كتاب : فقه الجهاد - تأليف الحلقة [ 21 ] : الباب الثاني : (أنواع الجهاد ومراتبه) الفصل السابع : (مرتبة الجهاد المدني)

By : تأليف : الدكتور يوسف القرضاوي

 

• أنواع الجهاد الذي أمر به الإسلام:

عرفنا أن الجهاد الذي يأمر به الإسلام أنواع:

فهناك (الجهاد العسكري)، بمعنى القتال للأعداء: بالفعل، إذا اعتدوا على المسلمين: على أنفسهم أو ديارهم أو عقيدتهم. أو بالقوة، بمعنى الاستعداد للقتال عند وجود أسبابه ودواعيه. وذلك يقتضي أن يُعِدَّ المسلمون لأعدائهم ما استطاعوا من قوة ومن رباط الخيل، يرهبون به عدو الله وعدوهم.

وهذا الجهاد هو الذي يُفهم من اللفظ عند الإطلاق، وهو الذي عُنيت به كتب الفقه الإسلامي على اختلاف مذاهبه.

وهذا النوع من الجهاد تُعنى به الدول والحكومات ووزارات الدفاع، وتُرصد له الميزانيات الهائلة والأموال الطائلة، للإنفاق على القوَّات المسلحة برا وبحرا وجوا.

وهناك (الجهاد الروحي)، وهو جهاد ميدانه: النفس الإنسانية، وغرائزها ونوازعها، وهو الذي جاء فيه الحديث الشريف: "المجاهد مَن جاهد هواه"، أو "من جاهد نفسه في الله"[1] ، وجاء فيه قوله تعالى في القرآن المكي: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69]، وهو الذي يُعنى به رجال السلوك والتربية الرُّوحية من المتصوفة ومن رضي طريقهم، ويشمل نوعين من الجهاد: أولهما: هو جهاد النفس. وثانيهما: هو جهاد الشيطان. وكلاهما لازم للآخر. وقد تحدثنا عن كل منهما.

وهناك (الجهاد الدَّعوِي)، وهو يعني: إيصال الدعوة، وتبليغ الرسالة إلى كل مَن لم تبلغه، بَدءًا بالأقرب فالأقرب، وهو المذكور في سورة الفرقان المكية: {فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً} [الفرقان:52]، أي بالقرآن، وقد أُمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبلِّغ ما أُنزل إليه من ربه، وأن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يجادل مخالفيه بالتي هي أحسن، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة:67]، {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125]، والأمة مبعوثة بما بُعث به رسولها، وعليها أن تبلِّغ دعوته إلى العالمين، وتتحمَّل في سبيل ذلك المشقة وأنواع البلاء، كما قال تعالى: {ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ...} إلى أن يقول: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت:1-6]، فالجهاد هنا هو جهاد الصبر على مشاقِّ الدعوة وأعبائها وعقباتها.

• ماهية الجهاد المدني:

وهناك (الجهاد المدني)، وهو المقصود بالحديث هنا، ونعني به: الجهاد الذي يلبِّي حاجات المجتمع المختلفة، ويعالج مشكلاته المتنوعة، ويغطِّي مطالبه المادية والمعنوية، وينهض به في سائر المجالات، حتى يتبوَّأ مكانته اللائقة به، وهو يشمل مجالات عدة: المجال العلمي أو الثقافي، والمجال الاجتماعي، والمجال الاقتصادي، والمجال التعليمي والتربوي، والمجال الصحي والطبي، والمجال البيئي، والمجال الحضاري بصفة عامة.

وهذا الجهاد لم يذكره الإمام ابن القيم في المراتب الثلاث عشرة للجهاد في (الهدي النبوي)، ولكنه جهاد تقوم عليه الأدلَّة الشرعية، من القرآن والسنة، كما يستند إلى مقاصد الشريعة.

وقد كنتُ تحدثتُ عن هذا (الجهاد المدني) في اجتماع مجلس أمناء (مؤسسة القدس) العالمية، الذي أتشرف برئاسته، وانتقد بعض الإخوة المشاركين: أننا لم نجعل (الجهاد) على رأس أهداف هذه المؤسسة المرجوَّة لنصرة القدس، والمحافظة عليها. وهو يقصد الجهاد العسكري، بمعنى القتال، كما هو معهود.

