التلاعب بالأسعار

By : أ.د وسف القرضاوي

الإسلام يحب أن يطلق الحرية للسوق، ويتركها للقوانين الطبيعية تؤدي فيها دورها، وفقا للعرض والطلب. ومن أجل ذلك نرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين غلا السعر في عهده، فقالوا: يا رسول الله سعر لنا. قال: "إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال".

ونبي الإسلام يعلن بهذا الحديث أن التدخل في حرية الأفراد بدون ضرورة مظلمة يجب أن يلقى الله بريئا من تبعتها.

ولكن إذا تدخلت في السوق عوامل غير طبيعية كاحتكار بعض التجار وتلاعبهم بالأسعار فمصلحة المجموع هنا مقدمة على حرية الأفراد، فيباح التسعير استجابة لضرورة المجتمع أو حاجته، ووقاية له من المستغلين الجشعين، معاملة لهم بنقيض مقصودهم كما تقرر القواعد والأصول.

فليس معنى الحديث السابق حظر كل تسعير، ولو كان من ورائه رفع ضرر أو منع ظلم فاحش، بل قرر المحققون من العلماء أن التسعير منه ما هو ظلم محرم، ومنه ما هو عدل جائز.

فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباح الله لهم، فهو حرام.

وإذا تضمن العدل بين الناس، مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل، فهو جائز، بل واجب.

وفي القسم الأول جاء الحديث المذكور. فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم، وقد ارتفع السعر، إما لقلة الشيء أو لكثرة الخلق (إشارة إلى قانون العرض والطلب) فهذا إلى الله، فإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق.

أما الثاني فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها -مع ضرورة الناس إليها- إلا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل، والتسعير هنا إلزام بالعدل الذي ألزمهم الله به.


اترك تعليق