كتاب : فقه الجهاد ..الحلقة [ 48 ] : الباب الخامس : منزلة الجهاد ،وخطر القعود عنه، وإعداد الأمة له الفصل الثالث : خطر القعود عن الجهاد

By : أ.د وسف القرضاوي

 

ومما يجب التنبيه عليه، ولفت الأنظار إليه، والتحذير منه: خطر القعود عن الجهاد الواجب، وفشوُّ التقاعس عنه بين القادرين عليه. وانتشار الشحِّ الهالع، والجبن الخالع، وفقدان روح الجهاد، ونيَّة الجهاد في الأمة، وشيوع روح الميوعة والطراوة بين أبنائها وشبابها، وانتشار أخلاق الفردية والأنانية، وحبِّ الدنيا، وحبِّ الذات، وانكباب كلِّ شخص على مصالحه وشؤونه الخاصة، وإهمال شأن الأمة. فهذا كله يجسِّد خطرا على الأمة: خطرا على أفرادها، وخطرا على مجموعها، حيث تثَّاقل إلى الأرض، ويغلب عليها الجبن والخَور، والركون إلى الدنيا، وكراهية الموت، والحرص على الحياة، والرضا بحياة الذلِّ والهوان.

وهذه الأخلاق هي التي ذمَّ الله بها بني إسرائيل قديما حين قال: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} [البقرة:96]، وقال: {لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ} [الحشر:14]، وقال: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ * ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا} [آل عمران:111،112].

وضرب لنا القرآن مثلا حيا لجبنهم وخورهم وتقاعسهم عن الجهاد مع نبيهم الذي أنقذهم الله على يديه - موسى عليه السلام - حين قال لهم: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة:21-25].

أربعون سنة يتيهون في صحراء سيناء، لا يستطيعون دخول الأرض المقدسة، عقوبة من الله لهم على تقاعسهم، حتى ينشأ في هذه السنين جيل جديد قادر على الإقدام والاقتحام.

فرغم أن سيدنا موسى قال لهم: {ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}، أي كتب لكم دخولها، كان يكفي هذا الوعد الذي تلاه عليهم موسى دافعا لخوضهم المعركة، ورغم تخويفهم من الارتداد على أدبارهم، ورغم تشجيع الرجلين المؤمنين لهما: أن {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ}. رغم هذا كلِّه أصرُّوا على الجبن والقعود، وقالوا بصريح العبارة: {إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}.

وهي عبارة تدلُّ على منتهى الخسَّة والهوان، ومنتهى السفالة والوقاحة؛ فقد قالوا: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ} كأنه ربُّه وحده وليس ربُّهم. وقالوا بكلِّ نذالة: {فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}! فلم يَسَع موسى إلا أن يقول: {رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي} فهؤلاء القوم أجسامهم معه، وقلوبهم ليست معه، فهو لا يملكهم، ولا يملك من أمرهم شيئا، وقد سمَّاهم {الْفَاسِقِينَ}: {فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}، فكان الجواب الإلهي له: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة:26].

أين هؤلاء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين قالوا له يوم بدر: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون[1] . وقالوا: والله لو استعرضتَ بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلَّف منا رجل واحد [2]؟

وقصَّ علينا القرآن قصة أخرى لبني إسرائيل تخلَّفوا فيها - إلا قليلا منهم - عن الجهاد، وقد كتب عليهم، وهم الذين طلبوه من نبيهم بعد أن أُخرجوا من ديارهم وأبنائهم، فهو جهاد تحرير ودفاع عن الأرض والعِرض: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِن بَنِي إِسْرائيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة:246].

• حثُّ القرآن على الجهاد والتحذير من تركه:

حثَّ القرآن الكريم على الجهاد، وشدَّد فيه، وبيَّن مقامه من الإيمان ومنزلته في الإسلام، وذلك بأساليب شتَّى.

فتارة يبيِّن منزلته من الإيمان، كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات:15].

وتارة يأمر به أمرا صريحا، كما يأمر بعبادة الله وتقواه، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة:35].

وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ} [الحج:78،77].

وقوله سبحانه: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} [النساء:74].

وأحيانا يأمر بأشياء هي من المعينات على الجهاد، وأسباب النصر فيه، كما في قوله عزَّ وجلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً} [النساء:71].

وقوله سبحانه: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال:60].

وأحيانا أخرى يحرِّض على الجهاد والقتال بأسلوب قوي يستثير الهمم، ويحفز العزائم، كما في قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً} [النساء:75].

وتارة يرغِّب المؤمنين في الجهاد بما ربط الله به من أطيب الثمرات، وأحسن المثوبة في الدنيا والآخرة، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف:10-13].