ولقد رددتُ على الإخوة المنتقدين: أننا لا نعارض الجهاد، ولا نبخسه حقه، وهو أعظم ما يُتقرَّب به إلى الله، ولكننا نؤمن بالتخصُّص، فهناك جماعات ومؤسسات تختصُّ بالجهاد القتالي أو الجهاد العسكري، ندعو لهم بالتوفيق في مهماتهم الجليلة ...

أما مؤسستنا فهي مؤسسة (مدنية)، وهي متخصِّصة في (الجهاد المدني)، الذي يعمل بكل قوة: تفكيرا وتخطيطا وتنفيذا، للمحافظة على مؤسسات المجتمع المدني في القدس، وتفعيلها، وإمدادها بكل عناصر الحياة والقوة، حتى تُؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها.

إن من واجب هذا الجهاد: أن يسعى جاهدا - ببذل الجُهد، ويتحمُّل الجَهد - حتى يُعلِّم الجاهل، ويُشغِّل العاطل، ويُدرِّب العامل، ويُشبع الجائع، ويكسو العاري، ويُؤوي المشرِّد، ويداوي المريض، ويُوفِّر تمام الكفاية لكلِّ محتاج. يجب أن يسعى ليبني المدرسة التي تَسَع كل تلميذ، والجامعة التي تَسَع كل طالب، والمستشفى الذي يعالج كل مريض، والمسجد الذي يصلي فيه كل متعبد، والنادي الذي يمارس هوايته فيه كل محبٍّ للرياضة.

وقد سألني بعض الإخوة الحضور الذين أعجبوا بهذا المصطلح (الجهاد المدني): هل هذا المصطلح من ابتكارك؟ قلتُ لهم: أعتقد ذلك، فأنا لم آخذه عن أحد. قالوا: نلتمس منك أن تثبته واقعا، وأن تؤصِّله شرعا وفقها، حتى يشيع استعماله، ويُعرف بنسبته إليك.

قلتُ: ليس المهمُّ أن ينسب إليَّ أو إلى غيري، وإن كان علماؤنا يقولون: من بركة القول أن يُسند إلى قائله. ولكن المهمَّ هو فكرة (التأصيل الشرعي) لهذا الجهاد، الذي يشمل عدة ميادين، منها: ميدان الجهاد العلمي، وميدان الجهاد الاجتماعي، وميدان الجهاد الاقتصادي، وميدان الجهاد التعليمي، ومثله الصحي والطبي، وغيرها.

• ( 1 ) الجهاد العلمي:

إن القرآن الكريم يشير إلى هذا النوع من (الجهاد العلمي)، حين أرشد إلى ضرورة توزيع القوى الفاعلة المختلفة في المجتمع على الساحات العلمية والعملية التي تتطلَّب تجنيد القوى لخدمتها، والنهوض بمطالبها، وتحقيق أهدافها.

وذلك في قوله تعالى في سورة التوبة بعد أن تحدَّث طويلا عن المنافقين الذين تخلَّفوا عن رسول الله، وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله و قوله تعالى بعد ذلك: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة:122]، فقرَّر القرآن الكريم بهذه الآية: قاعدة عظيمة من قواعد المجتمع المسلم، وهي عدم تكديس القوى في جانب واحد، ونسيان الجوانب الأخرى، فرغم أهمية الجهاد العسكري لحماية الأمة ودينها - ولا سيما في العصر النبوي الذي وقفت كل القوي في الداخل والخارج ضده - لا ينبغي أن يستأثر بكل الطاقات والقوى الفاعلة، وترك الساحات الأخرى فارغة، مثل ساحة العلم والتفقُّه في الدين، الذي تحتاج إليه الأمة حاجة أساسية، حتى يكون عملها وجهادها مؤسَّسا على بصيرة في الدين.

وقد أشار القرآن إلى أن السعي في طلب التفقُّه في الدين يعتبر ضربا من الجهاد، ولهذا عبر عنه القرآن بقوله: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} [التوبة:122]، فاستخدم كلمة {نَفَرَ}، التي تستعمل في الجهاد، مما يشير إلى أن الخروج إلى طلب العلم والتفقُّه فيه من ألوان الجهاد. وفي هذا جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع"[2[ .

• ( 2 ) الجهاد الاجتماعي:

ومن مجالات هذا الجهاد: المجال الاجتماعي، الذي يتعلَّق برعاية الأسرة من الوالدين والأولاد والأرحام.

