هل تتولي المرأة مجلس إدارة المسجد أو رئاسة اللجان المشرفة عليه؟

By : د.جاسر عودة

 

استقر في أذهان كثير من المسلمين - وبعضهم من أهل العلم - أن المرأة غير مؤهلة لقيادة دولة ولا مؤسسة ولا حتى سيارة. وهذا الحكم سببه الخلط بين خصوصية بعض الأحكام الشرعية التي فيها تفريق بين الرجال والنساء لاعتبارات معينة وبين أصل التساوي بين الرجال والنساء في حمل مسؤوليات هذا الدين، بل وحقيقة أن كثيراً من النساء مؤهلات للقيام بأدوار قيادية إسلامية أكفأ من كثير من الرجال، وهذا ما يؤكده بوضوح الواقع المعيش. 

وقد نشر المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث بحثاً للأستاذ الدكتور على محيي الدين القره داغي تحت عنوان المرأة والمشاركة السياسية والديمقراطية، ناقش فيه باستفاضة آراء المجيزين والمانعين لتولي المرأة المناصب القيادية، ثم كتب يقول:

والذي يظهر لي رجحانه هو أن الأصل هو التكامل من خلال توزيع الأدوار بين الرجل والمرأة دون الاحساس بأن دور أي منهما يقل عن الآخر، فالبقاء البشري مرهون بأن تقوم المرأة بالحمل والانجاب ورعاية الأسرة، فهذا هو من أعظم الأدوار في الدنيا والآخرة، فهو دور تربية الرجال وصناعة الأجيال  ... ومع الحفاظ على هذا الدور العظيم المبارك فإن المرأة لها الحق في المشاركة السياسية، وفي شغل المناصب القيادية ما عدا الإمامة العظمى إذا توافرت الشروط الآتية: 

• توفير الأجواء المناسبة شرعاً التي تدرأ من حيث الظاهر المفاسد والمحظورات الشرعية من الخلوة  المحرمة، والنظر ونحو ذلك .

• التزام المرأة التي تريد الولاية بضوابط الشرع بالأخلاق والقيم الإسلامية، وفي الملبس ونحوه.

• أن لا تكون مشاركتها السياسية وولايتها العامة على حساب اولادها واسرتها، وبعبارة أخرى فإن أهم ولاية ودور للمرأة هي صناعة الأجيال وتربية الرجال والأبطال، وتوفير السكنى والأمن لزوجها ولنفسها ولأسرتها، أما إذا تعارضت المشاركة مع هذا الدور الأساس الأصيل، فإنها تصبح محظورة في نظري .

وبهذه الشروط الشرعية يجوز في نظري المشاركة السياسية للمرأة، وتولي المناصب القيادية المناسبة لفطرتها وبنيتها، بل إن بعض المناصب التربوية والتعليمية تكون المرأة فيها أولى من الرجال. 

والأمر الذي نناقشه هنا حول تولي المرأة مناصب القيادة في إدارة المسجد والجمعيات الإسلامية أهون كثيراً من المناصب السياسية والوزارية والقضائية التي رجع الشيخ القره داغي جوازها بعد بحث مستفيض، وهو الرأي الذي يحقق استفادة المجتمع المسلم من المرأة المسلمة وقدراتها وإسهامها الخيري والدعوي.

 

 

 

خلاصات 

يمكن أن نخرج من هذا البحث بعدد من الخلاصات النافعة إن شاء الله تعالى، نوجزها في ما يلي:

• منع النساء من المساجد في هذا العصر بدعة مقيتة تضر بالإسلام أيما ضرر، ولابد من عودة المرأة المسلمة إلى المسجد، ولا يجوز منعها جماعياً أو فردياً.

• نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة تدل على حض المسلمين ذكوراً وإناثاً دون تمييز على عمارة المسجد وذكر الله والصلاة فيه، والصحابيات رضي الله عنهن كن جزءاً لا يتجزأ من المسجد ونشاطه العبادي والعلمي والاجتماعي.

• حديث عائشة رضي الله عنها «لو أدرك رسول الله ما أحدث النساء لمنعهن» كان من باب سد الذرائع في حالة طارئة في عصرها ولم تقصد إلغاء الإباحة أو الندب الأصليين. 

• الذريعة في هذا العصر ينبغي أن تفتح بدلاً من أن تسد، فتيسر السبل وتذلل العقبات التي قد تعوق المرأة عن حضور المسجد حتى تحقق مقاصد المسجد في الإسلام.

•  حديث أم حميد الذي ينص على أن صلاتها في بيتها خير من صلاتها في المسجد هو من باب النصح لها لحل خلاف زوجي خاص ولا يقصد به التشريع العام الذي يلزم كل مسلمة. 

• حديث فاطمة رضي الله عنها "لا يراها رجل" وما في معناه ضعيف سنداً ومعنى.

