كتاب : الدعوة الإسلامية في القرن الحالي فضيلة : الشيخ محمد الغزالي الحلقة [ 25 ] الفصل الثانى عشر : تربية الفرد والمجتمع (1)

By :

 

لقد زرت دول الخليج ونزلت بكثير من فنادقها الكبرى، ووجدت تواصياً غريباً بإهمال اللغة العربية وازدراء النطق بها... لغة التخاطب الفريدة هى الإنجليزية.

الهندى الذى استعمر الإنجليز وطنه وعقله لا يعرف غيرها. وهو لا يُخاطب العرب الذي يعمل بفنادقهم إلا بها.. إذا ذهب عربى إلى لندن وجب عليه طوعا أو كرهاً أن يتحدث بالإنجليزية.

أما العرب فى بلادهم وفى جزيرتهم ـ وطن العروبة الأول ـ فعليهم أن ينتقلوا إلى اللغة الإنجليزية كى يقضوا في الفنادق بضع ليال !!

ومع ذلك فنحن ـ لإتقاننا في التزوير ـ نسمى دول المنطقة دول الخليج العربى (!) مع أن العروبة هناك لها منزلة هون. أعنى اللغة والدين والتقاليد .. ومنزلة الفرنسية فى المغرب " العربى " كمنزلة الإنجليزية في الخليج العربي .. مسكينة لغة القرآن.. !! حتي إذاعة جمهورية مصر العربية تنطق بالعامية الهابطة أكثر مما تنطق بالعربية الفصحى..

ولا أدرى لماذا تعامل اللغة العربية وحدها بهذه الخطة المنكورة المحقورة.. ولماذا لا يتوارى الرؤساء الذين لا يحسنون النطق بالعربية بدل أن يثيروا اشمئزازنا بهذه البغام العامى الرديء ؟!

كنت أرتقب من دول الجامعة العربية أن تتخذ قراراً جماعياً بتعليق قبول الصومال عضواً بها على احترام اللغة العربية. ولكن الجرأة الشيوعية من جانب والجبن القومى من جانب آخر، جعل الأمور تنجرف إلي مجرى سوف تضيع فيه العروبة والإسلام معاً إن لم يصح المخلصون إلي هذا المصير المفزع فيعودوا إلي العروبة حتماً ، وإلي احترام الإسلام الذى تدين به الكثرة الساحقة من العرب التائهين..

حدد القرآن الكريم عمل النبي صلى الله عليه وسلم بين الناس في ثلاثة عناصر متماسكة هي: تلاوة الآيات، والتزكية، والتعليم.. قال تعالي: ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون )

العنصر الأول : تلاوة آيات الله، ذلك أن الوحى الأعلى هو دعامة البناء النفسى والاجتماعى، هناك مجتمعات ترفض الوحى لأنها ملحدة، وأخرى تقوم على وحي مرور ومشوب بالأباطيل، أما الأمة التي يبنيها الإسلام فأساسها الفذ آيات الوحي الحق، كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

العنصر الثاني: التزكية، وهي أقرب الكلمات وأدلها علي معني التربية، بل تكاد التزكية والتربية تترادفان في إصلاح النفس وتهذيب الطباع وشد الإنسان إلي أعلي كلمات حاول المثبطات والهواجس أن تسف به وتعوج.

العنصر الثالث: التعليم، وتعني به الآية تنوير الذهن بما يفتقر إليه من هدايات كثيرة في عالم الغيب والشهادة، أي في عالم المادة وما وراء المادة. والقرآن كتاب تضمن علوماً إنسانية شتى في العقائد والتشريع والتاريخ والأخلاق..

وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم ـ الذى بلغه وطبقه ـ نموذج راق للثقافة الراشدة والسلوك الحكيم. والسلف الذين حملوا الرسالة علما وعملا كانوا أبصر الناس بالحياة، فلم يعبدوها ولم يزهدوها، بل عاشوا أصحاب مبادئ واضحة، حققت علي ظهر الأرض أغلي الحضارات وأشرفها.

وحديثنا الآن عن العنصر الأوسط ـ أى التربية ـ وقبل أن نبسط القول نؤكد ما أشرنا إليه من قبل عن تطابق التزكية والتربية، فقد وردت كلمة التزكية في عدة مواضع من الكتاب العزيز يجب أن نتدبرها.

