آخر الأخبار

واجبنا تجاه الأسرى

بقلم: أ. د/ محمد دمان ذبيح

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

        الحمد
لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ثم أما بعد

      إن مما تتميز به هذه الأمة عن غيرها أنها
أمة الجسد الواحد
،  والقلب الواحد , فإذا جاع من في شرقها ،
تحرك من في غربها لإطعامه, وإشباعه
، وإذا ظلم من في شمالها،
اهتز من في جنوبها من أجل نصرته
، ورفع الظلم عنه،
قال الله تعالى
: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
[التوبة 71]، و قال النبي صلى الله
عليه وسلم: “مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم ، وتَرَاحُمِهِم ، وتعاطُفِهِمْ  مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى
لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى”
[1].
     ولا شك أن هذه المعاني السامقة تعبر عن
مسؤولية كبرى
، و ثقيلة على عاتق كل واحد منا تجاه إخوانه في مشارق الأرض، ومغاربها، وتزداد هذه المسؤولية
ثقلا
، وعبئا عندما يكون أخوك
أسيرا في يد الكيان الغاصب
، ومهددا بالموت في كل آن وحين، وما أعظمها من أمانة، و مسؤولية، قال
الله تعالى
: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا
وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا
[الأحزاب 72]، وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: “ما خطبنا رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه
وسلَّم- إلَّا قال: لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له ، ولا دينَ لمن لا عهدَ له”.[2]
    لذلك
فلنعلم جميعا أن فكاك الأسير واجب على المسلمين كلهم
، وهذه بعض أقوال
العلماء في هذه المسألة:
     قال الإمام القرطبي:
“قال علماؤنا: فداء الأسارى واجب وإن لم يبق درهم واحد، وبذلك وردت الآثار عن
النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه فك الأسارى وأمر بفكهم، وجرى بذلك عمل المسلمين
وانعقد به الإجماع، ويجب فك الأسارى من بيت المال، فإن لم يكن فهو فرض على كافة
المسلمين، ومن قام به منهم أسقط الفرض عن الباقين”.
[3]
    وقال العز بن عبد السلام -رحمه الله-: “وإنقاذ
أسرى المسلمين من أيدي الكفار من أفضل القربات، وقد قال بعض العلماء: إذا أسروا
مسلما واحدا وجب علينا أن نواظب على قتالهم حتى نخلصه أو نبيدهم، فما الظن إذا
أسروا خلقا كثيرا من المسلمين
![4]
   وقال النووي: “لو أسروا مسلما أو
مسلمَيْن هل هو كدخول أرض الإسلام؟! وجهان: أصحّهما: نعم؛ لأن حرمة المسلم أعظم من
حرمة الدار
“.[5]
   وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: “فكاك
الأسارى من أعظم الواجبات، وبذل المال الموقوف وغيره في ذلك من أعظم القربات.
[6]
    وقال ابن جزي: “يجب استنقاذهم -أي:
الأسرى- من يد الكفار بالقتال، فإن عجز المسلمون عنه وجب عليهم الفداء بالمال،
فيجب على الغني فداء نفسه، وعلى الإمام فداء الفقراء من بيت المال، فما نقص تعين
في جميع أموال المسلمين ولو أتى عليها”.
[7]
     فمن هذه الأقوال وغيرها ندرك وجوب تخليص
الأسرى من أيدي الكفار سواء بالبدن
، أو بالمال، لذلك
قال النبي -صلى الله
عليه وسلم-: “أطعِموا الجائِعَ، وعودوا المَريضَ، وفُكُّوا العانيَ”
[8]، قال سفيان الثوري رضي
الله عنه: العاني: الأسير.
     وقال سيدنا عمر -رضي الله عنه: “لأَنْ
استنقذ رجلا من المسلمين من أيدي الكفار أحبُّ إليَّ من جزيرة العرب
[9].
   وديننا الإسلامي قد عد
فك الأسير من مصارف الزكاة:
﴿وفي الرقاب﴾  [التوبة 60]،  وجعله من أعظم القربات، قال الله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ّ وَمَا أَدْرَاكَ
مَا الْعَقَبَةُ
 ّ فَكُّ رَقَبَةٍ ّّ أَوْ إِطْعَامٌ فِي
يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ
 ّ يَتِيمًا ذَا
مَقْرَبَةٍ
 ّ أَوْ مِسْكِينًا
ذَا مَتْرَبَةٍ
  [البلد  11_ 16].
   والآن وبعد الحديث عن وجوب فكاك الأسرى، يأتي السؤال الذي يطرح
نفسه وبقوة: فما واجبنا تجاه الأسرى؟؟؟
     أرى أن واجبنا بشكل
عام يتمثل فيما يلي:
·    
العمل على توعية
المجتمع بمسألة وجوب فكاك الأسرى
، وذلك من خلال كل
المؤسسات الفاعلة في المجتمع الأسرة
، المسجد، المدرسة، الإعلام، ودور الشباب وغيرها.
·    
تشكيل لجان مختصة خاصة
من الناحية القانونية
، والحقوقية، وهذا من أجل الدفاع
عنهم في المحافل
، والمجالس الدولية.
·    
تدويل قضيتهم على مستوى
العالم كله.
·    
الضغط على الكيان بشتى
الوسائل خاصة الدبلوماسية
، وهذا من أجل فك الأسرى، وإطلاق سراحهم.
·    
دعم ذويهم، ومساندتهم ماديا، ومعنويا.
·    
فضح جرائم الاحتلال، ونشرها محليا، ودوليا.
·    
الدعاء لهم خاصة في
الصلوات
، والخلوات.
     وأخيرا وصفوة القول: إن قضية الأسرى قضية
جوهرية
، ومحورية، بامتياز، وعلى جميع المسلمين في
كل بقاع المعمورة العمل
، وبشتى الوسائل من أجل نصرتهم، وفك أسراهم، لأن التقاعس عن الدفاع
عنهم خذلان للدين
، ولتاريخ هذه الأمة، وشرفها، وكرامتها، فهؤلاء الأسرى إخواننا، وحريتنا من حريتهم، ولئن أخذهم الكيان منا،
ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون.
 
محمد دمان ذبيح
+ posts
Tagged

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *