الدكتور علي القره داغي وريادة الاقتصاد الإسلامي الحديث
بقلم: أحمد شوقي عفيفي
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
شهد العالم الإسلامي خلال العقود الخمسة الماضية نهضة متسارعة في مجال الاقتصاد الإسلامي، تجلت معالمها في نشأة المصارف الإسلامية، واتساع صناعة التمويل الإسلامي، وتأسيس الهيئات الشرعية والمؤسسات البحثية المتخصصة. وفي خضم هذه النهضة المباركة برزت نخبة من العلماء الذين أسهموا في تشييد هذا الصرح الحضاري وترسيخ دعائمه الفكرية والعملية،
وكان في طليعتهم الدكتور علي محيي الدين القره داغي، الذي يعد أحد أبرز أعلام الاقتصاد الإسلامي وفقه المعاملات المالية المعاصرة في العصر الحديث.
فقد جمع الدكتور القره داغي بين رسوخ التكوين الشرعي وعمق الخبرة الاقتصادية،
ووظف هذا الجمع الفريد في خدمة مشروع الاقتصاد الإسلامي على المستويين النظري والتطبيقي. ولم تقتصر جهوده على التدريس الجامعي والتأليف العلمي، بل امتدت إلى الإشراف على الهيئات الشرعية، والمشاركة الفاعلة في المجامع الفقهية والمؤتمرات الدولية، والإسهام المباشر في صياغة العديد من التطبيقات العملية التي قامت عليها المؤسسات المالية الإسلامية المعاصرة.
وتنبع أهمية الحديث عن الدكتور القره داغي من كونه نموذجا للعالم الموسوعي الذي استطاع أن ينقل الفقه الإسلامي من رحاب التنظير إلى ميادين التطبيق، وأن يقدم للشريعة الإسلامية صورة ناصعة تؤكد قدرتها على مواكبة المستجدات الاقتصادية المعاصرة دون إخلال بثوابتها الراسخة أو مقاصدها العليا.
نشأته العلمية وتكوينه الفكري:
نشأ الدكتور علي القره داغي في بيئة علمية محافظة، تشرب فيها حب العلم وتلقى مبادئ الثقافة الإسلامية الأصيلة، فكان لذلك أثر بالغ في تكوين شخصيته العلمية والفكرية. وقد هيأت له مسيرته الأكاديمية فرصة الجمع بين الدراسات الشرعية والعلوم الاقتصادية، وهو ما أضفى على شخصيته العلمية بعدا متميزا قل أن يتوافر لغيره من الباحثين.
ومنذ بواكير حياته العلمية أدرك أن التحدي الحقيقي الذي يواجه الأمة الإسلامية لا يتمثل في قلة النصوص الشرعية أو ضعف التراث الفقهي، وإنما يكمن في القدرة على استيعاب الواقع المتغير وتنزيل الأحكام الشرعية عليه بصورة تحقق مصالح الناس وتواكب تطورات الحياة.
ومن هذا المنطلق وجه اهتمامه نحو دراسة الاقتصاد الإسلامي وفقه المعاملات المالية حتى غدا واحدا من أبرز المتخصصين في هذا الحقل العلمي على المستوى العالمي.
وقد انعكس هذا التكوين المزدوج بوضوح على منهجه العلمي، فلم يكن يتناول القضايا الاقتصادية بمنظار فقهي مجرد ينفصل عن الواقع كما لم يتعامل معها بمنهج اقتصادي مادي محض، وإنما سعى دائما إلى إقامة جسور التكامل بين أحكام الشريعة الإسلامية ومتطلبات الحياة الاقتصادية المعاصرة في رؤية تجمع بين الأصالة والتجديد.
الاقتصاد الإسلامي بين النظرية والتطبيق:
عندما بدأ الحديث عن الاقتصاد الإسلامي في النصف الثاني من القرن العشرين نظر إليه كثير من الباحثين باعتباره مشروعا فكريا مثاليا يصعب تطبيقه في عالم تهيمن عليه الأنظمة الاقتصادية الوضعية، سواء الرأسمالية منها أو الاشتراكية.
غير أن ثلة من العلماء والمفكرين والاقتصاديين المسلمين آمنت بقدرة الشريعة الإسلامية على تقديم بديل اقتصادي متكامل، وكان الدكتور علي القره داغي من أبرز رواد هذا الاتجاه. فقد انطلق من إيمان راسخ بأن الإسلام لا يقتصر على تقديم مبادئ أخلاقية عامة في المجال الاقتصادي، بل يضع نظاما متكاملا يقوم على أسس راسخة من أبرزها تحقيق العدالة، وصيانة الملكية المشروعة، ومنع الاحتكار والاستغلال، ومحاربة الربا، وتشجيع الاستثمار المنتج، وتعزيز التكافل الاجتماعي.
