الشيخ الغزالي كما عايشته (1):

By :

الشيخ الغزالي كما عايشته (1):

د. محمد الصغير


عايشت الشيخ "محمد الغزالي" ومؤلفاته التي تجاوزت السبعين، وهو مطلق الكثرة عند العرب، من خلال بحث التخصص "الماجستير" الذي كان بعنوان "الشيخ محمد الغزالي وجهوده في رد مطاعن المستشرقين" ثم أطروحة العالمية "الدكتوراه" والتي كانت بعنوان "قضايا العقيدة في فكر الشيخ محمد الغزالي" فوقفت على بحر زاخر ومورد عذب في قالب من السهل الممتنع الذي يعرب ويطرب وأحببت أن أشارككم جملة من الفوائد والفرائد التي أفدتها من رحلتي معه.

الإمام البنا

كان يرى الإمام الشهيد حسن البنا هو مجدد القرن الرابع عشر، مع تأصيله أن فكرة التجديد على رأس كل مئة عام كما جاء في الحديث ليس شرطا أن تكون محصورة في شخص ربما تزامن عدة أشخاص أو قامت به جماعة من الناس.
وكان الإمام البنا أول من تنبه إلى نبوغه مبكرا وبوأه الصدارة شابا وبقي الغزالي وفيا للبنا وفكره وإن خرج عن دائرة التنظيم، لأن العباقرة لا تحدهم دائرة، ولأن التنظيمات في الأعم الغالب تضيق إحكاماتها بإبداعات المفكرين.
كذلك وجدت الشيخ الغزالي لا يقدم أحدا من علماء الأزهر الشريف على الإمام الشيخ محمد عبد الله دراز، ويراه من نفحات الدهر وبركات الزمان، وتحدث عن كتابه النبأ العظيم باعتباره باكورة ما كتب في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
ونسج هو على منواله تفسيرا موضوعيا للقرآن الكريم طبع في ثلاثة أجزاء، وكانت الموسوعية هي أهم ما ميز الإمام دراز عن غيره عند الشيخ الغزالي فقد كان فقهيا محدثا أصوليا مفسرا، ويجيد اللغة الفرنسية.
أتم الشيخ الغزالي حفظ القرآن الكريم في سن العاشرة وبقي محافظا على ورد المراجعة اليومي حتى لما تولى الإشراف على الدعوة في الوزارة الأوقاف كان يذهب قبل الدوام الرسمي بوقت يكفي لمراجعة الورد اليومي.
عناوين مؤلفات الشيخ محمد الغزالي جديرة بالتأمل وكثيرا ما أعاود قراءتها، فهي تدل على شخصيته وفكره، وكذلك المقدمات التي يبدأ بها المؤلفات تجد فيها كتابة من أوجز فأعجز واختصر فاعتصر.

الكتاب الأكثر أهمية

وأرى كتابه "جدد حياتك" من أنفس ما كتب، ولا يكتفى بقراءته مرة واحدة ومن نوادر ملابسات التأليف أنه كتب كتاب تأملات في الدين والحياة وكان طالبا.
والذي يطالعه يجد نفس لغة الغزالي وحبكته وطريقته.
ثم كتاب "الإسلام والاستبداد السياسي" الذي ألقاه في استراحة التراويح في سجن الطور، وألح عليه رفاقه بكتابة ما كان يعظهم به، ورفض في بداية الأمر معتبرا أن ما حدث من تأثر مرده إلى طبيعة المكان والظروف المصاحبة، ومع كثرة الإلحاح بدأ يكتب فكان كأنه يسمع صوته ويكتب ما يسمعه فجاء كما ألقاه في حينها.
أما كتابه الماتع "فقه السيرة" فقد كتبه في الروضة الشريفة في المسجد النبوي وكثيرا ما اختلط الدمع بالمداد.
كان يكثر من ذكر الشيخ محمد المدني والشيخ على الخفيف أكثر من غيرهم من شيوخه وهما من جيل الرواد في الأزهر الشريف.
يعتبر الشيخ الغزالي امتدادا صالحا لمدرسة المنار وشيخها الإمام المجدد محمد رشيد رضا وكان يقول عن المنار هي أزكى مدرسة ظهرت في العصر الحديث.
وقد نوقشت رسالة دكتوراه في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة حول هذا المعنى وعنوانها: “فكر الشيخ محمد الغزالي في إطار مدرسة الإصلاح المصرية". 
سئل الشيخ الغزالي لماذا لا تكتب عن الأئمة كمالك والشافعي وغيرها كما كتب عنهم الشيخ محمد أبو زهرة فقال؛ أنى لي بالإمامة فإنه لا يكتب عن الأئمة إلا إمام.
كانت حفاوته بالشيخ القرضاوي بالغة ويرى أن الله أخرجه إلى قطر ليخرج من القطرية إلى العالمية وكان فخورا بأن العلامة القرضاوي يعتبره من شيوخه.
وكان الغزالي يعلق على ذلك بأن هذا كان في السابق أما الآن فالقرضاوي شيخنا في الفقه والفتوى.
ولا ينفك العلامة القرضاوي عن ذكر التلمذة على الشيخ الغزالي، مع فارق السن غير الكبير بينهما لكنه تواضع الكبار ومعرفة أقدار الرجال.
كانت مناظرة الكاتب فرج فوده في معرض القاهرة للكتاب ودحض شبهات العلمانيين والليبراليين هي جولة من جولات دفاعه عن العقيدة والشريعة وشهد في المحكمة التي حاكمت من قتل فرج فوده بمثل ما شهد به أمام جمهور المناظرة.
ما جعلت أروقة المحكمة تهتز بهتاف المتهمين:
الله أكبر الله أكبر
فليرتفع صوت الأزهر

في الميدان

 لقي الشيخ محمد الغزالي ربه في الميدان الذي طالما صال فيه وجال في الدفاع عن الإسلام ودحض تخرصات خصومه، حيث شهد مؤتمر الجنادرية في مدينة الرياض وكان الكاتب الأردني فهمي جدعان يبشر بقدوم العلمانية التي أصبحت الآن واقعا مشاهدا، فغضب الشيخ وطلب كلمة للرد والتصحيح وأخذ يدون هذا في نقاط ثم فاضت روحه إلى بارئها ووفق الله في نقله إلى المدينة النبوية ليدفن في البقيع بالقرب من الإمام مالك والإمام نافع، وكان منتهى أمله أن يدفن في مقابر الإمام الشافعي في مصر لتشمله رحمة الله مع فقراء المسلمين، وكان من عادته أن يكتب مقالات تنشرها بعض الصحف فوجدوا في جبته المقال الأخير وكان وصية المودع وعنوانه: حاجة العالم إلى رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد رأيته بخط الشيخ طيب الله ثراه وجعل الجنة داره ومثواه.

الكاتب

د. محمد الصغير
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.


اترك تعليق