تفكيك منظومات الاستبداد 17 - الاستبداد والقسوة في القتل

By : د. جاسر عودة

 

هناك حكمة في ذكر الله تعالى في كتابه الكريم لبعض التفاصيل في تعذيب الطغاة للناس قبل قتلهم، قال فرعون: (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍۢ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًۭا وَأَبْقَى - سورة طه)، وقال تعالى: (قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلْأُخْدُودِ. ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ. إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ. وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ - سورة البروج)، والحكمة هنا أن يدرك القارئ المتدبر لكلام الله قسوة المستبدين الطغاة حين تقع أيديهم على من يتحدونهم ولو بكلمة الإيمان المجردة، فضلاً عن النصح أو النقد، ولكي نفهم كيف أن الحقد في قلوب الطغاة يدفعهم للتعذيب والتشفي وبث الرعب في قلوب الناس، ولا يكفيهم القتل المباشر. وما يحدث في عالمنا الإسلامي من الطغاة المستبدين من تعذيب واغتيال لمعارضيهم داخل السجون وخارج السجون في أرض الله - بصرف النظر عن مسألة الحدود الوطنية - أصبح ظاهرة خطيرة، وله جذور تاريخية نحتاج إلى تحليلها ومعالجتها.

ومن الخطأ والظلم أن تسمى تلك القسوة (وحشية) كما هو شائع في أيامنا هذه، فالوحوش في البراري والقفار أعلى وأنزه من ما يفعل هؤلاء الطغاة. الوحوش تقتل لكي تأكل وتعيش لا لكي تعذب أو تتشفى، وتستهدف الوحوش بفطرتها نقطة الضعف في الفريسة كخنق الرقبة مثلاً حتى تموت الفريسة بأسرع وسيلة قبل الشروع في أكل لحمها، ثم تتوقف الوحوش عن الأكل والصيد حين تشبع. أما الطاغية المستبد وجنوده فقسوتهم ليست (وحشية) بل (شيطانية)، لأن الحقد في قلوبهم لا يسمح لهم إلا بالتشفي بالتعذيب ولا يرضيهم حتى القتل المباشر لفرائسهم، وهم لا يتوقفون عن العدوان لشبع ولا امتلاء.

وقد رأينا للأسف في تاريخنا الإسلامي منذ أربعين هجرية ذلك السلوك الفرعوني الشيطاني في الطواغيت من حكام المسلمين، وما زلنا نعاني من تلك (الشيطنة) إلى يومنا هذا، فحين قتل بنو أمية الحسين بن علي رضي الله عنه لم يشفع له أنه حفيد النبي صلى الله عليه وسلم و(سيد شباب أهل الجنة) كما هو ثابت عند الجميع في حديث جدّه، بل وأمعنوا في طعنه وتقطيعه بالرماح والسيوف، ثم أخذوا رأسه الشريفة عبر البلاد إلى أن وضعوها أمام فرعونهم.

وحين قتلوا عبد الله بن الزبير رضي الله عنه ولم يستطيعوا تعذيبه قبل قتله صلبوه بعد قتله وتركوه مصلوباً، ولم يشفع عندهم سنّ ولا مقام أمه ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وقد بلغت سنها حينئذ مائة عام وعمي بصرها، وكانوا قد قتلوا من قبل أخيها محمد بن أبي بكر الصديق وهو يكاد يموت عطشاً كما يروي التاريخ، فرفضوا أن يعطوه شربة ماء، ودسّه قائد جندهم معاوية بن حديج في بطن حمار ميت وأحرقه! ويمضي التاريخ راوياً فصول المأساة: (فلما بلغ الخبر أم المؤمنين عائشة جزعت عليه جزعًا شديدًا وقنتت في دبر كل صلاة تدعو عليهم وقبضت عيال محمد بن أبي بكر إليها)، مما أثار حفيظة المستبدين وحقدهم عليها هي أيضاً، ولو بعد حين.