ولهذا ركز في أبحاثه ومؤلفاته على إبراز البعد التطبيقي للاقتصاد الإسلامي مؤكدا أن نجاح أي مشروع اقتصادي مستمد من الشريعة لا يتحقق بالشعارات النظرية وحدها، وإنما بقدرته على معالجة التحديات الواقعية التي تواجه الأفراد والمؤسسات والدول، وتقديم حلول عملية قابلة للتنفيذ في مختلف البيئات الاقتصادية.
إسهاماته في تطوير فقه المعاملات المالية:
يعد فقه المعاملات المالية المعاصرة من أبرز الميادين العلمية التي ترك فيها الدكتور علي القره داغي أثرا واضحا وبصمة راسخة.
فقد تناول بالبحث والدراسة طيفا واسعا من القضايا الاقتصادية المستجدة التي أفرزتها التحولات الاقتصادية العالمية، ومن ذلك الأسواق المالية الحديثة، والمشتقات المالية، والصكوك الإسلامية، والاستثمارات الدولية، والتأمين التكافلي، والعقود المركبة، وأدوات التمويل المصرفي المعاصرة.
وقد امتازت اجتهاداته في هذا المجال بجملة من الخصائص العلمية والمنهجية من أهمها:
أولا: الاعتماد على التأصيل الشرعي المتين المستمد من القرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال الفقهاء المعتبرين.
ثانيا: استحضار مقاصد الشريعة الإسلامية وجعلها إطارا حاكما للاجتهاد، بعيدا عن الجمود على الجزئيات والصور الشكلية.
ثالثا: الإحاطة الدقيقة بالواقع الاقتصادي المعاصر وفهم آلياته ومؤسساته قبل إصدار الأحكام الشرعية المتعلقة به.
رابعا: السعي إلى إيجاد البدائل الشرعية العملية التي تحقق مصالح الناس وتلبي احتياجاتهم بدلا من الاقتصار على المنع أو التحذير دون تقديم الحلول المناسبة.
وقد أسهم هذا المنهج الوسطي المتوازن في تقديم معالجات شرعية رصينة لكثير من القضايا المالية المعاصرة كما ساعد المؤسسات المالية الإسلامية على تطوير أعمالها ضمن إطار منضبط بأحكام الشريعة ومقاصدها.
دوره في المصارف الإسلامية:
تمثل المصارف الإسلامية إحدى أبرز ثمار الصحوة الاقتصادية الإسلامية في العصر الحديث، وأحد أهم الشواهد على قدرة الشريعة الإسلامية على تقديم بدائل عملية للأنظمة المالية التقليدية. وفي هذا الميدان كان للدكتور علي القره داغي دور رائد ومؤثر في ترسيخ الأسس الشرعية للمصارف الإسلامية وتوجيه مسيرتها نحو تحقيق رسالتها الحضارية. فقد أسهم من خلال عضويته ومشاركته الفاعلة في العديد من الهيئات الشرعية للمصارف والمؤسسات المالية الإسلامية في وضع الأطر والضوابط الشرعية المنظمة لأعمالها كما شارك في دراسة وتطوير المنتجات المالية الحديثة بما يضمن توافقها مع أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها.
ولم يقتصر دوره على الجانب الرقابي أو الاستشاري، بل كان من أكثر الأصوات العلمية حرصا على صيانة الهوية الإسلامية للمصارف الإسلامية مؤكدا أن رسالتها تتجاوز مجرد تحقيق الأرباح إلى الإسهام في بناء اقتصاد قائم على القيم والعدالة والتنمية. وكان يحذر باستمرار من مخاطر الانسياق وراء نماذج المصارف التقليدية أو اللجوء إلى الحيل والصيغ الشكلية التي تفرغ المعاملات الإسلامية من مضمونها الشرعي والأخلاقي.
كما ظل يؤكد أن النجاح الحقيقي للمؤسسات المالية الإسلامية لا يقاس بحجم رؤوس الأموال أو الأرباح المحققة فحسب، وإنما بمدى التزامها بمبادئ الشفافية والأمانة والعدالة الاجتماعية، وقدرتها على الإسهام في تحقيق التنمية المستدامة وخدمة المجتمع.
إسهاماته في صناعة الصكوك الإسلامية:
تعد الصكوك الإسلامية من أبرز الابتكارات المالية التي أفرزتها مسيرة الاقتصاد الإسلامي المعاصر، وقد شهدت خلال العقود الأخيرة تطورا ملحوظا جعلها أداة استثمارية وتمويلية تحظى باهتمام عالمي متزايد.
وكان للدكتور علي القره داغي إسهام بارز في تأصيل هذه الصناعة وتطوير أبعادها الفقهية والتطبيقية. فقد شارك في العديد من المؤتمرات العلمية والندوات المتخصصة التي تناولت قضايا الصكوك الإسلامية، وأسهم بأبحاثه ودراساته في بيان أسسها الشرعية وضوابطها الفقهية كما قدم اجتهادات علمية رصينة عززت الثقة بهذه الأداة المالية ورسخت مكانتها بديلا مشروعا عن السندات الربوية التقليدية.
وقد أولى اهتماما خاصا بضرورة ارتباط الصكوك بالأصول الحقيقية والأنشطة الاقتصادية المنتجة انطلاقا من رؤيته التي تؤكد أن التمويل الإسلامي ينبغي أن يكون مرتبطا بالاقتصاد الحقيقي لا بالمضاربات الوهمية أو المعاملات الصورية.
ومن هنا دعا إلى تطوير الصكوك بما يخدم أهداف التنمية والاستثمار والإنتاج، ويعزز الدور التنموي للاقتصاد الإسلامي في المجتمعات المعاصرة.
مقاصد الشريعة في فكره الاقتصادي:
يعد الاهتمام بمقاصد الشريعة الإسلامية من أبرز السمات التي تميز المشروع الفكري والفقهي للدكتور علي القره داغي، إذ ينظر إلى المقاصد بوصفها البوصلة التي توجه عملية الاجتهاد، والميزان الذي يضمن سلامة الأحكام الشرعية وفاعليتها في مواجهة التحديات المعاصرة.
ففي نظره لا تقتصر الأحكام الاقتصادية في الإسلام على تنظيم المعاملات وضبط العلاقات المالية بين الأفراد والمؤسسات، وإنما تستهدف تحقيق جملة من المقاصد الكلية التي تقوم عليها رسالة الشريعة، وفي مقدمتها حفظ المال، وتحقيق العدالة، ومنع الظلم والاستغلال، ومكافحة الفقر، وترسيخ قيم التكافل الاجتماعي، والإسهام في تحقيق التنمية المستدامة.
ومن هذا المنطلق جاءت اجتهاداته الفقهية متوازنة بين الوفاء للنصوص الشرعية والوعي بمتطلبات الواقع، فجمع بين أصالة المنهج ومرونة التطبيق، الأمر الذي أكسب آراءه واجتهاداته قبولا واسعا في الأوساط العلمية والاقتصادية، وجعلها مرجعا مهما في معالجة كثير من القضايا المالية المعاصرة.
لقد مثل الدكتور علي القره داغي نموذجا متميزا للعالم الذي جمع بين الفقه والاقتصاد، وبين عمق التأصيل الشرعي وسعة الإدراك لمتغيرات العصر. وقد أسهم عبر مسيرته العلمية والفكرية والمؤسسية في ترسيخ دعائم الاقتصاد الإسلامي الحديث، وترك بصمات واضحة في مجالات التمويل الإسلامي، وفقه المعاملات، والصكوك الإسلامية، والهيئات الشرعية، والعمل الفقهي الجماعي.
ولم تكن جهوده مجرد إسهامات أكاديمية أو اجتهادات نظرية، بل تحولت إلى مشاريع عملية ومبادرات مؤسسية كان لها أثر ملموس في تطور الصناعة المالية الإسلامية وانتشارها على المستوى العالمي. ومن ثم فإن دراسة تجربته العلمية تمثل نافذة مهمة لفهم مسيرة الاقتصاد الإسلامي المعاصر، والتعرف على الجهود الكبيرة التي بذلها العلماء المصلحون في سبيل بناء نموذج اقتصادي يجمع بين الكفاءة والعدالة، ويربط بين التنمية المادية والقيم الأخلاقية المستمدة من هدي الشريعة الإسلامية.
وهكذا يبقى الدكتور علي القره داغي واحدا من أبرز رواد الاقتصاد الإسلامي في العصر الحديث، وأحد الأسماء العلمية التي أسهمت في تعزيز حضور الاقتصاد الإسلامي على الساحة العالمية، وترسيخ الثقة بقدرته على تقديم حلول واقعية للتحديات الاقتصادية المعاصرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
المراجع:
1. الدكتور علي محي الدين القره داغي، بحوث في فقه البنوك الإسلامية، دار البشائر الإسلامية، بيروت.
2. الدكتور وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته.
3. الدكتور علي محي الدين القره داغي، المدخل إلى الاقتصاد الإسلامي.
4. الدكتور علي محي الدين القره داغي، الصكوك الإسلامية “التوريق” وتطبيقاتها المعاصرة.
5. الدكتور علي محي الدين القره داغي، بحوث فقه المعاملات المالية المعاصرة.
6. الموقع الرسمي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
7. الموقع الرسمي لمجمع الفقه الإسلامي الدولي.
8. الموقع الرسمي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية.