قال تعالى: ( إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا ). ارتكاب الجرائم مظهر للانحراف، كذلك الجرى مع الهوى ورفض قيود الشرع.

وما علاج ذلك؟ التزكية قال تعالى: ( ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلا * جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى ).

التزكية هنا تعنى الإيمان والإصلاح وضبط الغرائز ومقاومة الشر ومنع كل أسباب الجريمة، التزكية من الزكاة - أى الطيبة - وهي للقلب كالذكاء إلى العقل.

وفي موضع آخر من القرآن الكريم يقول تبارك تعالى: ( ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها).

المعروف في الإسلام أن الفطرة الإنسانية خلقت سوية مستقيمة، وأنها لو بقيت علي أصل الخلقة ما أشركت ولا أفسدت، فالعوج الذى يلحقها طارئ لا أصيل.

تولد العين ابتداء قادرة علي النظر، فإذا عميت فمن مرض عارض، وفى الحديث القدسى يقول الله عز وجل: " إني خلقت عبادى حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ".

وما معني: ( فألهمها فجورها وتقواها ).؟ قال ابن عباس: بين لها الخير والشر، وقيل: جعل فيها فجورها وتقواها: أى هي قابلة للبقاء علي طبيعتها، وقابلة للميل مع التيارات التي تهب عليها، فتديرها علي غير محورها.

قد أفلح من زكاها ) أى زكي نفسه بطاعة الله، وطهرها من الأخلاق الدنيئة، والرذائل - هكذا قال قتادة - ( وقد خاب من دساها ). أى أخملها ووضع منها بخذلانه إياها عن الهدى حتى ركب المعاصي - هكذا قال ابن كثير !!

وروى أحمد عن زيد بن أرقم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والهرم والجبن، والبخل وعذاب القبر، اللهم آت نفسى تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إنى أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، وعلم لا ينفع، ودعوة لا يستجاب لها ". قال زيد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمناهن ونحن نعلمكهن!!

عندما نتدبر هذا الحديث نجده أحصي آفات نفسية مهلكة للأفراد والجماعات. فالعجز المقعد للهمم والمطفئ للآمال، والكسل المورث للخمول المثبط عن أداء الواجبات، والجبن المعجز عن كلمة الحق ومواقف البسالة والصمود، والبخل الذى يمنع من العطاء ويربط صاحبه بالأثرة والضيق، والقلب القاسى الذى لا يكترث لآلام الغير، والنفس المنهومة التى تنطلق وراء أطماعها لا تهدأ أبدا، والمعرفة التي يجعلها صاحبها سلاحا لبلوغ المآرب، وكل ما يهبط بالمرء، ويبعده عن رحمة الله.

هذه الآفات جميعا لا بد من البراءة منها حتي تزكو النفس وتطيب !! وهل تتم تربية إلا بالبعد عنها؟ وهل يعلو مستوى الفرد والمجتمع إلا باستكمال الفضائل التي تقابلها؟

وسعة العلم لا تدل علي زكاة القلب وحسن الخلق، فإن النفس الرديئة تستغل ما وهب لها من ذكاء، وما أتيح لها من اطلاع كي تحقق مآربها الصغيرة.

وقد رأينا علماء ذرة باعوا ما لديهم من أسرار للجواسيس الروس، نظير ماذا ؟ نظير مال كثر أو قل سينفق فى بعض الملذات المنقضية، والشهوات المحقورة !!

ورأينا علماء دين ينكرون ما يوقنون بصدقه، أو يعبرونه بسرعة، إرضاء لحاكم، أو ارتقاباً لنفع. وعلماء أهل الكتاب الذين عاصروا النبوة، والذين جاءوا من بعدهم ضربوا أسوأ الأمثلة لهذا اللون من الجحود، وهذا اللدد في عداوة الإسلام.

وقد وصف القرآن الكريم من تصرفهم الأهواء، ويتدلون إلي الحضيض مع ما أوتوا من معرفة وذكاء، فقال جل شأنه: ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه) .

إنه لما آثر الهبوط تركه القدر يهوى، ولو أنه جاهد ورغب في التسامي لأخذ القدر بيده، وأعانه علي الرفعة...

نعم.. فالتربية معاناة وتعب، وهي لا تتم إلا بعد مراحل طويلة.. وعلاج النفس البشرية قد يكون أصعب من علاج الحجر الصلد أو الحديد ذى البأس الشديد... ولكن ما منه بد إذا شئنا الكمال.. !!