ومن الدلائل الشرعية على أصالة هذا الجهاد المدني في تراثنا الإسلامي: ما رواه الشيخان: البخاري ومسلم وغيرهما، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء رجل إلى نبي الله يستأذنه في الجهاد، فقال: "أحيٌّ والدك؟". قال: نعم. قال: "ففيهما فجاهد"[3[

وفي هذا الجواب النبوي لطالب الجهاد: "ففيهما فجاهد". إرشاد إلى أن رعاية الوالدين، وخصوصا في حالة الكِبَر، وحاجتهما إلى مَن يقوم بأمرهما: هو لون من الجهاد المدني المطلوب في مقابل ما طلبه السائل من الجهاد العسكري.

ومَن راجع السنة النبوية: وجد فيها عددا من الأحاديث تؤكد هذا المعنى، وهو: اعتبار الرعاية الأُسْرية لونا من الجهاد الذي يحقِّق لصاحبه الأجر من الله، الذي يستحقُّ به نفس أجر الجهاد، ويهيِّئ له العذر في التخلُّف عن الجهاد.

ففي إحدى روايات صحيح مسلم للحديث السابق، أقبل رجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد، أبتغي الأجر من الله. قال: "فهل من والديك أحد حي؟". قال: نعم، بل كلاهما. قال: "فتبتغي الأجر من الله؟". قال: نعم. قال: "فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما"[4[

وروى الطبراني وغيره، عن أنس بن مالك، قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أشتهي الجهاد، ولا أقدر عليه. قال: "هل بقي من والديك أحد؟". قال: أمي. قال: "فاتقِ الله في برِّها، فإذا فعلتَ ذلك، فأنت حاج ومعتمر ومجاهد" [5[

وعن معاوية بن جاهمة: أن جاهمة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أردتُ أن أغزو، وقد جئتُ أستشيرك؟ فقال: "هل لك من أم؟". قال: نعم. قال: "الزمها، فإن الجنة عند رجلها"[6[

ومما يدخل في هذا السياق ما وجَّه نبي الإسلام الأمة إليه من خلافة المجاهد المقاتل في أهله وأسرته بخير، بحيث يلبِّي مطالبهم، ويصون حرماتهم، ويسدُّ ثغراتهم، ويعينهم على طلباتهم، ويذلِّل مصاعبهم، ويخفِّف عنهم متاعبهم. وهو ما نبَّه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه: "مَن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا"[7] . فليس الغازي مَن يحمل السلاح فقط، بل مَن خلف الغازي في أسرته، وكان لأبنائه أبا، فهذا له عند الله أجر الغازي ومثوبته، لأنه في هذه الحالة يجاهد ويقاتل وهو مطمئن القلب، مستريح الضمير، إلى أن أسرته لن تضيع من بعده، بل المجتمع كله في خدمتها ورعايتها والاستجابة لحاجاتها، عن طواعية وأريحية ورضا، من غير تكلُّف ولا افتعال.

وفي هذه الأحاديث يفتح النبي صلى الله عليه وسلم، للراغبين في الجهاد العسكري: بابا آخر - بل أبوابا أُخر - بديلا عن هذا الجهاد، وهو ما سمَّيناه (الجهاد المدني(

وبهذا التوجيه النبوي، علَّم الرسول الكريم أصحابه: أن يفتحوا أعينهم على ميادين كثيرة، يستطيعون أن يجاهدوا فيها بغير السيف والرمح وأسلحة القتال، منها: ما ذكرنا هنا، وهو ما يتعلق بالجهاد الاجتماعي.

• ( 3 ) الجهاد الاقتصادي:

وهناك من (الجهاد المدني): ما يتعلق بالجهاد الاقتصادي، وهو السعي لكسب الرزق، والمشي في مناكب الأرض الذلول، والأكل من رزق الله فيها.

