﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ صدق الله العظيم.
إن فقد العلماء الربانيين من أعظم ما تُبتلى به الأمة؛ فهم ورثة الأنبياء، وحملة العلم، وحراس الهوية، وبناة الأجيال. وإذا رحل عالمٌ صادقٌ أفنى عمره في خدمة القرآن الكريم وعلومه، بقي أثره شاهداً عليه في تلامذته ومؤلفاته وما خلّفه من علمٍ نافع.
وبقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، يتقدم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريمة، وإلى الشعب الجزائري، وإلى الأمة الإسلامية عامة، في وفاة الإمام المحقق والباحث القرآني البارز الشيخ الدكتور أحمد بن أحمد بن معمر شرشال رحمه الله، الذي انتقل إلى جوار ربه بعد حياة زاخرة بالبذل والعطاء في خدمة القرآن الكريم وعلومه، حتى غدا من أبرز المتخصصين المعاصرين في علم رسم المصحف الشريف وضبطه.
عَلَمٌ بارز في خدمة الرسم العثماني وعلوم القرآن
مثّل الشيخ الدكتور أحمد بن أحمد بن معمر شرشال رحمه الله واحداً من أبرز أعلام الدراسات القرآنية المعاصرة، وكرّس جهوده العلمية لخدمة كتاب الله تعالى، ولا سيما علم رسم المصحف الشريف وضبطه، حتى أصبح مرجعاً معتمداً للباحثين وطلاب الدراسات العليا والمتخصصين في هذا المجال.
وقد ارتبط اسمه بهذا الفن القرآني الدقيق عبر عقود من البحث والتحقيق والتدريس، وأسهم إسهاماً بارزاً في إحياء تراثه العلمي وتحقيق مصادره الأصيلة وتقريب مسائله للدارسين، فترك بصمة علمية راسخة ستظل حاضرة في الدراسات القرآنية المعاصرة.
رحلة علمية بدأت بحفظ القرآن وتوّجت بالتخصص في علومه
نشأ رحمه الله في بيئة محافظة عُرفت بعنايتها بالقرآن الكريم وعلومه، فكان لذلك أثر بالغ في توجيه مسيرته العلمية منذ مراحلها الأولى. وقد أتم حفظ القرآن الكريم ونال إجازته في حفظه بعين الأشياخ سنة 1968م، لتبدأ بذلك رحلة علمية مباركة كان القرآن الكريم محورها وغايتها.
وعُرف منذ شبابه بحب العلم، والجدية في التحصيل، والمثابرة في الطلب، فجمع بين الدراسة النظامية والاجتهاد الذاتي، مما أسهم في بناء شخصية علمية راسخة قامت على التحقيق والتأصيل.
ومع تقدمه في مسيرته العلمية، تفرغ لدراسة علوم القرآن الكريم، وأولى عناية خاصة بعلم الرسم العثماني وضبط المصحف الشريف، فغاص في مصادره التراثية دراسةً وتمحيصًا، واستفاد من المناهج الأكاديمية الحديثة في البحث والتحليل، حتى غدا من أبرز المتخصصين في هذا الفن في العصر الحاضر.
تكوين أكاديمي رفيع ومشروع علمي راسخ
نال الشيخ رحمه الله عدداً من المؤهلات العلمية المتميزة، من أبرزها:
• شهادة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى في القراءات من كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنة 1992م.
• شهادة الماجستير في التفسير وعلوم القرآن بتقدير ممتاز من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنة 1409هـ.
• شهادة الليسانس في القرآن الكريم وعلومه بتقدير ممتاز من كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية سنة 1984م.
• شهادة الثانوية العامة في اللغة والأدب من الجزائر سنة 1977م.
• عدد من الشهادات التربوية المتخصصة في التربية وعلم النفس.
وقد كانت أطروحته للدكتوراه تحقيقاً ودراسة لكتاب «مختصر التبيين لهجاء التنزيل» للإمام أبي داود سليمان بن نجاح الأندلسي، أحد أهم مصادر علم الرسم العثماني، وقد عُدت هذه الرسالة من الأعمال العلمية الرائدة في هذا المجال.
منهج التحقيق والتأصيل في خدمة الرسم العثماني
تميّز الشيخ الدكتور أحمد بن معمر شرشال رحمه الله بمنهج علمي رصين جمع بين أصالة التلقي عن العلماء، ورصانة البحث الأكاديمي، ودقة التحقيق العلمي.
فقد اعتمد في أبحاثه على أمهات المصادر الأصلية، وحرص على تتبع النصوص في مظانها الأولى، وأولى المخطوطات عناية خاصة، فجمع نسخها وقابل بينها واستخرج فروقها، ساعياً إلى تقديم النصوص في أقرب صورة إلى ما وضعه مؤلفوها.
كما امتاز بدقة التوثيق والتحرير العلمي، والعناية بالمصطلحات الفنية المتعلقة بعلمي الرسم والضبط، مع قدرة متميزة على الجمع بين التأصيل النظري والتطبيق العملي، بما أسهم في توضيح كثير من القضايا العلمية المتخصصة.
وعُرف رحمه الله بالأمانة العلمية والموضوعية والدقة المنهجية، فلم يكن أسير التقليد، وإنما كان يناقش الآراء ويوازن بينها وفق الدليل والمعايير العلمية، الأمر الذي أكسبه مكانة مرموقة بين الباحثين والمتخصصين في الدراسات القرآنية المعاصرة.
حضور علمي ومشاركة مؤسسية واسعة
شارك الشيخ رحمه الله في خدمة القرآن الكريم وعلومه من خلال التدريس والبحث العلمي والإشراف الأكاديمي والعمل المؤسسي، وأسهم في عدد كبير من اللجان والهيئات العلمية داخل العالم الإسلامي وخارجه.
ومن أبرز مسؤولياته العلمية:
• عضو لجنة تطوير المناهج بوزارة التربية في دولة الكويت.
• عضو لجنة تطوير مقررات قسم القراءات بجامعة أم القرى.
• عضو لجنة برنامج الماجستير في التفسير وعلوم القرآن بجامعة الكويت.
• عضو الهيئة العالمية لتحفيظ القرآن الكريم التابعة لرابطة العالم الإسلامي.
• عضو لجان التحكيم في المسابقات القرآنية الدولية بدبي وبروناي.
• عضو هيئة تحرير عدد من المجلات العلمية المحكمة.
• عضو لجنة تدقيق وتصحيح مصحف جامعة السلطان الشريف علي الإسلامية.
• رئيس وعضو عدد من لجان المناهج والدراسات العليا والامتحانات.
وقد عُرف في مختلف هذه المواقع بالكفاءة العلمية العالية، والحرص على ترسيخ معايير الجودة الأكاديمية، وخدمة الدراسات القرآنية وتطويرها.
إرث علمي باقٍ ومؤلفات خادمة لكتاب الله
خلّف الشيخ رحمه الله تراثاً علمياً نفيساً في خدمة القرآن الكريم وعلومه، ومن أبرز مؤلفاته وتحقيقاته:
- مختصر التبيين لهجاء التنزيل للإمام أبي داود سليمان بن نجاح، في خمس مجلدات.
- الطراز في شرح ضبط الخراز.
- أصول التربية والتعليم كما رسمها القرآن الكريم.
- مخالفات النساخ ولجان المراجعة والتصحيح لرسم المصحف الإمام.
- الوقف والوصل في القرآن الكريم.
- النهج السديد في مقررات التجويد.
- أصول الضبط لأبي داود سليمان بن نجاح.
- الذكر ومقاصده في القرآن الكريم.
- عشرات البحوث والدراسات المحكمة في علوم القرآن، والقراءات، والرسم، والضبط.
كما شارك في تحكيم العديد من الكتب والأبحاث العلمية المتخصصة، وأسهم في إثراء الحركة العلمية وخدمة البحث الأكاديمي في مجال الدراسات القرآنية.
أثر علمي ممتد ومآثر خالدة
يُعد الشيخ الدكتور أحمد بن معمر شرشال رحمه الله من أبرز من أسهموا في إحياء التراث العلمي المتعلق برسم المصحف الشريف وضبطه خلال العقود الأخيرة، حيث أعاد تحقيق عدد من المصادر الأساسية التي كانت حبيسة المخطوطات، وربط بين جهود العلماء المتقدمين ومناهج البحث الأكاديمي الحديثة، وقرّب هذا العلم الدقيق إلى الباحثين وطلاب الدراسات العليا.
وقد انتفع بعلمه طلاب الجامعات والباحثون والمتخصصون في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وأصبح اسمه مقترناً بخدمة الرسم العثماني والضبط القرآني، بما تركه من مؤلفات وتحقيقات وأبحاث علمية رصينة.
ويمثل رحمه الله نموذجاً مشرقاً للعالم المتخصص الذي سخّر عمره لخدمة القرآن الكريم، فجمع بين أصالة التكوين، وعمق المعرفة، ودقة التحقيق، وحسن التعليم، وترك أثراً علمياً سيظل حاضراً في الدراسات القرآنية المعاصرة لأجيال قادمة.
وإن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إذ يعزي أسرة الفقيد الكريمة وتلامذته ومحبيه، ويعزي الشعب الجزائري والأمة الإسلامية في هذا المصاب، فإنه يسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يرفع درجاته في عليين، وأن يجزيه عن القرآن الكريم وأهله وعن العلم وطلابه خير الجزاء، وأن يجعل ما خلّفه من علم نافع وعمل صالح في ميزان حسناته إلى يوم الدين.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
الدوحة: ٢٣ ذو الحجة ١٤٤٧هـ
الموافق: 9 يونيو 2026م
د. علي محمد الصلابي أ. د. علي محيي الدين القره داغي
الأمين العام الرئيس