أما إذا رغبنا فى الحياة علي ما نستحلي، فلن يكلفنا ذلك إلا أن نرتع كما ترتع البهائم، والمصير أخيرا إلي الذبح.. !!

لكي تكون إنسانا له خلق كريم، يستقيم مع منطق الفضيلة، ويهرب من الدنايا ويأبي مقارفتها فماذا تصنع؟ إن علماء الأخلاق يعرفون الخلق بأنه عادة الإرادة، وهذا التعريف يحتاج إلي شرح، فالنفس الإنسانية قد تميل إلي أمرها، وقد يقوي ميلها فتتحول إلي ركبة.

كلا الاتجاهين من ميل طارئ أو رغبة عارضة لا يسمي خلقا يجب أن تنمو الرغبة، وتشتد، وتصير إرادة جازمة. فإذا بلغ الاتجاه النفسي هذا الحد من العزم، فقد شارف ميدان الخلق، ولما يبلغه بعد !

إنه لن يكون صاحب خلق معين حتي تستقر إرادته، وترسخ عزيمته، ثم تكون الإرادة الراسخة عادة يصدر عنها، ويلتزمها التزام الغريزة التي ولد بها ويصعب التفصي عنها.

هذا هو الخُلُق، وهذا معني تعريفهم له بأنه عادة الإرادة، والتجانس بين كلمتي الخُلق والعادة قائم في اللغة، وقد جاء في القرآن الكريم: ( إن هذا إلا خلق الأولين ) أي دأبهم وعادتهم...

وهناك ناس كثيرون نفوسهم رجراجة، تسودها ميوعة مطلقة، يجرون نحو الخير ونحو الشر لأنهم لا ينبعثون من داخل أنفسهم، بل يتحركون في الدنيا وفق التيارات التي تعلو بهم وتهبط، وتتقدم بهم أو تتأخر..

أمثال هؤلاء يظلون فى طفولة خلقية لا وزن لها حتى تولد لهم شخصية محددة ويستقلون بقيادة أنفسهم..

والذى يهمنا في مجال التربية تكوين الأخلاق الحميدة بكل ما تفرضه العادة علي ذويها من نظام ورتابة، فان انعدام الأخلاق، أو وجود بذرتها في حال بدائية رخوة لا يغني شيئاً، لأن الطباع السيئة في النفس تتحرك دون كابح قوى يصدها.

نعم.. نحن نريد تكوين الأخلاق، لأن الخلق وحده هو الذى يهزم نوازع الضعف ووساوس الهوى، وتأمل في قول، أبي تمام يصف " البطل " الذى آثر الشهادة علي الحياة الدنيا:

وقد كان فوت الموت سهلا .. فرده إليه الحفاظ المر والخلق الوعر!!

ولهذا يقول شوقي:

وليس بقائم بنيان قوم .. إذا أخلاقهم كانت خرابا

كنت يوماً في معمل الفيزياء! وشاهدت المغناطيس وهو يمر فوق ذرات ـ بودرة من الحديد ـ ورأيت الذرات تنتظم سطوراً مطردة مدهشة، إن عمل الإيمان في قوى البشر ومواهبهم هو عمل هذا المغناطيس.

أي أن الإيمان يمنع الفوضى والتشويش والتسيب، ويقيم نظاماً خلقياً دقيقاً يصوغ الفرد والجماعة في أوضاع محكمة، إن المرء المحبوس داخل رغباته لا يعرف غيرها، ولا يبالي بشرع ولا وضع، هو وحش مقنع.

وقد وصف القرآن حياته الداخلية والخارجية ـ أعني النفسية والاجتماعية ـ بهذه الكلمات: ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ) .

نعم.. لقد انفرط أمره كله، كعقد انقطع خيطه، وانتثرت حباته فما يدرى أين ضاعت؟ والإسلام ـ وهو فطرة الله في الأنفس ـ يريد حماية الإنسانية من هذا التدني، فماذا صنع؟

إن أنواع الكمال كثيرة، وقد علمنا أنها لا تنشأ ارتجالاً، و لكنها تتكون علي مكث، ومع عوامل متراخية. فإذا كان اكتمال الإنسان يحتاج مثلاً إلي أخلاق النظافة والإخلاص والنظام، وأنه لا يطهر جسدا وروحا إلا بما يغرسها في كيانه، فلتربط هذه الأخلاق بالصلوات الخمس المكتوبة علي كل نفس ليلا ونهارا.

