كتاب : فقه الجهاد الحلقة [ 29 ] : الباب الثالث : الجهاد بين الدفاع والهجوم (مناقشة أدلة الفريقين من الهجوميين والدفاعيين( الفصل الرابع : آية السيف وما قيل: إنها نسخت (140) آية ( 4 من 4(

By :

 

• ( 4 ) من عجائب ما قالوا في النسخ:

ومن عجائب ما قالوا في النسخ في القرآن: ما قاله الإمام أبو بكر بن العربي: (من أغرب آية في النسخ، قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف:199]، أول الآية منسوخ، وآخرها منسوخ، وأوسطها محكم[1] !! يعني: أن قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ} منسوخ، وقوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} منسوخ. وطبعا الناسخ هنا: آية السيف فيما يزعمون، وأما قوله: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} فهو غير منسوخ!

وهذا مع أن هناك من المفسرين مَن قالوا: إن هذه الآية جمعت مكارم الأخلاق، فكيف تُنسخ، والرسول عليه السلام قد قال عن نفسه: "إنما بُعثتُ لأتمِّم صالح الأخلاق" أو "مكارم الأخلاق"[2[

فأما قوله: {خُذِ الْعَفْوَ}، ففسِّر بأخذ العفو من المال، وقيل: نسخته الزكاة المفروضة. وفسِّر بأنه أخذ العفو من أخلاق الناس، يعني الأمر بالاحتمال، وترك الغلظة والفظاظة، كما قيل، وجاء هذا التفسير عن عبد الله وعروة ابني الزبير بإسناد صحيح) [3[

قال النحاس: وهذا أولى ما قيل في الآية، لصحة إسناده، وأنه عن صحابي يُخبر بنزول الآية، وإذا جاء الشيء هذا المجيء لم يَسَع أحدا مخالفته. والمعنى عليه: {خُذِ الْعَفْوَ}: أي السهل من أخلاق الناس، ولا تغلظ عليهم، ولا تعنِّف بهم. وكذا كانت أخلاقه صلى الله عليه وسلم: أنه ما لقي أحدا قط بمكروه في وجهه، ولا ضرب أحدا بيده[4] . وقيل لعائشة رضوان الله عليها: ما كان خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: كان خُلُقه القرآن [5[

ورجَّح الطبري أن هذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم في علاقته بالكفار، أمره بالرفق بهم بدلالة السياق[6[

وخالفه غيره، فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم، أُمر بالأخلاق السهلة اللينة لجميع الناس، بل هذا للمسلمين أولى، وقد قال ابن الزبير، وهو الذي فسَّر الآية: والله لأستعملن الأخلاق السهلة ما بقيت، كما أمر الله عز وجل)[7] . فهو يراها محكمة باقية.

وفي الآية: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ}، والعُرْف: هو المعروف، وهو: أن تعفو عمَّن ظلمك، وتعطي مَن حرمك، وتصلَ مَن قطعك، وقد جاء هذا في الحديث[8[

ومنها: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} زعم ابن زيد: أن هذا منسوخ بالأمر بالقتال. وقال غيره: ليست بمنسوخة، وإنما أُمر باحتمال مَن ظلم. وما بعد هذه الآية يدلُّ على ذلك: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [الأعراف:200[

وقد فسَّر ابن القيم هذه الآية الكريمة تفسيرا حسنا، في سياق حديثه عن جهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف كان تعامله مع الناس.

قال رحمه الله في الهدي النبوي: (فأمره عزَّ وجلَّ، باتقاء شرِّ الجاهلين بالإعراض عنهم، وباتقاء شرِّ الشيطان بالاستعاذة منه، وجمع له في هذه الآيات مكارم الأخلاق والشِّيَم كلها، فإن ولي الأمر له مع الرعية ثلاثة أحوال: فإنه لا بد له من حقٍّ عليهم يُلزمهم القيام به، وأمر يأمرهم به. ولا بد من تفريط وعدوان يقع منهم في حقه، فأمر بأن يأخذ من الحقِّ الذي عليهم ما تطوعت به أنفسهم وسمحت به، وسهُل عليهم، ولم يشقَّ، وهو العفو الذي لا يلحقهم ببذله ضرر ولا مشقة، وأمر أن يأمرهم بالعرف، وهو المعروف الذي تعرفه العقول السليمة، والفطر المستقيمة، وتُقرُّ بحسنه ونفعه، وإذا أمر به يأمر بالمعروف أيضا لا بالعنف والغلظة، وأمره أن يقابل جهل الجاهلين منهم بالإعراض عنه، دون أن يقابله بمثله، فبذلك يكتفي شرَّهم)[9] اهـ.

