(إنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم)

بواسطة : الشيخ الدكتور تيسير التميمي

(إنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم)

بقلم: الشيخ الدكتور تيسير التميمي (عضو الاتحاد)

     إن كل جزئية وحقيقة في ديننا الحنيف لو تأملناها جيداً تؤكد لنا في كل مرة عظمة هذا الدين، وما ذاك إلا لأنه رباني المصدر ، ومن أبرز الدلائل على ذلك أنه ما من سبيل يزيد لُحْمَة المؤمنين ويعزز ترابطهم وتآلفهم إلا جاء به وجوباً أو ندباً ، وما من طريق تؤدي بهم إلى التفرق والاختلاف والضغينة والشحناء والقطيعة والبغضاء إلا حرمها وسد سبلها وأوصد بابها ، من ذلك مثلاً أن الله سبحانه وتعالى شرع إصلاح ذات البين وأمر به وأوجبه ، ورتب للساعين فيه أعظم الأجور على هذه المهمة العظيمة ،

     وحتى ندرك مدى أهمية الإصلاح بين الناس فلنا أن نتأمل رسالة سيدنا هود عليه السلام إلى قومه {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} هود 88 . إن رسالته إصلاح للقلوب والأجساد والحياة ، وهكذا كانت رسالات أنبياء الله ورسله جميعاً عليهم السلام.

     ولْنتأمل كذلك هذا الحديث النبوي ، قال الصحابي أنس بن مالك رضي الله عنه { بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه فقال له عمر : ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي ؟ قال : رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة فقال أحدهما : يا رب خذ لي مظلمتي من أخي . فقال الله : كيف تصنع بأخيك ولم يبق من حسناته شيء؟ قال يا رب فليحمل من أوزاري . وفاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء ثم قال : إن ذلك ليوم عظيم يحتاج الناس أن يُحْمَلَ من أوزارهم . فقال الله للطالب: ارفع بصرك فانظر . فرفع فقال يا رب أرى مدائن من ذهب وقصوراً من ذهب مكللة باللؤلؤ لأي نبي هذا أو لأي صِدِّيق هذا أو لأي شهيد هذا؟ قال لمن أعطى الثمن. قال يا رب ومن يملك ذلك؟ قال أنت تملكه. قال بماذا؟ قال بعفوك عن أخيك. قال يا رب إني قد عفوت عنه . قال الله : فخذ بيد أخيك وأدخله الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن الله يصلح بين المسلمين يوم القيامة} رواه الحاكم في المستدرك

     وهذه المهمة الجليلة من العبادات وفرائض الكفاية المضيَّعة غالباً ، قال تعالى { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } الأنفال 1 ، وهي كذلك من السنن النبوية المهجورة ، فقد روى البخاري رحمه الله {أن أهل قُباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة ، فَأُخْبِرَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بذلك فقال : اذهبوا بنا نصلح بينهم } رواه البخاري ، وورد عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله للقضاة [ ردوا الخصوم حتى يصطلحوا ، فإن فصل القضاء يحدث بين القوم الضغائن].

     وأولى الناس أن يتصدى لهذه المهمة العلماء والدعاة ، فالمكانة الرفيعة التي يتمتعون بها تقتضيهم ممارسة دورهم الفاعل في حماية الأمة من التنازع والاختلاف وإصلاح ذات البين ، فالمأمول منهم ولهم أن يكونوا أنجح  الساعين في هذا السبيل ، كما أن الأخوة الحقيقية التي تربط بين أبناء المجتمع الواحد تقتضي الجميع العمل على إصلاح ذات البين ، فكان حقاً على المؤمنين الصادقين إذن العمل الجادّ المتواصل للصلح بين المتنازعين وجمعِ كلمتهم ، وحسمِ مادة القطيعة ونزعها من قلوبهم وصدورهم  وضمائرهم استجابة لأمر الله تعالى القائل { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } الحجرات 10 ، وقال صلى الله عليه وسلم { ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟ قالوا بلى ، قال صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقةُ ، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين } رواه الترمذي . ومعنى الحالقة: المهلكة ، أي هي الخصلة التي من شأنها أن تحلق الدين وتستأصله كما يستأصل الموسى الشعر .