وجه يغسل خمس عشرة مرة كل يوم، لم لا يكون وضيئا؟ إنسان يعرض قلبه علي ربه طرفي النهار وزلفا من الليل، لم لا يكون مخلصا؟ مجتمع تصطف فيه المناكب والأقدام، وتطلب لهذا الصف مرارا في الساعة كذا والدقيقة كذا، لم لا يكون منظما؟

والصبر والأمانة والرفق والتحمل والبشاشة أخلاق لا بد منها للبناء الإنسانى السليم في الفرد والجماعة، فلتربط هذه الأخلاق ـ إلي جانب الصلاة ـ بالصوم وما يوحي به من عفة وتماسك وانضباط..

ولا نسترسل في سرد الفضائل واحدة واحدة، ولا فيما يغرسها بأعماق النفس والمجتمع.

وإنما ننبه إلي شئ مهم بالغ الخطر، هو أن تحول العبادات إلي رسوم ظاهرة، وإلي صور من الغيبيات التي يؤديه الناس دون وعي، قاتل لهذه العبادات ومبطل لآثارها..

وهذا التحول غير مستغرب عندما يهبط الوعى من منطقة حاشية الشعور إلي منطقة شبه الشعور.. فإن أغلب الناس عندئذ يقوم بالعمل وهو سارح الذهن أو شبه مخدر..!!

ونحن ندرى أن هناك من يصلي ولا تنهاه صلاته عن سوء القول والعمل ومن يصوم فلا يتعلم من صومه الاقتصاد في الضرورات والمرفهات.. وآفة التدين من قديم الاكتراث بالشكل دون الموضوع.

إن قضية المصلي الذى لا يقرأ وراء إمامه حرفاً قد تخلق نزاعاً بين البعض، فهل الحماس الذى يصحب هذا البعض يبقي علي شدته عندما يتعلق الأمر بالمصلى الذى لا يضبط لسانه ولا أعماله؟

إنني أشمئز عندما أرى الخلاف الفقهي فى صور الطاعات يقطع ما أمر الله به أن يوصل، مع أن نتائج هذا الخلاف مقبولة كلها، خطؤها وصوابها.. ومن المقطوع به أن الكراهية والتنقص وعدم تجويد ما يكلف المرء به من أعمال، رذائل مقبوحة في الدنيا والآخرة..

لا ريب أن المسلمين بحاجة إلي تصحيح مفاهيم شتي في أذهانهم وأحوالهم. وقد وفر الإسلام ضمانات كثيرة لتكون التربية الدينية ناجعة في كل ميدان، مؤتية ثمارها في كل وقت.

وأولى الضمانات التحكم فى البيئة إذ أن البيئة السيئة تهزم الإيمان والشرف فى الأغلب، إن إنبات أجيال كريمة الشمائل، نامية الفضائل يقتضى هيمنة ورقابة صارمتين على البيت والشارع والمدرسة... بل نظام الدولة نفسه!

ليس البيت ملتقى ذكر وأنثى لإشباع الغرائز الدنيا، إنه محضن حصين لتكوين الأولاد الشرفاء المؤدين لحقوق الله وحقوق الناس، والذين تمتد بهم القيم الرفيعة والسير الزاكية، وقد علم الله عباده المكرمين أن يستعطفوه ليحقق لهم هذه الغاية، علمهم أن يقولوا: ( ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ) .

وهل يتعلم الأولاد الصدق، والحياء، والنبل، وإقام الصلاة، وإعطاء الصدقة، والبر بالجار، وإكرام الضيف، والاهتمام بالزى النظيف السابغ واحترام التقاليد والآداب العامة.. هل يتعلمون ذلك إلا من مسالك والديهم، والاقتباس منهم وهم فى أخص شئونهم؟

إن تربية الأولاد لمحتاج إلى علم خاص يدرس للجماهير حيثما تجمعوا. ورب البيت وربة البيت ليس واجبهما فقط توفير الغذاء والكساء للأولاد، بل واجبهما الأهم إحسان التنشئة وغرس العادات الطيبة فى دماء أعقابهم. وفي الحديث: " إن الله سائل كل امرئ عما استرعاه، حفظ ذلك أم ضيعه "..