ومن الخطأ البين، أن يعتبر كل أمر جاء به القرآن بالإعراض عن المشركين: منسوخا بآية السيف، فهذا من التوجيه الخُلُقي، في القرآن، وتكوين الجانب الأخلاقي في الشخصية الإسلامية. ومثله لا يُنسخ.

وقد جاءت عِدَّة آيات تأمر بذلك، وذكر ابن كثير وغيره في تفسيرها: أنها مُحكَمة غير منسوخة.

منها ما جاء في سورة الأنعام: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَْ} [الأنعام:106]، فهو مأمور أن يتَّبع وحي الله إليه، مؤتمرا بأوامره، منتهيا عن نواهيه، معرضا عن المشركين، غير مبال بهم.

وفي سورة الحِجر: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر:94].

أمره أن يصدع بما أمره الله به، مبلِّغا رسالة ربه، ولا يبالي بالمشركين الذين يقفون في وجهه، ويصدُّون عن سبيله.

وفي سورة السجدة يقول تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ * فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ} [السجدة:28-30[

يذكر القرآن هنا: أن المشركين يستعجلون يوم الفتح، وهو يوم القضاء والفصل بينهم وبين المسلمين. وهو: إما يوم القيامة، الذي يفصل الله فيه بين الخلائق جميعا، أو يوم العذاب الذي يُنزل الله فيه بأسه الذي لا يردُّ عن القوم المجرمين، وإن أتى لم ينفع هؤلاء الإيمان لو آمنوا، لأنه إيمان المضطَّر الذي لم يعُد له خيار، فلا يُقبل، كما قال تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر:85[

فأُمر الرسول أن يُعرض عنهم، كما قال ابن كثير: (أي أعرض عن هؤلاء المشركين، وبلِّغ ما أنزل إليك من ربك، وانتظر فإن الله سيُنجز لك ما وعدك، سينصرك على مَن خالفك، إنه لا يخلف الميعاد، وقوله: {إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ} [السجدة:30]: أي أنت منتظر، وهم منتظرون، يتربَّصون بكم الدوائر، وسترى أنت عاقبة صبرك عليهم ... إلخ)[10[ .

وفي سورة النجم يقول تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} [النجم:30،29]، والإعراض في الآية لا يخرج عن معناه في الآيات السابقة، وهو الذي مدح الله به جماعة من المؤمنين بقوله: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص:55[

ومثل الأمر بالإعراض: الأمر بالتولِّي عن المشركين، كما قال تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ} [الصافات:174]، {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ} [القمر:6]، {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ} [الذاريات:54[

وكما أُمر الرسول الكريم أن يُعرض عن المشركين: أُمر أيضا أن يُعرض عن المنافقين، كما في قوله تعالى في سورة النساء: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً} [النساء:63[

وفي نفس السورة يقول سبحانه عن هؤلاء المنافقين: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} [النساء:81[

فالإعراض عن المنافقين في الآيتين لا يُتصوَّر أن يدَّعى أنه نسخ بآية السيف، لأن المنافقين لا يجاهدون بالسيف، إذ هم في الظاهر مسلمون، تجري عليهم أحكام المسلمين، ولكن معنى الإعراض عنهم: ألا يبالي بهم وبمكايدهم، ولا يجعل موقفهم عقبة في سبيل دعوته.

وروى البخاري في التفسير، باب {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف:199]، حديث ابن عباس: أن عُيينة بن حِصن - الزعيم البدَوي القَبَلي المعروف - قدم المدينة، فنزل على ابن أخيه الحُرِّ بن قيس، وكان ممَّن يدنيهم عمر ويستشيرهم ... فطلب منه عُيينة أن يستأذن له ليدخل على عمر، ففعل، وأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هِيْ يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجَزل، ولا تحكم بيننا بالعدل! فغضب عمر حتى همَّ به ... فقال له الحرُّ: يا أمير المؤمنين: إن الله تعالى قال لنبيه: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف:199]، وإن هذا من الجاهلين. والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافا عند كتاب الله[11[

فانظر: كيف استدلَّ الحرُّ بالآية، وكيف قَبِلها عمر، ووقف عندها، ولم يقُل: إن هذه الآية منسوخة، فهذا لم يقُله أحد من هؤلاء، لا عمر ولا تاليها الحُرُّ بن قيس، ولا راويها ابن عباس رضي الله عنهم جميعا.

