الحلقة الثامنة والعشرون: دوافع إنكار دعوة الإسلام في العهد المكِّيِّ

By :

من كتاب السِّيرة النَّبويّة للدكتور علي محمّد محمّد الصّلابيّ

الحلقة الثامنة والعشرون: دوافع إنكار دعوة الإسلام في العهد المكِّيِّ

بعد أن أعلن النبي صلى الله عليه وسلم نبوته ودعوته إلى الله والإسلام جهراً ، كانت الوسيلة الإعلاميَّة في ذلك العصر، تناقل النَّاس للأخبار مشافهةً، وسمع القاصي، والدَّاني بنبوَّة الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، وصار هذا الحدث العظيم حديث النَّاس في المجالس، ونوادي القبائل، وفي بيوت النَّاس، لكن المشركين اعترضوا على ذلك، وكان اعتمادهم في الاعتراض على إنكار دعوة الإسلام، فما هي دوافع إنكار دعوة الإسلام في العهد المكِّيِّ؟، نذكر منها:

  1. ضعف تأثير النبوات في جزيرة العرب:

كان العرب الَّذين بُعِثَ فيهم النبي صلى الله عليه وسلم بعيدين عن الدِّيانات السَّماويَّة، فلم يكونوا يدينون بدينٍ؛ ولم ينشغلوا بدراسة كتابٍ سماويٍّ - كما كانت تفعل اليهود، والنَّصارى - ولهذا احتجَّ الله عليهم ببعثة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، يقول الله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ *أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ *أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ كَذَّبَ بِآيات اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ ﴾ [الأنعام: 155 - 157] .

وكان لتغلغل المعتقدات الوثنيَّة في حياتهم، وعقولهم، وسيطرتها على تفكيرهم أثرٌ عظيم في تصلُّبهم أمام الحقِّ، وإبائهم الانقياد والإذعان لدعوته، هذا فضلاً عن أنَّ طبيعة النَّفس البشريَّة حين لا تدين بدينٍ سماويِّ، فإنَّها تبتعد عن التجرُّد والصَّفاء العقديِّ، وتميل إلى التَّجسيم المادِّيِّ الحسِّيِّ، ولذلك أقدم عُبَّاد الأصنام على بذل نفوسهم وأموالهم، وأبنائهم دونها، وهم يشاهدون مصارع إخوانهم، وما حلَّ بهم، ولا يزيدهم ذلك إلا حبّاً لها، وتعظيماً، ويوصي بعضهم بعضاً بالصَّبر عليها، وتحمُّل أنواع المكاره في نصرتها وعبادتها، وهم يسمعون أخبار الأمم الَّتي فُتنت بعبادتها، وما حلَّ بهم من عاجل العقوبات.

  1. العصبيَّة لتراث الآباء، والأجداد:

كان أكبر طاغوتٍ تحارَب به دعوات الرُّسل والأنبياء - عليهم الصَّلاة والسَّلام - هو طاغوت التَّقليد، والعادة المتبعة، وهي من أكبر العوامل في الصَّدِّ عن دين الله، ومن الصَّعب على الإنسان الخروج من مألوفاته، وإنَّ ذهاب روحه أهون عليه من تغييرها؛ إلا أن يدخل في قلبه ما يقتلعها، وقد أشار القرآن الكريم إلى مرض تقليد الاباء في الباطل في الأمم السَّابقة؛ فهذا إبراهيم - عليه السلام - يخاطب قومه قائلاً: ﴿إِذْ قَالَ لأِبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ *قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ *قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ *أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ *قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ [الشعراء: 70 - 74] .

وهذا المنهج هو دأب المشركين، والمعارضين لدين الله على مرِّ الأجيال، وإذا استنكر عليهم الدُّعاة الأطهار المصلحون ولوغهم في الشَّهوات، وانهماكهم في الفواحش، وساءلوهم عن ذلك، قالوا: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 28] .

ما ذلك إلا لفقدان الدَّليل، وانقطاع الحجَّة؛ إذ إنَّهم لا يعتمدون على عقلٍ يرشدهم، ولا كتابٍ يؤيِّدهم، ولذلك قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدىً وَلاَ كِتَابٍ مُنِيرٍ *وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾ [لقمان: 20 - 21] .

وإنَّما أوقع الكفارَ في هذا التَّقليد المنحرف استدراجُ الشَّيطان لهم من خلال فطرة مركوزةٍ في الإنسان أصلاً، تدعوه إلى الوفاء للاباء، والأجداد، وتربطه بتاريخه وتراثه، وهذا من أعظم وسائل الشيطان في الكيد: أن يأتي الإنسانَ من قبل غريزةٍ مطبوعةٍ فيه؛ من حبِّ الشَّهوة، والوطن، والمال، وغيرها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : «إنَّ الشَّيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: تُسْلِمُ، وتذر دينك، ودين ابائك، واباء أبيك؟ فعصاه، فأسلم، ثمَّ قعد له بطريق الهجرة، فقال: تهاجر، وتدع أرضك، وسماءك؟! وإنَّما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطَّوَل! فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد؟! فهو جهد النَّفس، والمال، فتقاتل، فتقتل، فتُنكح المرأة! ويُقسم المال! فعصاه فجاهد».

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : «فمن فعل ذلك كان حقّاً على الله - عزَّ وجلَّ - أن يدخله الجنَّة، ومن قتل كان حقّاً على الله - عزَّ وجلَّ - أن يدخله الجنَّة، وإن غرق كان حقّاً على الله أن يدخله الجنَّة، أو وَقَصَتْهُ دابته كان حقّاً على الله أن يدخله الجنة» [النسائي (6/21 - 22) وأحمد (3/483) وابن حبان (4593)] .

فلما بُعث النبيُّ صلى الله عليه وسلم، كان من التُّهم الَّتي وُجِّهت إليه: أنَّه كان يدعو إلى خلاف ما عهدوا عليه الآباء والأجداد، وبذلك نفَّروا منه العامَّة والدَّهماء، وفرضوا على الدَّعوة نوعاً من الحصار المؤقت.

  1. موقف أهل الكتاب المساند للوثنيَّة:

كانت بيئة العرب الوثنيَّة مستعدَّةً لمواجهة دعوة التَّوحيد، ومحاربتها، ووجدت في موقف أهل الكتاب الرَّافض للدَّعوة مستنداً قويَّاً لهذه المعارضة، فهاهم أهل التَّوراة، والإنجيل، وورثة الكتب السَّماوية، ينكرون دعوة محمَّد صلى الله عليه وسلم ، ويردُّونها، ويكذِّبونها، وهم أدرى منَّا بالدِّين، وهذا كان مصدر دعمٍ، وتقويةٍ، وتثبيتٍ لموقف المشركين: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأَُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ *مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخرةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ ﴾ [ص: 6 - 7] .

فمن عوامل الصَّبر على الآلهة في مواجهة الدَّعوة الجديدة: أنهم لم يسمعوا بما جاء به صلى الله عليه وسلم  في الملَّة الآخرة، وهي النَّصرانيَّة، قاله ابن عباس، والسُّدِّيُّ، ومحمَّد بن كعب القرظيُّ، وقتادة، ومجاهد، وهذا مبنيٌّ على شهادة أهل الكتاب للمشركين ضدَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، وإلا فما كان للعرب من علمٍ بالكتب السَّماوية، وما فيهامن الحقائق والأخبار.

  1. سيطرة الأعراف، والعوائد القبليَّة:

كان الصِّراع القبليُّ، والتَّنافس على الرِّياسة، والشَّرف، والسُّؤدد، ذا جذورٍ في الأعراف، والعوائد القبليَّة، ولذلك تجد المعارضين للدَّعوة المنتسبين للبطن الَّذي ينتسب إليه الرَّسول صلى الله عليه وسلم ، يحتجُّون على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنَّه ليس شيخاً ذا رياسةٍ، وتقدُّمٍ فيهم، والمعارضين من البطون الأخرى يرفضون الإسلام خوفاً على مناصبهم، ومكانتهم، والمعارضين من القبائل الأخرى يرفضونها حفاظاً على مراكز قبائلهم، وتكبُّراً على اتِّباع فردٍ من قبيلةٍ أخرى، فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: «إنَّ أوَّل يومٍ عرفت فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كنت أنا، وأبو جهل بن هشام في بعض أزقَّة مكَّة؛ إذ لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  لأبي جهل: يا أبا الحكم! هَلُمَّ إلى الله، وإلى رسوله، إنِّي أدعوك إلى الله، فقال أبو جهل: يا محمد! هل أنت مُنتهٍ عن سبِّ الهتنا؟ هل تريد إلا أن نشهد أن قد بلغت؟ فوالله! لو أنِّي أعلم أنَّ ما تقول حقاً ما تبعتك! فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقبل عليَّ، فقال: والله! إنِّي لأعلم أنَّ ما يقوله حقٌّ، ولكن بني قصيٍّ قالوا: فينا الحجابة، فقلنا: نعم، قالوا: فينا النَّدوة، قلنا: نعم، قالوا: فينا اللِّواء، قلنا: نعم، قالوا: فينا السِّقاية، قلنا: نعم. ثم أطعموا، وأطعمنا حتَّى إذا تحاكَّت الرُّكب؛ قالوا: منا نبيٌّ! فلا والله لا أفعل» [البيهقي في دلائل النبوة (2/207)] .

  1. حرصهم على مصالحهم ومكانتهم وتأثيرهم على العرب:

فقد كانوا يريـدون أن تبقى لهم منزلتهم المرموقـة، وأمجادهم العريقـة، ويريدون أن تبقى لمكَّة قداستها عند القبائل العربيَّة؛ إذ كانوا يظنُّون: أنَّ الإسلام سيسلبها هذه الميزة، ويجعل العرب يغزونها، ويمتنعون عن جلب الرِّزق إلى أسواقها، وينسون: أنَّ الله هو المُنعم عليهـم بالأمن والرِّزق: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [القصص: 57] .

إنَّ قريشاً كانت تظنُّ: أن العرب الَّذين يقدِّسون الأصنام، عندما يعلمون: أنَّ قريشاً ستعتنق ديناً جديداً، وستترك دين ابائهم؛ فإنَّهم سينقضُّون عليها، ويتخطَّفون أهلها؛ جزاءَ ما فعلوا، بل ويمتنعون عن جلب الرِّزق إليهم في مواسم الحجِّ، لكن هيهات! فإنَّ الله غالبٌ على أمره، يقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴾ [العنكبوت: 67]، ويقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ *إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ *وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [الصافات: 171 - 173].

 


اترك تعليق