ومن ذلك تذكيرهم بما أعدَّ الله للمجاهدين على كلِّ عمل أو جهد يبذلونه، أو مشقَّة يعانونها ما دام ذلك في سبيل الله، كما قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [التوبة:121،120].

ومن هنا حذَّر القرآن الكريم والسنة النبوية من خطر القعود عن الجهاد إذا وجب، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء:78،77].

وحملت سورة التوبة حملة شعواء على (المنافقين) الذين قعدوا عن الجهاد الواجب بأعذار واهية، وتعلاَّت مكذوبة، وكشفت آيات السورة سرَّهم، وفضحت سترهم، حتى سمِّيت (الفاضحة). ولا سيما مع دعوة الرسول لهم واستنفارهم إلى الجهاد معه، وذلك في غزوة تبوك التي كان سيواجه فيها أكبر قوَّة في العالم يومئذ، وهي دولة الروم.

يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة:38،39] وفي هذا السياق جاء قوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة:41].

ويحمل على المنافقين بقوله: {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة:42].

وعقَّب على استئذانهم رسول الله في التخلُّف عن غزوة تبوك، فقال: {لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة:45،44].

وفي نفس السورة: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [التوبة:81،82].

وفي السورة يقول أيضا: {وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ * رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ} [التوبة:86،87].

وقال تعالى في مفاصلة حاسمة: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:24].

قال ابن النحاس: (في هذه الآية الشريفة من التهديد والتحذير والتخويف لمَن ترك الجهاد - رغبة عنه، وسكونا إلى ما هو فيه من الأهل والمال - ما فيه كفاية، فاعتبروا يا أولي الأبصار)[3] .

• تحذير السنة من ترك الجهاد:

وفي السُّنَّة النبوية نجد أحاديث كثيرة تنعي على الأمة أفرادا وجماعات إذا هي أهملت أمر الجهاد، وتخلَّفت عنه، وعن الإعداد والاستعداد له ماديا ومعنويا، عسكريا واقتصاديا، اجتماعيا وثقافيا.

وأول ما ينبغي الاهتمام به: اصطحاب نية الجهاد عند الدعوة إليه، أو حضور أسبابه الموجبة له. وفي هذا جاء الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن مات ولم يغزُ ولم يحدِّث به نفسه: مات على شعبة من النفاق"[4] .

وقد ذكر الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب جملة أحاديث في الترهيب من ترك الجهاد، منها:

(1) - ما أورده عن أبي عمران [5] قال: كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفًّا عظيما من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر؛ وعلى أهل مصر عقبة بن عامر رضي الله عنه، وعلى الجماعة فَضَالَة بن عُبيد رضي الله عنه، فحمل رجل من المسلمين على صفِّ الروم حتى دخل بينهم، فصاح الناس، وقالوا: سبحان الله! يُلقي بيده إلى التهلكة.

فقام أبو أيوب، فقال: أيها الناس إنكم لتؤوِّلون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعزَّ الله الإسلام، وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرًّا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله تعالى قد أعزَّ الإسلام، وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا، وأصلحنا ما ضاع منها؛ فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم ما يردُّ علينا ما قلنا، {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195]. وكانت التهلكةُ الإقامةَ على الأموال وإصلاحها، وتَرْكَنا الغزو[6] ، فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دُفن بأرض الروم[7] رواه الترمذي وقال: حديث غريب صحيح[8] .

(2) - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا تبايعتم بالعِينة[9] ، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذُلاًّ لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم". رواه أبو داود، وغيره، من طريق إسحاق بن أُسيد نزيل مصر[10] .

والحديث يشير إلى عدد من الرذائل إذا اجتمعت في الأمة، فقدت عزَّتها، وسُلِّط عليها غيرها: أكل الربا وإن أخذ صورة البيع، واهتمام كل فرد بشؤونه الخاصة، التي تتمثَّل في أخذ كلِّ واحد بذَنَب بقرته، وإهمال الصناعات، والاكتفاء بالزرع، وهو قصور في كفاية الأمة يعرِّضها للخطر، وخصوصا إذا انضاف إلى ذلك ترك الجهاد في سبيل الله.

وفي قوله: "حتى ترجعوا إلى دينكم": دليل على أن ترك الجهاد والإعراض عنه، والركون إلى الدنيا، والتحايل على الربا، إلى آخر ما ذكر الحديث: خروج عن الدين الحقِّ، ومفارقة له، وكفى به إثما مبينا.

(3) - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن مات ولم يغزُ، ولم يحدِّث به نفسه، مات على شعبة من النفاق"[11] . رواه مسلم، وأبو داود والنسائي [12].