• آية السيف نسخ آخرها أولها!! :

ومن غرائب ما قالوه في النسخ ما ذكره العلامة ابن العربي في قوله: (كل ما في القرآن من الصفح عن الكفار، والتولِّي والإعراض والكفِّ عنهم، فهو منسوخ بآية السيف، وهي قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة:5]، نسخت مائة وأربعا وعشرين آية، ثم صار آخرها ناسخا لأولها!! وهو قوله: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة:5])[12[

وقد زاد الأستاذ الدكتور مصطفى زيد في كتابه القَيِّم: (النسخ في القرآن الكريم) على ذلك مما قاله المفسرون أو بعضهم، فأوصلها إلى مائة وأربعين آية، زعموا أنها نسختها آية السيف، وهي الآية التي ذكرها ابن العربي عند الأكثرين، أو غيرها كما بيَّنا فيما سبق.

وردَّ الدكتور زيد رحمه الله، على هذه الأقوال كلها ردًّا علميا رصينا موثَّقا بالأدلة، فليراجع .

• تأويل الزركشي لآية السيف ومعنى النسخ فيها:

وذهب الإمام الزركشي في (البرهان) مذهبا مُغايرا لمَن قبله في تأويل معنى النسخ الذي ذكروه بآية السيف، وتفسيره تفسيرا جديدا، بحيث لا يلغي حكم النص المنسوخ بالكلية، بل هو مبنيٌّ على سبب يرتفع بارتفاعه، ويعود بعوده، وهو ما ذكره في بيان النوع الثالث من أنواع النسخ، قال رحمه الله:

(الثالث: ما أُمر به لسبب ثم يزول السبب؛ كالأمر حين الضعف والقِلَّة بالصبر وبالمغفرة للذين يرجون لقاء[13] الله ونحوه، من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحوها، ثم نسخه إيجاب ذلك. وهذا ليس بنسخ في الحقيقة، وإنما هو نسء؛ كما قال تعالى: {أَوْ ننسئها}[14] [البقرة:106]، فالمُنسأ هو الأمر بالقتال، إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى.

قال الزركشي: وبهذا التحقيق تبيَّن ضعفُ ما لَهَجَ به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف: أنها منسوخة بآية السيف، وليست كذلك، بل هي من المُنسأ، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعِلَّة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العِلَّة إلى حكم آخر، وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أبدا. وإلى هذا أشار الشافعي في (الرسالة) إلى النهي عن ادِّخار لحوم الأضاحي من أجل الدَّافة[15] ، ثم ورد الإذن فيه، فلم يجعله منسوخا، بل من باب زوال الحكم لزوال عِلَّته؛ حتى لو فجأ أهل ناحية جماعة مضرورون تعلَّق بأهلها النهي.

ومن هذا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ …} [المائدة:105]، كان ذلك في ابتداء الأمر[16] ، فلما قَوِى الحال وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمقاتلة عليه. ثم لو فرض وقوع الضعف كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ"[17] . عاد الحكم، وقال صلى الله عليه وسلم: "فإذا رأيتَ هوى متبعا، وشُحًّا مطاعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصِّة نفسك"[18[

وهو سبحانه وتعالى حكيم أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم حين ضعفه: ما يليق بتلك الحال، رأفة بمَن تبعه ورحمة، إذ لو وجب لأورث حرجا ومشقَّة؛ فلما أعزَّ الله الإسلام وأظهره ونصره، أنزل عليه من الخطاب ما يكافئ تلك الحالة مطالبة الكفار بالإسلام، أو بأداء الجزية - إن كانوا أهل كتاب - أو الإسلام أو القتل إن لم يكونوا أهل كتاب.

ويعود هذان الحكمان - أعني المسالمة عند الضعف، والمسايفة (استخدام السيف) عند القوة - بعود سببهما، وليس حكم المسايفة ناسخا لحكم المسالمة، بل كل منهما يجب امتثاله في وقته)[19] انتهى.

وقد نقل السيوطي في (الإتقان)[20] معنى هذا النصِّ، وإن لم يُشِر إلى أنه أخذه من الزركشي رحمه الله، كعادته فيما ينقل.

