التفاؤل وبناء الأمّة (2)

By : )الدكتور عطية عدلان (عضو الاتحا

التفاؤل وبناء الأمّة (2)

الدكتور عطية عدلان (عضو الاتحاد)

 لقد عاش الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتحوا تلك البلاد ووطئوا أكنافها بأرجلهم، ورأوا بأعينهم سراقة بن مالك يلبس سواري كسرى بعد انتصار الجيش الإسلاميّ في نهاوند، فازدادوا إيمانا مع إيمانهم واستبشارا مع استبشارهم وتفاؤلا بالخير والبناء، فكان هذا التفاؤل له دوره البارز في مدّ سلطان الإسلام إلى شرق الأرض وغربها، وفي إقامة صرح حضاريّ هائل، عاشت البشرية في ظله زمانا سعيدا امتد لقرون عديدة.

 

وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينطق بما يوحى إليه؛ فقد ترك فينا الوحي المعصوم كله، تركه ينطق بالحق الكبير الذي يفجر ينابيع التفاؤل، فكيف نذهل عن ذلك الوعد الربانيّ الكريم: "وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ" (الأنبياء: 105)، بل كيف ننسى ذلك الوعد الأكثر صراحة وتحديدا: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" (النور: 55).

 

ونحن إذ نستقبل تحولا حضاريا كبيرا، ونعاني لأجله حالة الخروج من عنق الزجاجة؛ نحتاج إلى إحياء التفاؤل؛ لننطلق الانطلاقة الكبرى التي سيتحقق بها وعد الله لهذه الأمة بالنصر والتمكين. وما لا يعلمه كثير من الناس، أنّ مفكري الغرب يرون ما لا نرى نحن؛ وهذا سرّ الحرب المجنونة التي يشنّها الغرب علينا، وفي الوقت الذي ينبعث فينا التفاؤل، تراهم يعانون من حالة من التشاؤم غير مبررة في ظاهر الأمر، وتسمع الناصح لهم يصرخ فيهم: "نحن لا نملك شيئا لنكون متشائمين نحوه عدا التشاؤم نفسه.. وإنّ تدوير الغرب ليعود إلى التفاؤل سوف يستغرق حركة فكرية جديدة كاملة، وليس هناك أيّ علامة على مثل هذا التحول في الأفق".

 

وإذا كنّا قد ابتلينا بما ابتلينا به على أثر الانقلابات على الموجة الأولى من الثورة، فإنّها (مهما كانت قسوتها) ليست آخر الدنيا، والأيام دول، وانكسار الطريق لا يعني نهايته، وكتاب الله هو الذي يقرر هذه الحقائق الكبرى: "وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" (آل عمران: 140). وقد نزلت هذه التقريرات عقب أحداث أحد، ونزل معها هذا الأمر المانع من الإحباط: "ولا تهنوا ولا تحزنوا إن كنتم مؤمنين".

 

فلا تهنوا ولا تحزنوا ولا تيأسوا ولا تحبطوا، بل تفاءلوا وأبشروا وبشروا، وانشروا روح التفاؤل والأمل، ولكن لا بدّ مع ذلك من مواصلة العمل، وغدا (إن شاء الله) سوف نتذاكر تلك الأحداث ونتذاكر معها دعواتنا للتفاؤل، عندها سوف نغتبط كما اغتبط الأولون، ونقول مثلهم: "عند الصباح يحمد القوم السرى".


اترك تعليق