وكثيرا ـ ما كنت أتساءل: متى يملأ النساء صفوف المسجد المؤخرة بدل هذا الفراغ الغريب؟

متى يملأ الأولاد الصفوف الوسطى بدل التسكع فى الطرق أو الإغراق فى اللعب؟

متى تلتقى الأسرة فى بيت الله ـ الأسرة كلها ـ التوجيهات الدائمة والموقوتة التى تربطها بالإسلام ـ وتصلها بشعائره ومقاصده؟

والإسلام مع ذلك كله يحث المسلم أن يسعه بيته فلا يهجره إلى ناد أو ملهى. نعم… ينبغى أن يألف جو الأسرة كما يحث المسلمة على إحسان تبعل رجلها حتى يكون البيت عامرا بالود والبشاشة والسكينة..

فإذا تجاوزنا البيت إلى أى تجمع بشرى فى الشارع أو المدرسة أو الديوان أو النادى، رأينا تعاليم الإسلام متكاتفة على جعل السلوك مضبوطا داخل حدود، ملتزماً بمعان بينة...

فلو جلس امرؤ فى الطريق لأمر ما فعليه أن يغض بصره، ويحفظ لسانه، ويأمر بالخير، وينهى عن الشر، ويعين الضعيف ويدعم المظلوم.

إن الأمة المرباة يتبعها أدبها كظلها فهى لا تنفك عنه فى قول أو فعل. والبون بعيد بين مجتمع عابث صاخب ومجتمع جاد وقور، بين مجتمع متحاب متراحم ومجتمع متحاسد حقود.

وأخيراً: بين مجتمع مكلف بإماطة الأذى عن الطريق فهو يمهده للسائرين دون قمامات ولا حفر، ومجتمع لا يبالى بسكب الأقذار فى جوانبهه، وتضييق الخناق على السائرين فيه... والأساس انبعاث الأفراد عن مبادئ ثابتة توحى إليهم نبذ المنكر وإشاعة المعروف.

والشرع والعقل لا يتفاوتان فى تعريف ما هو المنكر؟ ولا فى تبيين ما هو المعروف؟ فإن الفطر السليمة تهتدى إلى ذلك تلقائيا، أما الفطر المعوجة فهى تشوه أى ودين ربما لا تحسن فهمه، وإذا فهمته لم تحسن تطبيقه...

وأرى أن التقاليد العامة يجب أن تناقش بين الحين والحين ليعرف مدى توافقها أو تفاوتها مع أصول العقيدة والفضيلة، فإن العرف السائد قد يبدأ حسنا ثم تنحرف به تيارات محدثة فلا يصل إلى غايته.

وكم من تقاليد لو أعيد وزنها لرجع الناس عنها كلا أو جزءا، والمعيار الثابت كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أما آراء الرجال بعد فموضوع دراسة وموازنة... وهذا يتأدى بنا إلى حديث سريع عن المقاييس الخلقية، إن عدم الأخلاق قدم لنا آراء كفر من الفلاسفة الذين حاولوا من عند أنفسهم تحديد معنى الفضيلة، هناك مقاييس اللذة وهناك مقاييس الواجب والكمال.

وفى عصرنا هذا أصبحت للمجتمع الاشتراكى تقاليد يربى عليها الأجيال الجديدة، وللمجتمع الحر أو الرأسمالى أخلاق أخرى يشيعها فى أكناف بيئته..

ومعنى هنا أن الدولة أمسى لها دور كبير فى مجال التربية، وأنها تملك من وسائل المحو والإثبات ما يجعل تصرفها بعيد الأثر.

وهذا حق. ما يمكن إغفاله، وقديماَ قال العرب: إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة اى أن الأمير الذى يستهين بالكلمة، ولا يبالى بالتزوير تنطلق فعلته فى كل فج ما يقفها شئ...

ترى ما نتيجة ذلك إذا استقر الأمر للكذابين النتيجة أن يصبح الكذب عملة متداولة الدودة الملحدة تغرس الكفر وتشرع التحلل وتُرغم الجنسين معا على الانحدار فرجالها كما وصف القرآن المنافقين والمنافقات: ( بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون )

قص على صديق سورى أن نادى حزب البعث فى مدينه القنيطرة كان مرسوما عليه شعار الحزب: " اشتراكية. حرية ، وحدة "، وتحته مكتوب هذا البيت:

لا تسل عن ملتى أو مذهبى .. أنا بعثى اشتراكى عربى

فلما احتل اليهود الجولان، ودخلوا القنيطرة بدون قتال، مسحوا هذا كله، وكتبوا مكانه هذه الآية: ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ).