(4) - وعن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ترك قوم الجهاد إلا عمَّهم الله بالعذاب". رواه الطبراني بإسناد حسن [13]

• ترك الجهاد عند تعيُّنِهِ من الكبائر:

واعتبر علاَّمة متأخري الشافعية ابن حجر الهيتمي - في كتابه (الزواجر عن اقتراف الكبائر) - ترك الجهاد عند تعينه مع القدرة عليه: كبيرة من الكبائر. يقول الهيتمي: (الكبيرة التسعون والحادية والثانية والتسعون بعد الثلثمائة: ترك الجهاد عند تعينه، بأن دخل الحربيون دار الإسلام، أو أخذوا مسلما وأمكن تخليصه منهم، وترك الناس الجهاد من أصله، وتَرْكُ أهل الإقليم تحصين ثغورهم؛ بحيث يُخاف عليها من استيلاء الكفار بسبب ترك ذلك التحصين)[14] .

واستدلَّ الهيتمي بقوله تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195]، على تفسير أن التهلكة - كما جاء عن أبي أيوب الأنصاري - هي ترك الجهاد، والانشغال بإصلاح المال والزرع وغيرها.

كما استدلَّ بما ذكرنا من الأحاديث ثم قال: (تنبيه: عدُّ هذه الثلاثة ظاهر؛ لأن كل واحد منها يحصل به من الفساد العائد على الإسلام وأهله ما لا يُتدارك خرقه، وعليها يحمل ما في هذه الآية والأحاديث من الوعيد الشديد، فتأمَّل ذلك، فإني لم أرَ أحدا عرض لعدِّ؛ ذلك مع ظهوره)[15] .

• حديث: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر":

ومن الناس من يهوِّن من أمر الجهاد - ولا سيما بعض المشتغلين بالتصوُّف غير الملتزم - بترويج حديث استندوا إليه، وعوَّلوا عليه، وشهروه بين أتباعهم، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بعد رجوعه من إحدى الغزوات: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر: جهاد النفس"[16] !

• الرد على من استدل بهذا الحديث في تهوين أمر الجهاد :

وردُّنا على مقولة هؤلاء من أربعة أوجه:

الوجه الأول:

أن الحديث لم يصحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجماع أئمة هذا الشأن. ولا وجود لهذا الحديث في كتب السنة ودواوينها المعروفة من الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم.

قال الحافظ ابن حجر في (تسديد القوس): هو مشهور على الألسنة، وهو من كلام إبراهيم بن أبي عبلة [17].

ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه بلفظ آخر عن جابر قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم من غزاة له، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قدمتم خير مَقدِم، وقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر". قالوا: وما الجهاد الأكبر، يا رسول الله؟ قال: "مجاهدة العبد هواه"[18] .

وفي سنده خلف بن محمد بن إسماعيل الخيام، قال الحاكم: سقط حديثه، وقال أبو يعلى الخليلي: خلط، وهو ضعيف جدا، روى متونا لا تُعرف.

وقال الحاكم وابن أبي زرعة: كتبنا عنه الكثير، ونبرأ من عُهدته، وإنما كتبنا عنه للاعتبار[19] .

وفيه - أيضا - يحيى بن العلاء البَجَلي، قال الإمام أحمد عنه: كذَّاب يضع الحديث، وقال عمرو بن علي والنسائي والدراقطني: متروك الحديث، وقال ابن عدي: وأحاديثه موضوعة[20] .

وقال الإمام ابن تيمية رحمه الله: (وأما الحديث الذي يرويه بعضهم، أنه قال في غزوة تبوك: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، فلا أصل له، ولم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله. وجهادُ الكفار من أعظم الأعمال، بل هو أفضل ما تطوَّع به الإنسان)[21] انتهى.

وروي عن إبراهيم بن أبي عبلة رحمه الله - وهو تابعي صغير ثقة - أنه كان يقول لمَن جاء من الغزوة: قد جئتم من الجهاد الأصغر، فما فعلتم في الجهاد الأكبر؟ جهاد القلب[22] !

قال الدارقطني: إبراهيم بن أبي عبلة، ثقة في نفسه، والطرق إليه ليست تصفو[23] ، ومعنى هذا: أن نسبته إلى هذا العالم الكبير ليست صحيحة، ولو صحَّت فلا حُجَّة فيها، لأنها مقولة بشر غير معصوم.

قال الشهيد حسن البنا في رسالته (الجهاد): (على أنه لو صحَّ، فليس يعطي أبدا الانصراف عن الجهاد والاستعداد لإنقاذ بلاد المسلمين، وردِّ عادية أهل الكفر عنها، وإنما يكون معناه: وجوب مجاهدة النفس حتى تُخلص لله في كلِّ عملها. فليعلم)[24] اهـ.