فقد روى كعب بن عُجْرة رضي الله عنه، قال: مرَّ على النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فرأى أصحاب رسول الله من جَلَده ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله! (أي في الجهاد) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن كان خرج يسعى على ولده صغارا، فهو في سبيل الله! وإن كان يسعى على أبوين شيخين كبيرين، فهو في سبيل الله! وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفُّها، فهو في سبيل الله! وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة، فهو في سبيل الشيطان!" [8[

فانظر كيف قال الصحابة، حين رأوا هذا الرجل تبدو عليه مظاهر القوة والجَلَد والنشاط، فتمنَّوا أن يكون ذلك في سبيل الله، أي في الجهاد العسكري، فقد كان أكبر همِّهم أن يوفِّروا كل القوى لمواجهة الأعداء الذين يتربَّصون بهم الدوائر، ويكيدون كيدهم ليقتلعوا جذورهم. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم فتح لهم آفاقا جديدة في توسيع مفهوم الجهاد، الذي لا ينبغي أن يُحصر في الجانب القتالي وحده، فبيَّن لهم بعبارة واضحة: أن الذي خرج يضرب في الأرض، ويلتمس الرزق في خباياها، مبتغيا من فضل الله، إن كان خرج يسعى ليعول أولادا صغارا، أو يعول أبوين شيخين كبيرين، أو حتى إن كان خرج يسعى على نفسه، ليعفَّها عن سؤال الناس، ويكفيها بالحلال، فهو "في سبيل الله". ومعنى "في سبيل الله": أي في جهاد معتبَر في نظر الشرع ، يتقرب به صاحبه إلى الله .

إن الذي ركَّز عليه الرسول الكريم هو النية والباعث والهدف من وراء هذا السعي والنشاط، فما دام الساعي يسعى لتوفير الحاجات الاقتصادية المشروعة للمجتمع أو للأسرة أو حتى لنفسه، فهو في سبيل الله، أي في جهاد مقبول ومحمود، وإن كان هدفه مدخولا، وقد شابته شوائب الرياء والعلو في الأرض، والتكاثر والتفاخر، فقد خرج من دائرة الجهاد في سبيل الله، ليمضي في سبيل آخر، هو سبيل الشيطان.

الجهاد الاقتصادي إذن هو فرع من الجهاد المدني، وكل عمل ينهض باقتصاد المجتمع، وينقله من دائرة الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن الاستيراد إلى التصدير، ومن التبعية إلى الاستقلال والاكتفاء الذاتي، فهو لون من الجهاد المدني المنشود.

ومما جاءت به السنة النبوية: التنويه بالتكامل الاقتصادي، والتحذير من الاكتفاء ببعض مقومات الاقتصاد، وإهمال البعض الآخر، مثل الاكتفاء بالزراعة دون الصناعة وغيرها، مما يعرِّض كفاية الأمة للخطر، وهو ما جاء به حديث ابن عمر مرفوعا: "إذا تبايعتم بالعِينة، ورضيتم بالزرع، وتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلَّط الله عليكم ذُلاًّ لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم" [9[

والتبايع بالعِينة: صورة من صُور التحايل على أكل الربا، فهو بيع صورة، ربا حقيقة، والرضا بالزرع، واتباع أذناب البقر: يوحي بالمجتمع الزراعي المحض، الذي لا يفكر في تكميل اقتصاده بالصناعات والحِرَف المختلفة، والذي لا يكون كل همِّ أفراده إلا أن يتبعوا أذناب أبقارهم، ولا يهتمُّوا بشأن الأمة ورسالتها وتفوُّقها، ولهذا تركوا الجهاد في سبيل الله، لأن همَّ كل واحد منهم مصالح نفسه، لا هموم أمته. فلا عجب أن يسلِّط الله عليهم "ذلا" لا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم، ويفهموه حقَّ فهمه، بشموله وتكامله ، ويعملو به، ويعملوا له .

• ( 4 ) الجهاد التربوي:

وهناك (الجهاد التربوي) بإنشاء المدارس التي تعلِّم المسلمين ما يحفظ عليهم هُويَّتهم، ويبقي عليهم انتماءهم، ويغرس في قلوبهم وعقولهم حبَّ دينهم وأمَّتهم ووطنهم، حتى لا يفرِّطوا في أيِّ شيء منها، وإتاحة الفرصة للنابهين منهم، حتى يرتقوا إلى أعلى درجة في سُلَّم التعلُّم.

وهذا الجهاد التربوي ضروري لصنع الأمة القادرة على حمل رسالتها المتميِّزة لنفسها وللعالم. وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب.

• ( 5 ) الجهاد الصحي:

وهناك (الجهاد الصحي) ببناء المستشفيات والمراكز الصحية، التي تتيح العلاج لكلِّ مريض، وتعمل على رفع مستوى الصحَّة في المجتمع، ونشر الوعي الصحي والوقائي، فدرهم وقاية خير من قنطار علاج، كما قال الحكماء. كما قالوا أيضا: العقل السليم في الجسم السليم.