ألا يشعر المسلم بغصة وهو يسمع هذا النبأ، إننى آثرت تسجيله فى بحث تربوى ليعلم أهل الأرض أن الذين انهزموا أمام اليهود، لم يكونوا عرب مسلمين، ولم يكونوا على حظ تافه أو جليل من شمائل الإيمان أو أخلاق الرجولة.

ثم إن أعمدة التربية فى الأمة كلها عندما تجرى انتخابات لانتخاب حاكم ما، فإذا النتيجة 99.999 فى المائة من الأصوات تأييداً وولاة لهذا الحاكم، والحقيقة التى يعرفها أهل الأرض والسماء أن ذلك كذب من الألف إلى الياء.

فى عصرنا هذا... للحاكم دخل كبير فى تكوين الأخلاق الفردية والجماعية وفى رعاية الأمانات والعهود.

قديما كانوا يقولون: السلطان من لا يعرف السلطان، نعم كان هناك من يستطيع العيش بعيداً عن أهل السلطة، مستريحاً من رغبتهم ورهبتم وعطائهم وحرمانهم...

أما اليوم، فإن السلطة تفرض على كل امرىء معرفتها طوعاً أو كرها، إن دوائر العمل الحكومى هيمنت على الأقوات والثقافات معاً، وهى تدخل بيتك لتسمعك من برامج الإذاعة ما تشاء، وترقب كسبك لتأخذ منك ما تشاء، وتقدر سنك لتجنيدك متى تشاء، ولتأخذ ابنك إلى المدرسة عندما تشاء...

إن العزلة عن الحكومات أضحت مستحيلة، ومن ثم فإن آثار الحكومات فى إضعاف الأخلاق وتقويتها لا يمكن تجاهلها ولا الإفلات منها.

وفى ظل النظام الشيوعى حتمٌ أن يُدرَّسَ الإلحاد للأولاد.

وفى ظل النظام العلمانى حتم أن يشب الأولاد، فى ظل تساوى الأضداد من إيمان وإلحاد وتبرج واحتشام.

وفى ظل بعض النظم تفشو المكاسب الحرام، وتظل بأعناقها القناطير من الدنانير دون نكير. أو تنتشر الرشوة والغش فلا يكاد أحد يقضى أرباً له إلا لولوغ فى الإثم...

فكيف تنفصل النظرة الأخلاقية عن الفطرة السياسية؟ وكيف توضع مقاييس أخلاقية لا ارتباط لها بالواقع الذى يفرض نفسه؟

تتجه التربية إلى النفس الإنسانية من ثلاث جهات هى جملة المظاهر الثلاثة للشعور كما أحصاها علم النفس، فهناك ناحية المعرفة، ثم ناحية الوجدان، ثم ناحية الإرادة والسلوك..

وقوام الناحية الأولى تزويد الإنسان بثروة علمية نافعة تجعله خبيراً بالحياة مدركاً لحقائقها دون خطأ أو مبالغة، وفى عصرنا هذا انتظمت مراحل التعليم، وتضمنت كل ما وصلت إليه الإنسانية من ارتقاء عقلى، وخصائل محترمة.

ويحتاج الشخص العادى إلى بضعة عشر عاما من الاستذكار والاستبصار حتى يكون على حظ مرض من الثقافة العامة، ويحتاج إلى أمد آخر للتخصص فيما يميل إليه من أنواع الدراسة..

ولن تنقطع حاجة الإنسان إلى التعلم ما دام حيا، فإن الكون لم يعطنا إلا القليل من أسراره، والمسلم لا يشبع من معرفة، وهو يزداد معرفة بالله كلما اتسعت مداركه.

وأنواع العلوم التى يتلقاها عن الكون والناس والحياة تجعله أضبط للحقائق، وأقدر على الاستنتاج وأهدى للصواب.

ولا نعرف ديناً احتفى بالعلم وجعله لباب التقوى كالإسلام، إن المستوى الراقى للعقل الإنسانى مهاد جميل لما بعده من حس رقيق، وانطباع شريف؟

والحديث يطول عن آفات الجهل والقصور والفهم الجزئى لبعض القضايا الطبيعية والإنسانية والدينية. على أن سعة العلم لا تستلزم طيبة القلب ولا صفاء الروح، فكان لا بد من جهد آخر يصقل معدن الإنسان، ويخفف كثافته، ويرجع الجانب الروحى فيه.

وللحضارة الحديثة فى هذا الشأن نهج لا نقره كله ولا ننكره كله، كما أن للمسلمين تقاليد لا نقرها كلها ولا نأباها كلها.

الغربيون يدللون الطبيعة البشرية، ويلبون رغباتها، ويرفضون الكبت والقيود الكثيرة التى توضع على ميول المرء ومنازعه..

أما نحن المسلمين فنتجه بعنف ـ أو هكذا كنا ـ إلى التكلف والتظاهر وإخفاء المطالب النفسية أو قتلها فى ظل أوضاع افتعلناها ليس لها أصل سماوى قائم..

وكلتا الوجهتين لها وعليها،،، فإن الكبت مطلوب إلى آخر الدهر بالنسبة إلى الحرام الذى يأباه الله جل شأنه، فمن تطلع إلى حليلة غيره وجب عليه سحق رغبته حتى الموت. وإذا تركت له رغبة إلى جائز لا يملكه وجب عليه التصبر حتى يملك، وهذا معنى قوله تعالى: ( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ) .

وعلى المجتمع ألا يطل أمد العجز ـ والحالة هذه ـ كما أن عليه ألا ينشئ أحوالاً خاصة أو عامة توهى أسوار الكبت المطلوب، وتهزم إرادة التسامى..

وليس لأحد أن يحرج الطبيعة البشرية بحظر مباح، أو بمحاكمتها على أمور عفا الله عنها، وترك الحديث فيها غير نسيان ولا ذهول.

إن المصارحة أو المياسرة أفادت فى الغرب من جانب ولكنها أضرت مع الإسراف والتفريط، وكذلك فعلت تقاليد الحذر والتكلف والرياء، فقد أفادت من جانب وملأت الحياة عقدا وعللا من جانب آخر..

والحل الوحيد أن تقدم نصوص السماء على كل عُرف أو تقليد..

إن الإنسان خليط عجيب من أصول متناقضة، فهو من نفس الرحمن تخلق، وفي الحمأ المسنون احتبس، كما يصنع جهاز ساحر في قوته ودقته، ثم تحاط آلاته وأجزاؤه بمعوقات وأقذاء، تعرقل الحركة، وتضعف القوة، وتذهب الرواء علي أن كل ما خالط الجهاز الفذ من أكدار قد ترك للإرادة البشرية أن تذهب به وتمحو أثره، وهي علي ذلك قديرة، بل هي به مكلفة.

وهذا سر الحياة منذ وحدت وهو معني قوله تعالي بعد قسم برسالات السماء: ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون )

أي إنسان مطالب بالحفاظ علي هذا التقويم الأحسن، مطالب بالتغلب علي الجواذب التي تشده إلي أسفل سافلين، وليس يقدر علي ذلك إلا مؤمن ملتزم بالإحسان والإصلاح ما دام حيا..

وفي رأيي أن كثيراً من المتدينين صدموا الفطرة البشرية عن جهل أو غلو، كما أن الآخرين تحللوا من قيود الأدب، والتسامي، وانساقوا مع الأهواء الجامحة حتي نسوا الله فأنساهم أنفسهم..

والتربية الصحيحة توجب مع سعة العقل والمعرفة، سناء الروح وحنينه الدائم إلي أصله الأول، وربه الكبير.

وأخيراً.. نذكر الإسلام في التربية البدنية، فإن بعض الذين كتبوا أو تحدثوا عن الإسلام أساءوا تقرير هذا الحكم، وفي شبابي الباكر انخدعت بكلام هؤلاء، وفهمت أن الإنسان تكفيه في غذائه لقيمات أو تمرات، وأن المسلم يسهر عينه فما يألف الفراش، ولا يسكن في الليل.

وهذه صورة باطلة لموقف الإسلام من الجسد وحقوقه، فما يكره الإسلام إلا الشره والتشبع والسرف، كما يكره الإسلام الجزع في أزمات الحصار وطوارئ الحروب...

أما نظام التغذية الذي يضعه الأخصائيون للمحافظة علي الجسم وضمان تقويته وتنميته فإن الدين لا ينتقص منه درهما، والواقع أن ميل الناس إلى السرف في الطعام والزهو بأطايبه شائع، ولا يلام الدين علي اعتراضه وإنكاره.

وكذلك قيام الليل، إن لبعض الناس طاقة كبيرة علي السهر، وبديه أن يرفض الإسلام كل سهر يضيع صلاة الفجر، فإذا تاحت ـ لبعض الناس في بعض المناطق قدرة علي السهر، فلتكن الليالي بيضاء لا حمراء، بيضاء بالتهجد والقراءة لا حمراء بالإثم واللهو.

ومن الناس من يكدح سحابة نهاره ويفتقر إلي الليل ليريح بدنه ويجم أعصابه فمن يمنعه ذلك؟ ما دام يؤدى فرائضه .

إن السهر الذى يضعف الوعي، ويقلل الإنتاج، ويبعثر الواجبات جرم. وليس تهجدا مقبولا وكل نافلة تضيع فريضة لا يقبلها الله، ولا يقرها دينه

إنه لأمر مستحب أن يكون المرء صاحب جسم جلد حمال لمشاق الحياة، وعاقبته موصولة لا تخور في الطريق، وتستسلم للإعياء والنقوص.

وما يراه الأخصائيون والأطباء لترويح الجسد وصيانته يمكن وضعه صيفاً وشتاء في إطار من تعاليم الإسلام، وهي تعاليم توصي بالاعتدال والاستعفاف وتكره المزالق والمساخر..

إننا بعد هذه النظرات في تربية الفرد والمجتمع نضع أصابعنا علي الحقيقة المرة في حياتنا، وهي أننا لم نوثق أواصرنا بالإسلام، ولم نحسن لا فقهه ولا سلوكه، وليس يغني عنا اسم طنان، وجوف خواء.

ثم إننا لما فقدنا الاندفاع الذاتي بقوانا الخاصة شرعت التيارات الوافدة تجرفنا هنا وهناك، وتُلحقنا بها أذنابا لا رءوسا...

ولتنظر إلي هذه الأمثلة من فقدان الوعي في ميدان اللغة... كنت أسمع المذيعين ينطقون كلمة "رباط " عاصمة المغرب بفتح الراء، فأقول: الكلمة كجهاد وقتال بالكسر، فما هذا الإصرار علي فتحها ؟ وأخيرا عرفت أن الكلمة يكتبها الفرنسيون "RABAT"،، بفتح الراء، فتنازلنا نحن عن لغتنا، وتبعناهم علي خطئهم.

وفي مصر بلد كبير اسمه " سيوط " ومنه الحافظ المعروف جلال الدين السيوطي، فلما أغار نابليون علي مصر، وقاومه أهلها استطاع بتفوقه العسكري أن يهزم الشعب والحكومة، وفر الأمراء المماليك من وجهه إلي "سيوط" ليستأنفوا المقاومة من هناك.. واستحث نابليون رجاله لمتابعة المماليك قائلا لهم: إلي " سيوط،" وحرف الجر المقابل " إلي" بالفرنسية " A" وصاح الجنود وراء قائدهم " أسيوط " والمدهش المذهل أن صيحة المغيرين أصبحت علما علي البلد المهزوم فسميت أسيوط !!! ونسي العرب اسم بلدهم الأصلي !!!

ويمتد هذا السخف إلى كتاب اسم "مكة" بالحروف اللاتينية، فالميم تكسر والتاء تطير، والعرب من وراء الفرنجة يكتبون الكلمة " MACCA " فما هذا الهزل؟

هذه الأمثلة على طرافة موضوعها تومئ إلى الانحلال العام فى الشخصية العربية. ولا نستطيع الزعم بأننا ملتزمون. لتراثنا، ولا محافظون على مقوماتنا فى ميدان اللغة والتربية والتشريع والتقاليد العامة! فماذا بقى على الموت الأدبى الذريع ؟

إن عودتنا إلى الإسلام هى عودة الروح إلى الكيان الهامد، وذلك ما يجب أن ينعقد عليه العزم، ونحن نودع قرنا ونستقبل قرنا أملاً باليمن إن شاء الله.


اترك تعليق