والوجه الثاني:

أن الجهاد بمعنى القتال في سبيل الله لا يخلو من جهاد النفس، وأن النفس عادة تجنح إلى السلامة، وتحبُّ الحياة، وترغب عن الموت، فلا بد للمؤمن الذي يختار طريق الجهاد: أن يقاوم نزعات نفسه، ولا سيما مع تثبيطات المثبِّطين من حوله، وشيوع الوَهْن في الأمة، وهو "حبُّ الدنيا وكراهية الموت"، كما فسَّره النبي صلى الله عليه وسلم[25] .

فعن سَبرَة بن الفَاكِه رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الشيطان قعد لابن آدم بطريق الإسلام، فقال: تُسلم وتَذَر دينك ودين آبائك؟ فعصاه فأسلم، فتركه. فقعد له بطريق الهجرة، فقال له: تهاجر وتَذَر دارك وأرضك وسماءك؟ فعصاه فهاجر، فقعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد، وهو جهد النفس والمال، فتقاتل فتُقتل، فتُنكح المرأة، ويُقسَم المال؟ فعصاه فجاهد"[26] .

وحدَّثنا القرآن عن الملأ من بني إسرائيل كيف تولَّوا عن القتال عندما كُتب عليهم، مع أنه قتال دفع لا قتال طلب. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِن بَنِي إِسْرائيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة:246].

هذا ما جاء عن بني إسرائيل. أما عن هذه الأمة فقد جاء قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء:78،77].

وفرق ما بين هذه الأمة وبني إسرائيل: أنهم لما كتب عليهم القتال تولَّوا إلا قليلا منهم. أما هذه الأمة، فلم يتولَّوا ولم يرفضوا، ولكن (فريقا) منهم هو الذي أصبح يماحك ويجادل في أمر القتال، وسرعان ما استجابوا لنداء الإيمان، وحُجج القرآن.

وقال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:216]، وهذا خطاب عام للمسلمين عامة وللصحابة خاصة. ومع هذا قال: {وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة:216].

وقال تعالى عن غزوة بدر: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ} [الأنفال:5،6].

وهؤلاء فريق من المؤمنين - لا من المنافقين - خرجوا إلى بدر وهم كارهون، لأنهم لم يكونوا متهيئين للقتال.

وكل هذا يدلُّنا بوضوح على أن الجهاد القتالي ليس بالأمر الهيِّن، بل يحتاج إلى مجاهدة نفسية، حتى ينشرح صدر المؤمن للقتال، ويقول: {لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة:51]، وإنما هي إحدى الحسنيين: النصر أو الجنة!

ولذا حدَّثنا القرآن عن ثِقَل الجهاد على المنافقين، حتى إنهم يحاولون الفرار منه بتعلاَّت، واعتذارات شتَّى، يردُّها الله عليهم، كما قال تعالى: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} [التوبة:81].

وقال تعالى: {وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ * رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ} [التوبة:86،87].

والوجه الثالث:

أننا لو سلَّمنا بصحة هذا الحديث جدلا، لكان علينا - بمنطق الحديث نفسه - أن نبدأ بالجهاد الأصغر، متدرِّجين إلى الجهاد الأكبر، كما هي سنة الله في الأشياء والأمور كلِّها: البداية بالصغير انتهاء إلى الكبير.

وما دام القتال في سبيل الله وفق منطق الحديث هو الأصغر، فليكن البدء به. ولا يجوز تأخيره. ومنطوق الحديث المزعوم: أنه عليه الصلاة والسلام قاله، وهو راجع من الغزو والقتال.

الوجه الرابع:

أن ما صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بيَّن لنا: أن القتال في سبيل الله هو أعلى مراتب الجهاد.

فعن عمرو بن عَبَسَة أن رجلا قال: يا رسول الله، أيُّ الإيمان أفضل؟ قال: "الهجرة". قال: وما الهجرة. قال: "أن تهجر السوء". قال: فأيُّ الهجرة أفضل؟ قال: "الجهاد". قال: وما الجهاد؟ قال: "أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم". قال: فأيُّ الجهاد أفضل؟ قال: "مَن عُقر جواده، وأُهريق دمه"[27] .

وعن عبد الله بن حُبْشِي الخَثعَمي: أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل جملة من الأسئلة، كان منها: فأيُّ الهجرة أفضل؟ قال: "مَن هجر ما حرَّم الله" قيل: فأيُّ الجهاد أفضل؟ قال: "مَن جاهد المشركين بنفسه وماله" قيل: فأيُّ القتل أشرف؟ قال: "مَن أُهريق دمه، وعُقر جواده"[28] .

فدلَّ هذان الحديثان على أن الجهاد الأفضل والأكبر هو: أن يجاهد الإنسان بنفسه وماله في سبيل الله. وأن أعلى مراتب الجهاد: أن يُسفك دمه في سبيل الله، ويُعقر جواده في سبيل الله، أي أنه ضحى بنفسه وماله جميعا في سبيل الله.


اترك تعليق