     ولهذا فقد رصد الله عز وجل عظيم الأجر لمن يتصدى لهذه المهمة ، وأباح لهم بعض ما حرَّم على غيرهم ، فأجاز لهم الكذب بهدف الإصلاح بين المتخاصمين (بما لا يضيع الحقوق أو يخالف الشرع) فقال صلى الله عليه وسلم { ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيراً أو يُنْمِي خيراً } رواه مسلم ، فلهذا المصلح مثلاً أن يبالغ  في وصف وتأكيد جانب الخير عند طرفي الخصام تأليفاً للقلوب ، وأنّ ما حصل بينهما من خلاف لم يكن مقصوداً.

     ليس هذا فقط ، بل ذهب العلماء من الشافعية والحنبلية وبعض الحنفية إلى أن مِن الغارمينَ الذين يستحقُّون الزَّكاةَ الغارمُ لإصلاحِ ذات البَيْن ولو كان غنيًّا ، وهو مَن يَستدينُ مالًا ويصرِفُه في إصلاحِ ذاتِ البَينِ بأنْ يَخافَ فتنةً بين قَبيلتينِ أو طائفتينِ أو شخصينِ ، فيَستدينَ مالًا ويصرفَه في تسكينِ تلك الفِتنةِ ، فقد تحمَّل الديون المالية ليُصلِح بين النَّاسِ عند قيام الفِتن والشُّرور والعداوات والشحناء ، فهذا الإنسانُ الذي يقوم بذلك ليُصلحَ بين الناس يعطى من سهم الغارمين فيُعطَى ما تحمَّلَه لأنه محسن قد سعَى في خيرٍ وقام في خيرٍ ، فكان مِن مكافأتِه ومُجازاتِه أن نتحمَّلَ عنه ما التزَمَه من الزَّكاة.

     والاشتغال بالصلح بين المتخاصمين أفضل من الاشتغال بنوافل العبادات ؛ لما فيه من النفع المتعدي الذي يكون سبباً في وصل أرحام قطعت ، وزيارة إخوان هُجِروا ، ونظافة القلوب مما علق بها من أدران الحقد والكراهية ، فينعكس ذلك على قوة المجتمع وتآلف أفراده وتماسكهم ، قال تعالى { لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيماً } النساء 114.

ونستلهم من الآية الكريمة أن السعي بالإصلاح بين الناس يفتقر إلى النية الخالصة لله تعالى والتقرب إليه بعيداً عن الرياء ، وألاَّ ينشد المصلح ثناء الناس وشكرهم ، فإن هذه المهمة الجليلة مظنة للسيادة بين الناس والوصول إلى الرفعة وعلو السمعة والشأن ، لذا فقد يدخل الشيطان من خلالها على العبد فيفسد نيته وعمله ويفشل مسعاه ، ويجب على هذا المصلح أن يحرص على رضا الله تعالى ، وأن يتحرى العدل بعيداً عن الحيف والظلم ، وعليه أن يبني صلحه على علم شرعي لا على العادات والتقاليد التي تخالف شرع الله ، وعليه أن يحسن اختيار الألفاظ وانتقاء العبارات اللينة بعيداً عن الكلمات الجافة القاسية ، وله مشاورة العلماء بعد دراسة مواضع الخلافات بين الأطراف ، 

     وهذا الإصلاح بين الناس تفضلُ فيه النجوى وهي السرُ دون الجهر والعلانية ، ذلك أنه كلما ضاق نطاق الخلاف كان من السهل القضاء عليه ، وهذا من الحكمة حتى لا تزيد الشقة ويتوسع الخلاف ،

     كم في مجتمعات المسلمين من الخلافات والمنازعات التي تحتاج رجالاً ذوي بصيرة ورأي سديد وقدرة على طرح الحلول لما أعطاهم الله من الجاه والمكانة العلمية والاجتماعية ، وبالمقابل ما أكثر الذين لا يشاركون في الأمور العامة التي تخدم الأمة والمجتمع ومنها إصلاح ذات البين ، وكان الأحرى بهم المبادرة إلى التدخل الإيجابي وتقريب وجهات النظر بين المتخاصمين ،

     وتأتي أهمية إصلاح ذات البين بأنه سبب للاعتصام بحبل الله وعدم التفرّق بين المسلمين ، وللتقريب بينهم ورفع البغضاء من دواخلهم ، بينما فساد ذات البين ثلمة في الدين فمن تعاطى إصلاحها ورفع فسادها نال درجة فوق ما يناله الصائم القائم المشتغل بخاصة نفسه .

