لاستقرار المجتمعات وانتشار السلام في العالم.

كما يدعو الاتحاد الحكومات العربية والإسلامية إلى إعادة فتح باب العمل لمؤسسات العمل الإنساني والإغاثي التي أوقفت عن النشاط تحت ضغوط خارجية، مع التذكير بما شهده الواقع الغربي من نشاط كبير وعطاء مبارك للمؤسسات الإسلامية الإنسانية والخيرية لدعم جهود

مواجهة كورونا في العالم أجمع.

كما يدعو الاتحاد كذلك إلى تفعيل دور الزكاة والوقف ومؤسسات القرض الحسن، والمشاريع الصغيرة، والمتوسطة ونحوها لتحقيق التكافل، والتضامن والتنمية الشاملة، وفق أسس علمية ومنهجية دقيقة، وخطة وبرامج ومشاريع للتخفيف من آثار هذه الجائحة الاقتصادية.

وختامًا فإن الاتحاد يدعو لحكومات المعنية في ظل هذه الجائحة إلى الإفراج عن معتقلي الرأي والمفكرين، لإيجاد لحمة وطنية في مواجهة تداعيات كورونا بخاصة الاقتصادية منها والظواهر الاجتماعية المصاحبة.

ب) أصحاب الأعمال والشركات:

يدعو الاتحاد أصحاب الأعمال والشركات إلى مراعاة الوضع المالي الهشّ الذي يعيشه أغلب العمال والموظفين في عالمنا على اختلاف مهنهم، وإلى عدم التخلّي عن العمالة للحفاظ على مستوى المكاسب نفسه، بل أن يعدّوهم شـركاء في الأعمال، وأن يتخذوا من الإجراءات ما تتوزع فيه المكاسب بشكل عادل بين الشركاء كلّهم، وأن لا يسيء أصحاب الصناعات الحساسة مثل: الدواء والأجهزة الطبية وغيرها استغلال الظروف، فيرفعوا الأسعار أو يحتكروا السلع أو يحرموا الفقراء من حقوقهم الأساسية باسم حقوق الملكية الفكرية، وأن لا يعتدي أصحاب الأعمال ذات العلاقة بأشكال الحياة من حيوان وطير ونبات على خلق الله بالقتل أو الإتلاف من أجل الحفاظ على توازنات الأسعار أو طاقة التصنيع.

ج) الهيئات الدوليّة:

يدعو الاتحاد الهيئات الدوليّة المعنيّة إلى تحمل مسؤولياتها في الشفافية والمحاسبة للحكومات والشركات، وأن تقف مع مصالح الشعوب حيثما كانت، وإلّا تكون قد أخلّت بمسؤولياتها، وأن تتحرّى العدل والإنصاف في التعامل مع مختلف القضايا بعيدًا عن سياسة التمييز بين الدول والشعوب، وأن تقف ضدّ سيادة الظلم، والكيل بمكيالين، واستخدام حقّ الفيتو ضد القضايا العادلة لمصلحة المحتلين الغاصبين والظالمين المستكبرين، وأن تدرس الاختلالات الحاصلة في البيئة، والحاجة العاجلة إلى اتخاذ سياسات مغايرة تعيد التنوع والتوازن البيئي من أجل حياة أفضل للإنسان ولجميع مكوّنات الحياة، بخاصة بعد ما أثبتته الدراسات العلمية من آثار تلوث البيئة على صحة الإنسان وإصابته بأمراض عديدة.

ثانيًا: أصحاب العلم والفكر:

أ) علماء الإسلام:

يدعو الاتحاد علماء الإسلام إلى الوفاء بمقتضيات رسالة دينهم، وأن يؤدوا واجبهم في البلاغ تعريفاً بسماحة الإسلام ومنهجه الوسطي، وممارسة الاجتهاد فيما يصح فيه الاجتهاد من أجل مواجهة الظروف الطارئة ودرء المفاسد وتحقيق المصالح، خصوصًا فيما يتعلّق بضرورات الإنسان الأساسيّة من حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والنسل والمال، وأن يبرزوا المبادئ الإسلامية في تعظيم مقام الألوهية وشفقة الله تعالى على عباده، وأن يوعّوا الشعوب بالوسائل المختلفة، وأن يكونوا شامـة في عيون الناس، ربّانيين، هداة مهديين.

ب) الباحثون المفكّرون:

يبارك الاتحاد المبادرات التي طرحها عدد من المفكرين في العالم التي تدعو إلى وعي جديد من أجل بيئة أفضل ونظام اقتصادي أعدل ونظام اجتماعي متوازن وقيم إنسانية موجهة وسياسات تقوم على الحكم الرشيد، كما يدعو الاتحاد الباحثين المفكرين إلى مزيد من التفكير من أجل إعادة صياغة النظم الفكرية المعاصرة، التي تقوم عليها النُّظم الواقعيّة سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وصحيًّا وبيئيًّا وتعليميًّا وفنيًّا، وذلك من أجل تحقيق الأهداف والقيم العليا من الوجود الإنساني التي نؤمن بأنّها أهداف وقيم مركوزة في عمق فطرة الإنسان. من ذلك مراجعة فلسفة النظام الاقتصادي السائد القائم على التسابق في تحقيق الربح

دون الأخذ بعين الاعتبار التأثيرات الناشئة عن الإنتاج الكمّي للمواد والسّلع، ومراجعة التشجيع المستمر للاستهلاك على حساب النظر الكلّي لبقية العوامل المؤثرة في حياة الناس والتعامل الرشيد مع خيرات الكون.