• لا يصح أن يكون ذهاب المرأة إلى المسجد على حساب واجباتها الأكثر أولوية شرعاً تجاه أسرتها وأولادها، ولابد للزوج أن يتعاون معها بما لا يخل كذلك بواجباته الأكثر أولوية شرعاً، والمسألة تحتاج إلى توازن واعتدال. 

• التصميم الشائع للمسجد الذي تقتضي عزل النساء في غرف ضيقة ومداخل خلفية للمسجد تعطي انطباعاً واضحاً للزوار من غير المسلمين وكذلك للشباب والفتيات وكأن الإسلام "يهمش" و"يعزل" المرأة، وينبغي أن يتغير هذا التصميم.

• تصميم المسجد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان تصميماً مفتوحاً فيه يصطف الرجال في صفوف تبدأ من خلف الإمام وتصطف النساء في صفوف تبدأ من مؤخرة المسجد، ودون حوائط ولا ستائر، رغم قدرتهم على وضعها.

• كانت النساء على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وما بعده يرين الإمام في نفس الساحة، مما ساعدهن على التلقي والتواصل والتركيز، بل وحفظ القرآن من تلاوة الإمام.

• حديث «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها» لا يدل إلا على أفضلية التبكير إلى الصلاة وهو أيضاً مرتبط بظرف تاريخي كان فقر الصحابة رضي الله عنهم لا يسمح لهم بامتلاك أزر طويلة بما يكفي تمام الستر في السجود.

•  مرور امرأة أمام رجل يصلي لا يقطع صلاته وليس عليه إعادة الصلاة، والحديث المروي في عكس هذا المعنى ردته أم المؤمنين عائشة بناء على ما علمت من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

•  للأطفال أن يصطفوا صفوفاً خاصة في المسجد ويجوز أن يؤم القراء منهم الصلاة، وتوجيه البالغ للطفل خلال الصلاة له أصل من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

• عادات بعض المجتمعات الإسلامية في منع الأطفال من المساجد تخالف صريح سنة الرسول صلى الله عليه وسلم. 

• الأصل أن أبواب المسجد مشتركة بين الرجال والنساء، والأولى في هذا العصر أن يكون مدخل المسجد الرئيس مفتوح للجميع رجالاً ونساء، حتى لو اقتضت الظروف أن يكون هناك باب إضافي مخصص للنساء. 

• يحرم أن يسيئ الرجال القول إلى النساء أو يعاملوهن بفظاظة إذا دخلن من ما يسمونه "أبواب الرجال" كما نرى في واقعنا.

• سنة المصطفي صلى الله عليه وسلم في مسجده تدلنا على تعامل طبيعي بين الرجال والنساء في المسجد في الشؤون الدينية والاجتماعية المختلفة، والتجاوزات الفردية التي حدثت من بعض الرجال أو النساء كان التعامل معها بالنصيحة والتذكير دون تغيير في تصميم المسجد نفسه.

• في أحاديث المساجد وصف دون حرج لحسن المرأة أو وضاءة وجهها أو سواد لونها أو سَفْع في خديها أو فَطَس في أنفها أو طول قامتها، مما يدل على حدود التعامل الطبيعي بين الرجال والنساء في إطار المسجد.

• ليس هناك لباس خاص للمرأة في الصلاة أو في المسجد إلا الحجاب الشرعي المعروف، والتشديد الوحيد على خصوصية المسجد كان نهياً منه صلى الله عليه وسلم عن التعطر بشكل لافت.

• استقر الأمر في الفقه الإسلامي أنه لا يجب على المرأة شهود الجمع والجماعات كما هو الحال على الرجل، ولكن يندب للمرأة حضور الجمع والجماعات إذا لم يكن هناك عائق يعوقها عن حضورها.

• يجوز للحائض دخول المسجد والبقاء فيه وقراءة القرآن وسائر الأعمال المشروعة إلا الصلاة.

• إمامة المرأة للنساء في الصلاة مشروعة، وتؤذن لهن وتقيم. وحديث "لا تؤم المرأة" ضعيف.

• لا يصح أن تؤم المرأة الرجال في المسجد، وما ورد من جواز أن تؤم المرأة أهل دارها في مسجد البيت صحيح ولكنه حسب الظروف الخاصة بالمرأة وأهل دارها.

• للمرأة أن تحضر النشاط الاجتماعي والخيري والترفيهي في المسجد وتجلس مع محارمها خلاله.

• للمرأة المسلمة أن تعتكف في خباء في المسجد وتزور المعتكف.

• للمرأة أن تلقي دروس العلم للرجال والنساء في المسجد.

• للمرأة أن تتولى إدارة المسجد وعضوية لجانه الخيرية والتنفيذية تعييناً وانتخاباً.

 

 

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم

 


اترك تعليق