     وهو أيضاً يسهم في ترك الشحناء مع الآخرين والمبادرة إلى التصالح والتسامح في حل المنازعات وتجاوزها ، والاستعانة بالله سبحانه لتطهير النفوس والقلوب منها ، فهذا حال المتقين يوم القيامة ، قال تعالى عنهم { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ } الحجر 47 ، فالبغضاء والقطيعة مضيعة لكل عمل صالح ، قال صلى الله عليه وسلم { ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً .. وذكر منهم: وأخوان متصارمان} أي متقاطعان ، رواه ابن ماجه ،

     إن مجتمعاتنا وأمتنا عموماً أحوج ما تكون اليوم إلى التماسك والترابط ، ولهذا وجب الحرص من قبل رموزها وصلحائها وعقلائها ومخلصيها على تنقية القلوب من الكراهية والأحقاد ، وتحرير النفوس من الضغائن والبغضاء ، وإحلال التسامح والتغافر والتعاذر والتراحم محلها ، هذا ما ينبغي أن تكون عليه دخيلة المؤمنين وذوات صدورهم ، قال تعالى { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بينهم } الفتح 29 ، والمؤمنون الحقيقيون تلهج ألسنتهم وتهتف قلوبهم دائماً جيلاً بعد جيل بالدعاء لربهم عز وجل أن يطهر نفوسهم من هذه الفواحش الباطنة ، قال تعالى على لسانهم { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } الحشر10.

     ووجب كذلك عليهم زرع قيمة التعاون على البر والتقوى في القلوب وترك التعاون على الإثم والعدوان ، وتذكير الناس بذلك فإن الذكرى تنفع المؤمنين الذين يتميزون بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر ، قال تعالى { وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}  العصر1-3.

فلا بد من التجاوز عن الأحقاد ، والتسامي على الخلافات والوقوف معاً في خندق واحد ، ولنعلم أن صمود هذه المشاعر والمواقف رهن بلزومها وتمثّلها وتنفيذها ، وخير الجميع من يبدأ بذلك ويسارع فيه ويواصل التمسك به ولو من طرف واحد فالبادئ أكرم وما أكثر الأعداء الذين يتربصون بنا في ظل المؤامرات التي تحاك لتصفية قضيتنا الفلسطينية العادلة ، فلنفشل ذلك برصّ الصفوف ، ففي الاتحاد قوة وفي التفرق ضعف وزوال .

     إن إصلاح ذات البين يسهم بوضوح في التقارب بين الناس ، وفي تحقيق معاني التراحم والتوادّ ، مما يحقق الألفة بينهم واجتماع كلمتهم ، ويحصل التوفيق بينهم والتئام بعضهم ببعض ، كما أنه أحد وسائل تطبيق أحكام الوحي ، لأنه بفساد ذات البين تتعطل كثير من الأحكام الشرعية ، وفيه أيضاً تحقيق لمعنى الشفاعة الحسنة في المجتمع ، وفيه نشر للتسامح والعفو ، ففيهما انتصار لقيم الدين لأن المسلم لا ينتقم لذاته بقدر ما يحرص على بقاء رسالته ، ولو كان ذلك على حساب حقه الشخصي ، ومن نصر دين الله نصره الله وأعزه لذلك ،

     فالمطلوب منا ومن الجميع إذن ؛ العمل من أجل المصلحة العامة ، والعفو والصفح والغفران ، وإقامة العلاقات على أساس التفاهم والتقارب بين الإخوة الذين تجمعهم وحدة العقيدة والدم والهدف ، قال تعالى { وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ } النور 22.

     ولعل هذه الموعظة رسالة لكل غيور على الدين والوطن والقضية وبالأخص من قيادات العمل الوطني وأصحاب النفوذ في عشائرهم وأسرهم للقيام بهذه الفريضة التي أوجبها الله على الأمة.

ــــــــــــــــــ

بقلم: الشيخ الدكتور تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس

 

اترك تعليق