 

 

ج) الهيئات البحثيّة والتعليميّة:

يدعو الاتحاد الهيئات البحثيّة والتعليميّة إلى تجاوز نفوذ الاحتكارات الاقتصاديّة والسياسيّة على البحث والتعليم، والتركيز على البحث والتعليم الذي يستهدف صالح الإنسان وإعمار الأرض وتحرير الإنسانيّة من استعباد المصالح الاقتصادية في أشكالها كافّة، بخاصة تحرير المجال الطبي والدوائي من الاحتكارات التي لا تبالي بحياة الإنسان، وأن تركز الدراسات الإسلاميّة- خصوصًا- على الأبحاث والمناهج التي تعزّز دور المسلمين البنّاء في العالم المعاصر، ولا تحبسهم في الخلافات والانقسامات التاريخيّة التي ما زالوا يعانون منها، بل أن تتكامل فيها المعرفة حتى تطرح حلولًا للمشكلات المعاصرة من منطلق إسلامي، وعمل مراجعة للمناهج الدراسية على المستويات كلّها لتكريس المنطلقات الأخلاقية والأسس التربويّة السليمة.

ثالثًا: الشعوب:

والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين باعتباره هيئة شعبيّة يتوجّه بالرسائل الآتية للشعوب الإنسانية وأمة الإسلام والمؤسسات الشعبية:

أ) بنو الإنسان في كلّ مكان: إنّ الحياة الإنسانية نعمة من نِعم الله، فقد خلق الله تعالى الإنسان، وكرَّمه في الصورة الظاهرة والصورة الباطنة، وهيّأ له وسائلَ الصِّحة والعافية والسَّلامة من الآفاتِ والأمراض، وأعانه بما رزقه من الطيبات على العيش في هذه الحياة، وحضّه على العناية بالغذاء الصحي من خلال مفهوم الإسلام في الحلال الطيب، وإباحة الطيبات وتحريم الخبائث؛ وأنّ الابتلاءات هي من سنن الخالق في خلقه، وهي دروس يستفيد منها الإنسان فيصلح من أخطائه، وهي في الوقت ذاته امتحان للمؤمنين الصادقين ليزدادوا إيمانًا.

كما ندعو نحن في الاتحاد أنفسنا والمسلمين في ظل هذه الأزمة وأخطارها- إلى أن نفكّر بشكل أعمق في الحياة وحقائقها، وأن نعود إلى الخالق العظيم سبحانه، طالبين منه العون، وباحثين في القيم الإسلامية والإنسانية عن حلول لمشكلات عصرنا، وأن نعيد النظر في القيم المؤسسة لنظرة الانسان للكون والحياة والعلاقة مع النفس ومع الآخرين من بني البشر.

ب) أمّة الإسلام: لن تفلح هذه الأمّة إلّا بنبذ الفرقة والعودة إلى النبع الصافي من الكتاب والسنّة، والعمل على التخلّص من الاستبداد وتبعاته الثقيلة على المسلمين والإنسان بشكل عام، والعمل على تحقيق مقاصد الله تعالى من الأمّة أن تكون شاهدة على الناس آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر قوّامة بالقسط؛ مع الأخذ بأسباب النهوض والعلم والمساهمة في الحضارة الإنسانية المعاصرة، لقد آن لأمّة الإسلام أن تفهم الإسلام فهمًا شاملًا وتستهدف مقاصده وتراعي سنن الله في خلقه وفي التغيير والنهوض. ونؤكّد في هذا الصدد دور الأقليات المسلمة في الغرب، وما قامت به من نشاط إنساني وخيري مساند لأنشطة الحكومات الغربية.

ج) المؤسسات والحركات المدنية والشعبية: ليستمر العمل على تمكين المجتمع المدني والتعاون مع أصحاب النفوذ من أجل إعادة صياغة النُّظم السياسيّة والاقتصاديّة والتعليميّة في كلّ مكان، حتى تكون أقرب للمقاصد والقيم الإسلاميّة والإنسانيّة.

والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يؤكّد ضرورة التعاون بين بني البشر جميعًا فيما يفيد الإنسانيّة، إذ نحن بني آدم في سفينة واحدة، إن خرقها بعضنا ولم نأخذ على أيدي من يسيء التصرف عاد الضرر على البشريّة جميعًا، من غير تمييز بينهم بسبب دين أو لون أو جنس أو عرق. من هنا نمدّ أكفّ السلام بروح ملؤها الرغبة في التعاون في الخير إلى إخواننا في الإنسانيّة من أبناء الأمم والألسنة والأعراق كافـّة، وذلك من أجل تحقيق الأهداف المشتركة والتعاون على الخير بما يعود بالنفع للبشرية جمعاء. قال الله تعالى في كتابه العزيز: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]

 

 

اترك تعليق