وفي الحديث الصحيح : " فر من المجذوم فرارك من الأسد " [10]وفي حديث آخر : "من يتوق الشر يوقه "[11[

• ( 6 ) الجهاد البيئي:

وهناك (الجهاد البيئي) الذي يحافظ على سلامة البيئة وحمايتها من كلِّ تلوث أو ضرر يصيبها، وينتج الخلل والاضطراب في الحياة، بل قد يفسد الحرث والنسل، والله لا يحبُّ الفساد، ورعاية البيئة وحمايتها من أخطار التلوُّث والاختلال: جزء من تعاليم الإسلام .

وقد ألفت كتابا كاملا في(رعاية البيئة في شريعة الإسلام)أثبت فيه بالأدلة الشرعية من القرآن والسنة ، ومن تراث الأمة ، سبق افسلام بالعناية البالغة بالبيئة وكل مكوناتها ، بوسائل شتي ، منها: التشجير والتخضير ، والبناء والتعمير ، والتنظيف والتطهير.

ويكفي في ذلك قوله تعالي: "ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها "(الأعراف:56) وقوله صلي الله عليه وسلم: "من قطع سدرة (شجرة سدر في الصحراء) صوب الله رأسه في النار"[12[

وقوله: "من قتل عصفورا عبثا ، عج إلي الله يوم القيامة ، يقول: يارب إن فلانا قتلني عبثا ، ولم يقتلني منفعة"[13[

وقوله: "لايبولن أحدكم في الماء الدائم "[14[

إلي آخر التوجيهات الإسلامية الكثيرة المتوافرة في هذا المجال.[15[

• الجهاد في نظر المستشرقين:

هذا الذي شرحناه في تعريف حقيقة الجهاد، وأنه يشمل عدَّة مراتب وأنواع، من جهاد نفس ، وجهاد دعوي ، وجهاد مدني ، وجهاد للظلمة ، وجهاد للأعداء ، اختزل هذا كله المستشرقون في أبحاثهم ودراساتهم (الأكاديمية) عن الجهاد في الإسلام في كلمة موجزة، هي: (نشر الإسلام بالسيف)، كما عبَّرت ذلك عنهم (دائرة المعارف الإسلامية)، التي كتبها المستشرقون، وترجمت إلى العربية، وقد كتب مادة (الجهاد) فيها أحد المستشرقين المعروفين، وهو (ماكدونالد) الذي قال تحت عنوان الجهاد: (نشر الإسلام بالسيف فرض كفاية على المسلمين كافَّة. وكاد الجهاد أن يكون ركنا سادسا من أركان الدين، أو فرض عين. ولا شكَّ أنه صار كذلك عند سلالة من الخوارج ...)[16[

ولا أدري ماذا يقصد الكاتب بـ(سلالة الخوارج)؟ هل يقصد ورثة (الحرورية) الذين قاتلوا علي بن أبي طالب وقاتلهم، وهم الذين قاتلوا الأمويين ثم العباسيين بعدهم، وامتشقوا السلاح دفاعا عن عقائدهم وأفكارهم؟ وهؤلاء لم يكن همُّهم نشر دين الإسلام بالسيف، كما يقول كاتب مادة (الجهاد). بل كان أكبر همِّهم قتال الأمراء الظالمين، بل الكافرين في رأيهم، ولم يتفرَّغوا لنشر الإسلام لدى الأمم الأخرى، فيما نعلم. وقد جعلت الأحاديث الصحاح من أخص أوصافهم:أنهم "يقتلون أهل الإسلام ، ويدعون أهل الأوثان" [17]

أو يقصد سلالة الخوارج الذين ورثوا فقههم وتراثهم العلمي، مثل (الإباضية) الذين يحكمون سلطنة عمان، ولهم وجود في الجزائر وبعض بلاد شمال إفريقيا، وفي زنجبار.

ومَن اطَّلع على كتب هؤلاء المعروفة والمنشورة، لم يجد أن الجهاد يعد ركنا من أركان الإسلام عندهم[18] . والله أعلم.

وسنناقش بتفصيل فكرة نشر الإسلام بالسيف، وأنها فرية ما فيها مرية. وذلك في الفصل الخامس من الباب الرابع من هذا الكتاب.


اترك تعليق