من التنازع العقدي إلى التحالف السياسي:
(قراءة قرآنية في واقع الأمة وقضية فلسطين)
بقلم: د. غزالة الحجار
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
يعرض القرآن الكريم نموذجًا مركبًا في فهم حركة الصراع بين
الأمم، حيث لا يقف عند توصيف الخلافات العقدية، بل يكشف عن تحوّلاتها العملية في
الواقع، ويتجلّى ذلك بوضوح في قوله تعالى:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ
لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ
عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا
يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
فيما كانوا فيه يختلفون﴾ (البقرة: 113)
فالآية تُبرز تناقضًا ظاهرًا: تكذيب متبادل بين أهل كتاب واحد،
مع اشتراكهم في أصل الوحي.
أولًا: التنازع ليس جهلًا، بل بغيٌ بعد علم
يُكمل القرآن هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ
وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ
الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (آل عمران: 19)
وقد عبّر السعدي عن هذا المعنى بقوله: “أي حسدًا وبغيًا
لا عن اشتباهٍ في الحق“، مما
يدل على أن منشأ التنازع هو فساد الإرادة لا غياب المعرفة[1].
ويؤكد ابن كثير المعنى نفسه بقوله: “أي اختلفوا عن علمٍ
منهم بحقيقة ما اختلفوا فيه“5، بينما يضيف الطبري أن ذلك كان طلبًا
للرياسة واتباعًا للأهواء[6].
وفي السياق التحليلي، يرى الرازي أن هذا النوع من الخلاف يدل
على أن الدافع ليس طلب الحق، بل غلبة الهوى والتعصب[7]، وهو ما يلتقي مع تصوير سيد قطب الذي يرى أن الخلاف هنا ليس
بحثًا عن الحقيقة، بل صراع إرادات[2].
ثانيًا: التحول من التنازع إلى التحالف
على الرغم من هذا التنازع، يقرر القرآن حقيقة أخرى تبدو متقابلة: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ
أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (المائدة:
51)
يفسّر عبد الرحمن بن ناصر السعدي الولاية هنا بأنها: “ المحبة والنصرة والتعاون“[3]، وهو
معنى يوافق ما ذكره الطبري من أنها المظاهرة والمعاونة [9].
ويضيف ابن كثير أنها تدل على الائتلاف في مواجهة غيرهم[8].
أما سيد قطب فيقدّم قراءة حركية حين يقرر أن هذا المشهد يكشف عن
اصطفاف عملي في مواجهة الإسلام، مهما اختلفت معتقداتهم[4].
وهنا يتضح البناء القرآني: التنازع العقدي لا يمنع من التحالف الاستراتيجي عند التقاء المصالح.
ثالثًا: بنية مركبة: عداوة داخلية وتحالف خارجي
يزيد القرآن هذا التصوير عمقًا بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ
الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ… فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ
وَالْبَغْضَاءَ﴾ (المائدة: 14).
وهذا يدل على أن العلاقة بينهم ليست بسيطة، بل مركبة:
- عداوة قائمة في الداخل
- وتحالف قائم عند الضرورة
وهو ما يعبّر عنه التحليل التفسيري بأن العلاقات تحكمها
المصالح لا الاتساق العقدي.
رابعًا: فلسطين كتجسيد معاصر للسنّة القرآنية
عند النظر في واقع الأمة، تظهر قضية فلسطين بوصفها مثالًا حيًا
لهذا البناء؛ إذ يشهد العالم تباينات دينية وثقافية عميقة، لكنها تلتقي في دعم
سياسي واستراتيجي متقاطع. وهذا ينسجم مع دلالة قوله
تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾
فالمشهد ليس تناقضًا، بل تطبيقًا لسنّة قرآنية: اختلاف في العقيدة، واتفاق في المصلحة.
خامسًا: الانعكاس على واقع الأمة
غير أن أخطر ما في الآية ليس وصف الآخر، بل التحذير الضمني
للأمة: ﴿كَذَٰلِكَ
قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
فهذا النمط من التنازع قابل للتكرار داخل الأمة نفسها، حين
يتحول الدين إلى انتماء شكلي، وتغيب التزكية، فتظهر الانقسامات والصراعات وضعف
وحدة الهدف وبذلك تتحقق نفس السنّة: تفرق داخلي يقابله تماسك خارجي.
سادسًا: الأسرة نقطة البداية الحضارية
إذا كان منشأ الانحراف هو فساد القلوب كما قرره المفسرون، فإن
إصلاح الأمة يبدأ من إعادة بناء الإنسان، وأول ميدان لذلك هو الأسرة؛ حيث
تتشكل القيم التي تمنع التنازع: الإخلاص وضبط الهوى وتقديم مصلحة الأمة، فإذا صلحت
هذه القاعدة، أمكن للأمة أن تتجاوز حالة التشتت.
خاتمة
تكشف هذه الآيات، في ضوء التفسير، عن قانون قرآني دقيق:
أن التنازع إذا نشأ عن بغيٍ وهوى، فإنه لا يمنع من التحالف عند
التقاء المصالح، وأن الأمة إذا وقعت في التفرق الداخلي، فقدت قدرتها على مواجهة
هذا التحالف، ومن ثم فإن طريق النهوض لا يمر فقط عبر المواقف السياسية، بل يبدأ من
إصلاح القلوب، وبناء الأسرة، واستعادة وحدة المقصد.
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا
تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
الهوامش:
[1]
عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تيسير الكريم الرحمن، ج1، ص130،
مؤسسة الرسالة، 2000م.
[2] سيد قطب، في ظلال القرآن،
ج1، ص95، دار الشروق، 2003م.
[3] عبد الرحمن بن ناصر
السعدي، تيسير الكريم الرحمن، ج2، ص73، مؤسسة الرسالة، 2000م.
[4] سيد قطب، في ظلال القرآن،
ج2، ص898، دار الشروق، 2003م.
[5] ابن كثير، تفسير القرآن
العظيم، ج1، ص372، دار طيبة، 1999م.
[6] محمد بن جرير الطبري، جامع
البيان، ج2، ص347، مؤسسة الرسالة، 2000م.
[7] فخر الدين الرازي، مفاتيح
الغيب، ج3، ص215، دار إحياء التراث، 1420هـ.
[8] ابن كثير، تفسير القرآن
العظيم، ج2، ص71، دار طيبة، 1999م.
[9] محمد بن جرير الطبري، جامع
البيان، ج6، ص276، مؤسسة الرسالة، 2000م.
[10] فخر الدين الرازي، مفاتيح
الغيب، ج12، ص45، دار إحياء التراث، 1420هـ.
-150x150.jpg)