وإذا كان هذا سلوك من سنّوا سنن الطغيان في هذه الأمة مع الصحابة والقرابة وأمهات المؤمنين فحدث ولا حرج عن الطرق التي قتل بها خلفاؤهم من عارضهم من علماء أهل السنة والشيعة والمعتزلة وأصحاب الرأي من الشرفاء، بل وقتلوا حتى الناصحين المقسطين من أبناء عمومتهم في الأسر الحاكمة نفسها ونبشوا قبور بعضهم، كما نبش مروان الثاني آخر خلفاء بني أمية قبر يزيد الثالث ابن عمومته الخليفة الأموي الصالح ليخرجه حتى يصلبه ميتاً، رغم أن يزيد الثالث هذا لم يحكم سوى أقل من ستة أشهر. ويروي لنا التاريخ قبلها كيف أن بني أمية قتلوا ابن عمهم الخليفة الأموي الراشد عمر بن عبد العزيز بالسمّ ليوقفوا بذلك تقدمه نحو تحقيق العدل والرشد والإصلاح، ثم يتولى هشام بن عبد الملك الخلافة فيفتك بالمعارضين على اختلاف ألوانهم ويعيد تلك الممارسات الشيطانية.

خذ مثلاً ما يرويه التاريخ عن ما فعله هشام بغَيلان الدمشقي وكان عالماً وصاحباً للإمام الحسن البصري، وكان قد استعمله عمر بن عبد العزيز لرد بعض الأموال التي انتهبها بنو أمية إلى بيت المال، فلما ظفروا به بعد قتلهم لعمر بن عبد العزيز استصدروا فتوى من (علماء السلطة) وقتها بردّته حتى يبرروا قتله للناس، فصلبوه بعد أن قطعوا يديه ورجليه، ثم أرسل هشام له من قطع لسانه وهو مصلوب!

ولم يكتفوا بذلك بل وضعوا في حق غَيلان حديثاً نبوياً (رواه البيهقي ولو أنه قال: إن صح الحديث ولا أراه يصح، ورواه غيره)، زعموا فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يكون في أمتي رجل يقال له وهب يهب الله له الحكمة، ورجل يقال له غَيلان هو أضر على أمتي من إبليس)! وهنا نرى العدوان والحماقة ليس فقط في التعذيب والقتل بل وفي الاتهام بالردة عن الدين ووضع حديث كاذب يخبرنا أن غَيلان المعارض أضر على أمة الإسلام من إبليس اللعين نفسه! وما أشبه الليلة بالبارحة، وما نشهده هذه الأيام من المستبدين لا يبعد كثيراً عن ذلك السلوك المنحرف والنفسيات المريضة والنفاق المتأصل.

ووهب هذا الذي زعموا في ذلك الحديث الموضوع أن الله (وهبه الحكمة) هو بالمناسبة وهب بن منبّه الحبر اليهودي الذي دخل في الإسلام في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم نهاه عمر بعد فترة أن يحدث أصلاً وإلا (نفاه إلى أرض القرَدة) على حد ما قال له عمر. ولابد من الإشارة هنا أن علاقة الاستبداد بواضعي الروايات الدخيلة على نصوص الإسلام والتي اصطلح على تسميتها بـ (الإسرائيليات)، موضوع مهم، له مقام آخر، وله كذلك شبه عجيب بواقعنا اليوم!

 

ولم يكن حكام بني العباس ومن تلاهم من الحكام المستبدين الطغاة إلى يومنا هذا بأقل قسوة ولا حقد على الناصحين المصلحين، ونزع الحقوق الإنسانية الأساسية عنهم على أساس تهم حتى لو صحت لا تبرر تلك المعاملة الشيطانية، ولا نقول الوحشية. وما ذكرناه في هذه العجالة هو غيض من فيض وما خفي كان أعظم. وإشكالية شرعنة القتل لمجرد معارضة الاستبداد السياسي وظلم الحكام هي في الحقيقة إشكالية كبيرة في تراثنا الفكري والفقهي منذ أربعين هجرية وإلى اليوم، وتحتاج منا إلى مراجعة جادة لجذورها العميقة والعودة إلى المبدأ الخالد: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا - سورة المائدة)، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

تفكيك منظومات الاستبداد 17 - الاستبداد والقسوة في القتل – د. جاسر عودة

هناك حكمة في ذكر الله تعالى في كتابه الكريم لبعض التفاصيل في تعذيب الطغاة للناس قبل قتلهم، قال فرعون: (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍۢ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًۭا وَأَبْقَى - سورة طه)، وقال تعالى: (قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلْأُخْدُودِ. ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ. إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ. وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ - سورة البروج)، والحكمة هنا أن يدرك القارئ المتدبر لكلام الله قسوة المستبدين الطغاة حين تقع أيديهم على من يتحدونهم ولو بكلمة الإيمان المجردة، فضلاً عن النصح أو النقد، ولكي نفهم كيف أن الحقد في قلوب الطغاة يدفعهم للتعذيب والتشفي وبث الرعب في قلوب الناس، ولا يكفيهم القتل المباشر. وما يحدث في عالمنا الإسلامي من الطغاة المستبدين من تعذيب واغتيال لمعارضيهم داخل السجون وخارج السجون في أرض الله - بصرف النظر عن مسألة الحدود الوطنية - أصبح ظاهرة خطيرة، وله جذور تاريخية نحتاج إلى تحليلها ومعالجتها.

ومن الخطأ والظلم أن تسمى تلك القسوة (وحشية) كما هو شائع في أيامنا هذه، فالوحوش في البراري والقفار أعلى وأنزه من ما يفعل هؤلاء الطغاة. الوحوش تقتل لكي تأكل وتعيش لا لكي تعذب أو تتشفى، وتستهدف الوحوش بفطرتها نقطة الضعف في الفريسة كخنق الرقبة مثلاً حتى تموت الفريسة بأسرع وسيلة قبل الشروع في أكل لحمها، ثم تتوقف الوحوش عن الأكل والصيد حين تشبع. أما الطاغية المستبد وجنوده فقسوتهم ليست (وحشية) بل (شيطانية)، لأن الحقد في قلوبهم لا يسمح لهم إلا بالتشفي بالتعذيب ولا يرضيهم حتى القتل المباشر لفرائسهم، وهم لا يتوقفون عن العدوان لشبع ولا امتلاء.

وقد رأينا للأسف في تاريخنا الإسلامي منذ أربعين هجرية ذلك السلوك الفرعوني الشيطاني في الطواغيت من حكام المسلمين، وما زلنا نعاني من تلك (الشيطنة) إلى يومنا هذا، فحين قتل بنو أمية الحسين بن علي رضي الله عنه لم يشفع له أنه حفيد النبي صلى الله عليه وسلم و(سيد شباب أهل الجنة) كما هو ثابت عند الجميع في حديث جدّه، بل وأمعنوا في طعنه وتقطيعه بالرماح والسيوف، ثم أخذوا رأسه الشريفة عبر البلاد إلى أن وضعوها أمام فرعونهم.

وحين قتلوا عبد الله بن الزبير رضي الله عنه ولم يستطيعوا تعذيبه قبل قتله صلبوه بعد قتله وتركوه مصلوباً، ولم يشفع عندهم سنّ ولا مقام أمه ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وقد بلغت سنها حينئذ مائة عام وعمي بصرها، وكانوا قد قتلوا من قبل أخيها محمد بن أبي بكر الصديق وهو يكاد يموت عطشاً كما يروي التاريخ، فرفضوا أن يعطوه شربة ماء، ودسّه قائد جندهم معاوية بن حديج في بطن حمار ميت وأحرقه! ويمضي التاريخ راوياً فصول المأساة: (فلما بلغ الخبر أم المؤمنين عائشة جزعت عليه جزعًا شديدًا وقنتت في دبر كل صلاة تدعو عليهم وقبضت عيال محمد بن أبي بكر إليها)، مما أثار حفيظة المستبدين وحقدهم عليها هي أيضاً، ولو بعد حين.

وإذا كان هذا سلوك من سنّوا سنن الطغيان في هذه الأمة مع الصحابة والقرابة وأمهات المؤمنين فحدث ولا حرج عن الطرق التي قتل بها خلفاؤهم من عارضهم من علماء أهل السنة والشيعة والمعتزلة وأصحاب الرأي من الشرفاء، بل وقتلوا حتى الناصحين المقسطين من أبناء عمومتهم في الأسر الحاكمة نفسها ونبشوا قبور بعضهم، كما نبش مروان الثاني آخر خلفاء بني أمية قبر يزيد الثالث ابن عمومته الخليفة الأموي الصالح ليخرجه حتى يصلبه ميتاً، رغم أن يزيد الثالث هذا لم يحكم سوى أقل من ستة أشهر. ويروي لنا التاريخ قبلها كيف أن بني أمية قتلوا ابن عمهم الخليفة الأموي الراشد عمر بن عبد العزيز بالسمّ ليوقفوا بذلك تقدمه نحو تحقيق العدل والرشد والإصلاح، ثم يتولى هشام بن عبد الملك الخلافة فيفتك بالمعارضين على اختلاف ألوانهم ويعيد تلك الممارسات الشيطانية.

خذ مثلاً ما يرويه التاريخ عن ما فعله هشام بغَيلان الدمشقي وكان عالماً وصاحباً للإمام الحسن البصري، وكان قد استعمله عمر بن عبد العزيز لرد بعض الأموال التي انتهبها بنو أمية إلى بيت المال، فلما ظفروا به بعد قتلهم لعمر بن عبد العزيز استصدروا فتوى من (علماء السلطة) وقتها بردّته حتى يبرروا قتله للناس، فصلبوه بعد أن قطعوا يديه ورجليه، ثم أرسل هشام له من قطع لسانه وهو مصلوب!

ولم يكتفوا بذلك بل وضعوا في حق غَيلان حديثاً نبوياً (رواه البيهقي ولو أنه قال: إن صح الحديث ولا أراه يصح، ورواه غيره)، زعموا فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يكون في أمتي رجل يقال له وهب يهب الله له الحكمة، ورجل يقال له غَيلان هو أضر على أمتي من إبليس)! وهنا نرى العدوان والحماقة ليس فقط في التعذيب والقتل بل وفي الاتهام بالردة عن الدين ووضع حديث كاذب يخبرنا أن غَيلان المعارض أضر على أمة الإسلام من إبليس اللعين نفسه! وما أشبه الليلة بالبارحة، وما نشهده هذه الأيام من المستبدين لا يبعد كثيراً عن ذلك السلوك المنحرف والنفسيات المريضة والنفاق المتأصل.

ووهب هذا الذي زعموا في ذلك الحديث الموضوع أن الله (وهبه الحكمة) هو بالمناسبة وهب بن منبّه الحبر اليهودي الذي دخل في الإسلام في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم نهاه عمر بعد فترة أن يحدث أصلاً وإلا (نفاه إلى أرض القرَدة) على حد ما قال له عمر. ولابد من الإشارة هنا أن علاقة الاستبداد بواضعي الروايات الدخيلة على نصوص الإسلام والتي اصطلح على تسميتها بـ (الإسرائيليات)، موضوع مهم، له مقام آخر، وله كذلك شبه عجيب بواقعنا اليوم!

ولم يكن حكام بني العباس ومن تلاهم من الحكام المستبدين الطغاة إلى يومنا هذا بأقل قسوة ولا حقد على الناصحين المصلحين، ونزع الحقوق الإنسانية الأساسية عنهم على أساس تهم حتى لو صحت لا تبرر تلك المعاملة الشيطانية، ولا نقول الوحشية. وما ذكرناه في هذه العجالة هو غيض من فيض وما خفي كان أعظم. وإشكالية شرعنة القتل لمجرد معارضة الاستبداد السياسي وظلم الحكام هي في الحقيقة إشكالية كبيرة في تراثنا الفكري والفقهي منذ أربعين هجرية وإلى اليوم، وتحتاج منا إلى مراجعة جادة لجذورها العميقة والعودة إلى المبدأ الخالد: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا - سورة المائدة)، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

 

اترك تعليق