وهذا التفسير من الزركشي للنسخ بآية السيف يحسن أن يقبل إذا أخذناه في حالة الجهاد الواجب، مثل جهاد العدو إذا احتلَّ أرضا وعجز المسلمون عن مقاومته، كما في حالة احتلال روسيا للجمهوريات الإسلامية، وضمِّها قسرا إلى الاتحاد السوفيتي، وإدخالها رغم أنفها وراء الستار الحديدي. فهنا نقول لمسلمي تلك البلاد: الجهاد لمقاومة هذا العدو (مُنْسأ) ومؤجل حتى تتاح الفرصة، وتواتي القوة لمقاومته، والتحرِّر من نِيره، ومثل ذلك : احتلال الصين لتركستان الشرقية وضمها إلى دولته الكبرى بالقوة ، واعتبارها جزءا منها ، رغم أنهم من الجنس التركي لا الصيني ، ولغتهم الأصلية التركية ، فهؤلاء لا قدرة لهم على مقاومة الصين فسيصبرون إلى حين .

أما تفسير (الإنساء) هنا بأنه في حالة الضعف نكفُّ أيدينا عن الناس، وفي حالة القوة نقاتل العالم كله: مَن قاتلنا ومن كفَّ يده وألقى إلينا السلام، كما يدَّعي الهجوميون أو دعاة الحرب على العالم! فهذا ما نرفضه؛ لأنه ينافي الآيات الأخرى في سورة البقرة، وفي سورة النساء، وفي سورة الأنفال، وفي سورة الممتحنة، وغيرها. بل في سورة التوبة نفسها، حتى بعض الآيات التي قيل فيها: إنها آية السيف، مثل قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة:36]، لأن الآية هنا تأمر بالردِّ بالمثل. وهذا من العدل المشروع الذي لا يختلف في شرعيته اثنان.

وهل من المنطق أن نقول للناس (في الغرب والشرق): نحن لا يجب علينا أن نقاتلكم الآن، لأننا ضعفاء عسكريا، ولا نملك من الأسلحة ما تملكون، ولكن حين نملك مثل ما تملكون أو قريبا منه: سنقاتلكم جميعا؟!

هل يسوغ أن نقول هذا للناس: إننا تركنا قتالكم لضعفنا، ويوم نقوى ففرض علينا أن نغزوَكم في عقر داركم، حتى تُسلموا أو تعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون؟

إننا إذا قلنا هذا، فقد أغرينا العالم كله بحربنا، والوقوف ضد أطماعنا وتوسُّعنا، والتضامن لصدِّ خطرنا، وإيقاف زحفنا!!

وسيقول الناس عنا: إن أخلاقيات المسلمين غير ثابتة، فهم يبيحون لأنفسهم في حالة القوة ما لا يبيحون لها في حالة الضعف. ولا يمكننا أن نطمئنَّ إلى المسلمين في معاهدة أو مصالحة، لأنهم يحترمون ذلك ما داموا عاجزين، فإذا قدروا تغيَّر الحكم، وأباح لهم دينهم ما كان محظورا عليهم في التعامل مع الآخرين.

وهذه - ولا شك - سمعة سيئة للإسلام وأهله، تضرُّ بهم وبدعوتهم، وتجعلهم أشبه بما كنا نعيبه على الغربيين، الذين يؤمنون بازدواجية المعايير، والذين يقولون: إن الغاية تبرِّر الوسيلة، وإن المعاهدات إنما هي حُجَّة القويِّ على الضعيف. وإن القِيَم الأخلاقية لا ثبات لها، وأنها يمكن أن تتغيَّر بتغيُّر الظروف والأحوال، فتتحوَّل الفضيلة إلى رذيلة، والرذيلة إلى فضيلة.

وهذا ما ننكره اليوم على سياسة أمريكا في العالم، ومحاولتهم التحكُّم في مقاليده، وإخضاعه لفلسفتها، وهو ما تصنعه اليوم مع المسلمين، عربا وعجما، فهي تريد إخضاعهم لحكمها، وأن يكونوا جميعا طوع إرادتها، ورهن إشارتها، وهي تبرِّر استخدام القوة العسكرية الجبارة التي تملكها في البرِّ والبحر والجو، بأنها صاحبة الحضارة الإنسانية الحقَّة، التي تفوق كل الحضارات، وتتميز عليها. ومن حقِّها - بل من واجبها - أن تفرضها على العالم، لمصلحة العالم نفسه، قبل أن يكون ذلك لمصلحتها.

ولا نحب أن يكون موقفنا قريب الشبه بموقف أمريكا، فإن العالم كله يرفضها ويكرهها، ويعتبر سلوكها من الطغيان والجبروت والاستكبار في الأرض بغير الحقِّ، كما قال تعالى: {وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [إبراهيم:15]، {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر:35[

 


اترك تعليق