آخر الأخبار

فلسطين والقدس بوصلة الأمة ومرتكز الوحدة

بقلم: د. إبراهيم أحمد مهنا

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

يكاد يجمع المفكرون والمحللون
الإستراتيجيون على أن من أبرز نتائج ملحمة «طوفان الأقصى» تصدر القضية الفلسطينية
وتعاظمها في وجدان الأمة الإسلامية، بل والإنسانية جمعاء، لتتبوأ مكانتها الأصيلة
المستحقة من جديد بعدما كاد يطويها التناسي والنسيان، فقد نجحت المعركة في إعادة
ضبط بوصلة الأمة وترتيب أولوياتها، لتتصدر قضية فلسطين قضايا الأمة المركزية لتكون
بحق مرتكزاً أساسياً في عوامل وحدتها ونهوضها.

لقد أصبحت فلسطين معياراً لقياس
وعي النخب والشعوب على حد سواء، فلا يمكن الفصل بعد «طوفان الأقصى» بين القضية
الفلسطينية والمشروع الإسلامي العالمي لنهضة الأمة، لا من حيث البعد الفكري
والعقدي، ولا من حيث البعد السياسي والتعبوي، فهما متلازمان ضرورة؛ فلا نهضة دون
تحرر ولا بناء دون تحرير.

فلسطين.. من دائرة
التفاعل الموسمي إلى الحضور الدائم

إن انتقال قضية فلسطين من دائرة
التفاعل الموسمي العاطفي إلى دائرة الحضور الدائم والتفاعل المستمر، يمثل مؤشراً
مهماً على استعادة مكانة القضية وعودة رمزيتها كمرتكز أساس لوحدة الأمة الإسلامية،
إذ إن ما يميز مفهوم الأمة في القرآن الكريم اقترانه بالدين، وفي هذا بيان يوضح
مركزية الدين في تكوين الأمة، فالتوحيد هو المعيار الأهم الذي يميز الأمة
الإسلامية، ومنه ينبثق معيارا الخيرية والوسطية اللذان يميزان الأمة.

ولما كان المسجد الأقصى وهو أول
القبلتين وثالث المساجد التي لا تشد الرحال إلا إليها، وهو مسرى نبينا صلى الله
عليه وسلم، وبوابة السماء في رحلة المعراج، فلا عجب أن يكون «الأقصى» رابطًا
روحيًا وسياسيًا يذكّر الأمة بضرورة التماسك والتعاون على أساس وحدة العقيدة
والعبادة والتاريخ المشترك، فهي قضية لا تخص الفلسطينيين وحدهم، بل جميع المسلمين
في العالم، ويتسع نطاقها لتصبح رمزاً للتمسك بالأخلاق والقيم الإنسانية باعتبارها
قضية إنسانية عادلة.

إن ارتباط المسلمين بالقدس
والمسجد الأقصى قوي بقوة العقيدة الإسلامية، فهو رباط روحي تعبدي، يعبر عن هوية
الأمة الممتد من لدن آدم عليه السلام إلى خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه
وسلم، وهو بالتالي رمز على الوحدة الفكرية والسياسية للعالم الإسلامي، هذا الارتباط
بهذه الأبعاد الوثيقة يرقى بالمسلمين لدرجة بذل المال والروح لتحريره والدفاع عنه،
ويوجب عليهم القيام بما يلزم ليبقى حاضراً قوياً في وجدان المسلمين، ومن هذه
الواجبات التي يُحتّمها هذا الربط:

1- العناية بالتربية والوعي؛ وهذا
يتطلب وضع وتنفيذ خطط مدروسة ينبغي أن تبدأ بإدراج قضية القدس وفلسطين في المناهج
التعليمية والخطاب الديني لتعزيز ارتباط الأجيال بها.

2 دعم صمود الفلسطينيين وخاصة أهل القدس عبر مشاريع تنموية وتمويلية
مشتركة بين الدول الإسلامية.

3 توحيد الخطاب الإعلامي الإسلامي في الدفاع عن الأقصى وفلسطين، وفضح
انتهاكات المحتلين الرامية لتهويد القدس وتوسيع رقعة الكيان المحتل.

4 تنظيم فعاليات جماعية (مؤتمرات، مسيرات، أيام عالمية للقدس) تعزز
الشعور بالوحدة.

5 نبذ جميع أشكال الفرقة والاختلاف والانقسام التي يغذيها أعداؤنا
وعملاؤهم، والعمل على تعزيز القواسم المشتركة وما أكثرها!

تحديات في طريق
النهوض الحضاري

إن القيام بهذه الواجبات يسير عبر
طريق محفوف بالأخطار مليء بالتحديات الداخلية والخارجية، وعلى العاملين في مجال
النهوض الحضاري للأمة الإسلامية مجابهة هذه التحديات بما يليق بها من وسائل، ومن
هذه التحديات:

1 استمرار اقتحامات المحتلين للمسجد الأقصى ومحاولات تغيير الوضع
القانوني والتاريخي له وصولاً إلى هدمه وبناء «هيكلهم» المزعوم على أنقاضه.

2 ضعف التنسيق العملي بين الدول الإسلامية رغم وجود بيانات ومؤتمرات
ومواقف نظرية عديدة تبين أهمية التنسيق والعمل المشترك.

3 الحاجة إلى تحويل الدعم من الرمزية والنظرية إلى العملية والحركية، عبر
تبني مشاريع موحدة أو متكاملة تجبر الاحتلال على تغيير سياساته ومواقفه.

إن التحدي الأكبر تحويل الجهود
الشعبية والرسمية إلى خطوات عملية مستمرة تحافظ على حضور القضية في الوعي الإنساني
والعمل الإسلامي، ولعل سؤال المليون هنا هو سؤال الكيف؟ وسنكتفي في هذا المقال
بذكر دور العلماء والبرلمانيين في ذلك:

أولاً: دور العلماء:

يؤدي العلماء دورًا محوريًا في
جعل المسجد الأقصى مرتكزًا لوحدة الأمة الإسلامية، من خلال المنابر الدعوية،
والمؤتمرات الدولية، والجهود العلمية التي تربط القضية الفلسطينية بالهوية الدينية
للأمة، فمهمة العلماء تبيين أحكام الإسلام للناس وهم ورثة الأنبياء، وقد أمر الله
نبيه صلى الله عليه بالتبليغ عن ربه، قال تعالى: (يَا
أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ)
(المائدة:
67)، وقال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)

(النحل: 44).

وهذا البلاغ والتبيين يحمله
العلماء إلى الناس يدللون عليه بالكتاب والسُّنة، لا بالأهواء وحظوظ النفس، عندها
يصبح خطابهم أداة لتعبئة الشعوب، وتذكيراً لكل مسؤول بواجباته، وإبقاء لـ«الأقصى»
حياً حاضراً في وجدان المسلمين، وهذا الدور يحافظ على وحدة الموقف الإسلامي ويمنع
تزييف الوعي، فالعلماء هم حراس الوعي الإسلامي، ومنابرهم هي الجسر الذي يربط الأمة
بالقدس و«الأقصى» ويتحقق ذلك عبر وسائل عديدة، منها:

1 تسخير المنابر لإحياء الوعي الجماعي، وربط القضية الفلسطينية بالواجب
الشرعي للأمة.

2 عقد المؤتمرات العلمائية الدولية لتُبقي القضية حاضرة في الوجدان
والميدان، ولتوحيد علماء الأمة على قضاياها المركزية وتبني مشاريع عمل موحدة في
جميع الأقطار.

3 التأصيل الشرعي العلمي للقضية الفلسطينية عبر نشر الدراسات المختصة
الرصينة، وتشجيع الباحثين على الكتابة في هذا المجال، ونشر المعارف المقدسية في
أوساط الناس.

4 إصدار الفتاوى الشرعية المتعلقة بالقضية التي تضبط المسار السياسي والدبلوماسي
والعسكري للعاملين في الميدان، ومن ذلك الرد على محاولات تبرير التطبيع مع
الاحتلال، والتأكيد على أن القدس قضية الأمة وليست شأنًا محليًا.

5 تصدر العلماء للحراك الميداني باعتبارهم قدوات للناس، فلن تؤثر الدعوة
النظرية في الناس إن لم يرافقها الدعوة العملية وموافقة القول العمل.

ثانياً: دور
البرلمانيين:

يمثل البرلمانيون صوت الشعوب داخل
المؤسسات التشريعية، ودورهم في جعل المسجد الأقصى مرتكزًا لوحدة الأمة الإسلامية
بالغ الأهمية، إذ يجمع بين التشريع والرقابة والدبلوماسية الشعبية، وعلى سبيل
المثال نذكر جملة من الأدوار المنوطة بهم:

1 سنّ قوانين أو قرارات برلمانية تؤكد مركزية قضية القدس و«الأقصى» في
السياسات الوطنية والإقليمية والدولية.

2 الضغط لتخصيص ميزانيات لدعم مشاريع صمود أهل فلسطين، سواء عبر صناديق
وطنية أو مساهمات في الصناديق العربية والإسلامية ذات الصلة، والتأكد من وصولها
إلى مكانها الصحيح بكل شفافية.

3 إصدار تشريعات تمنع التطبيع مع الاحتلال أو تقيّد التعامل معه، بما
يحافظ على وحدة الموقف الإسلامي.

4 مساءلة الحكومات عن مواقفها تجاه الانتهاكات الصهيونية في القدس وغزة
وكل فلسطين.

5 الدعوة لتبني خطاب عربي إسلامي موحد ومتابعة تنفيذ القرارات العربية
والإسلامية المتعلقة بدعم «الأقصى»، وضمان عدم بقائها مجرد بيانات.

6 تشكيل لجان أو اتحادات برلمانية عربية وإسلامية خاصة بالقدس، تعمل على
تنسيق المواقف وتوحيد الخطاب.

7 المشاركة في المؤتمرات الدولية لعرض انتهاكات الاحتلال، وإبراز أن
«الأقصى» قضية عالمية وليست محلية.

8 التواصل مع برلمانات العالم لنقل الرواية الفلسطينية والإسلامية، وكسب
التأييد الدولي، ودعم الحملات الوطنية والإقليمية التي تربط الشعوب بقضية
«الأقصى»؛ ما يعزز الوحدة الشعبية حوله.

إن عوامل وحدة الأمة الإسلامية
أكثر وأمتن من عوامل الفرقة والانقسام، ويحسن بنا التركيز على مواطن الاتفاق
بيننا، ولن نجد قضية يجمع عليها المسلمون كقضية وجوب نصرة المسجد الأقصى وتحرير
أرض المسرى.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة
تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين
+ posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *