بسم الله الرحمن الرحيم،
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه، وإخوانه وحزبه.
إذا سقط الضمير، انهار المصير
بقلم: بن سالم بّاهْشّام
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
ملخص الموضوع:
يتناول هذا الموضوع، العلاقة الجدلية بين مفهوم “ الضمير الحي “، أو ما يُعرف في الفقه والأخلاق الإسلامية، بـ “مراقبة الله“، وبين السلوكيات الاجتماعية والاقتصادية للأفراد والمؤسسات. يفترض هذا الموضوع، أنَّ تراجع الشعور بالرقابة الذاتية المستمدة من العقيدة، يؤدي مباشرة إلى انهيار الضوابط الأخلاقية، مما يفتح الباب أمام “أكل الحرام“، (الفساد المالي، والإداري، والربا، والغش…)، وبالتالي تضيع مصالح الشعب، وتعطل عجلة التنمية.
الفصل الأول: مقدمة الموضوع:
المبحث الأول: مشكلة الموضوع:
تعاني العديد من المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة، مفارقة مؤلمة؛ فبينما ترتفع شعارات التدين شكلياً، تتفشى ظواهر الفساد الإداري، والغش التجاري، والاختلاس، والتلاعب بالثروات العامة. والتكاسل في أداء الواجبات الإدارية والوظيفية، هذا الموضوع، يطرح إشكالية مركزية: هل يرتبط انتشار هذه الظواهر، بغياب“الضمير الحي“، المتمثل في الرقابة الإلهية؟ وكيف يتحول هذا الغياب، إلى كارثة وطنية تمس مصالح العباد؟
المبحث الثاني: أهمية الموضوع:
تكمن أهمية هذا الموضوع، في كونها تربط بين الجانب الروحي (العقيدة)، والجانب المادي (الاقتصاد والسياسة). فمعظم الدراسات، تركز على الحلول القانونية والإدارية لمكافحة الفساد، متجاهلة العامل الداخلي، والذي هو الوازع الديني، الذي يعتبر خط الدفاع الأول، في المنظومة الإسلامية.
المبحث الثالث: أهداف الموضوع:
1- توضيح مفهوم الرقابة الإلهية، وأبعادها في الفكر الإسلامي.
2- تحليل الآليات النفسية والاجتماعية لغياب الضمير الديني.
3- رصد آثار “أكل الحرام” على الفرد والمجتمع والدولة.
4- تقديم مقترحات لإعادة تفعيل الوازع الداخلي، باعتباره جزءا من استراتيجية الإصلاح الشامل.
الفصل الثاني: الإطار النظري والمفاهيمي:
المبحث الأول: مفهوم الرقابة الإلهية (المراقبة):
في علم التصوف، والفقه الإسلامي، تُعرّف “المراقبة: (بأنها علم العبد بتقرب الله منه، أو اطلاعه عليه، ومعاينته له، وذلك يوجب استحياءه منه، وخوفه منه، ومهابته). يقول ابن القيم: (المراقبة: دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه، فاستدامته لهذا العلم، واليقين، هي المراقبة، وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيب عليه، ناظر إليه، سامع لقوله، وهو مطّلع على عمله كل وقت وكل لحظة، وكل نَفَس وكل طَرفة عين). [كتاب الأمة، ج1، الفصل الأول، قيم السلوك مع الله عند ابن القيم، المبحث السادس: المراقبة، الأستاذ الدكتور، مفرح بن سليمان القوسي،ص91]. وجاء في مدارج السالكين، لابن القيم: (والمراقبة: هي التعبد بأسمائه (الرقيب)، و(الحفيظ)، و (العليم)، و (السميع)، و (البصير)، فمن عقل هذه الأسماء، وتعبد بمقتضاها؛ حصلت له المراقبة). [مدارج السالكين، لان القيم، (2/49-50) بتصرف يسير]. وقد صنف علماء التصوف المراقبة، ضمن أهم الطاعات وأجلها، لما تورثه من الاستقامة والتقوى، وبذلك كانت أُسّاً في الممارسة التربوية، يقول أبو عثمان المغربي: (أفضل ما يلزم به الإنسان نفسه في هذه الطريقة: المحاسبة والمراقبة، وسياسة عمله بالعلم). ويقول الجريري: (أمرنا هذا مبني على فصلين: وهو أن تلزم نفسك المراقبة لله تعالى، ويكون العلم على ظاهرك قائما). [الرسالة القشيرية، ص: 334]، و (سئل ابن عطاء الله السكندري: ما أفضل الطاعات؟ فقال: مراقبة الحق على دوام الأوقات). وقال الواسطي: (أفضل الطاعات، حفظ الأوقات، وهو: أن لا يطالع العبد غير حده، ولا يراقب غير ربه، ولا يقارن غير وقته). [الرسالة القشيرية، ص: 336].
المبحث الثاني: جوانب اختلاف الرقابة الإلهية، عن الرقابة الخارجية:
تختلف الرقابة الإلهية، عن الرقابة الخارجية، والتي تتمثل في القانون، والشرطة، والكاميرات… في أنها:
1- الرقابة الإلهية داخلية ذاتية: لا تحتاج إلى مراقب بشري.
2- الرقابة الإلهية شاملة: تشمل السر والعلن، والنوايا والأفعال.
3 – الرقابة الإلهية مستمرة: لا تنقطع بنوم أو غفلة أو تغير المكان. قال تعالى في سورة العلق: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: 14]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في تعريف الإحسان فيما رواه البخاري ومسلم: (الْإِحْسَانُ أَنْ تعَبْدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ). [حديث أبي هريرة: أخرجه أحمد (2/426، رقم 9497)، والبخاري (1/27، رقم 50)، ومسلم (1/39، رقم 9)، وابن ماجه (1/25، رقم 64). حديث أبي هريرة وأبي ذر: أخرجه النسائي (8/101، رقم 4991)].
المبحث الثالث: مفهوم “أكل الحرام” في السياق المعاصر:
لا يقتصر “أكل الحرام“، على أكل لحم الخنزير، أو شرب الخمر فقط، بل يتسع في الفقه الاقتصادي والاجتماعي الإسلامي، ليشمل:
1- الرشوة والاختلاس: أخذ مال الغير بغير حق.
2- الغش في الموازين والعقود: كما في عقود المناقصات الحكومية.
3 – الربا والفوائد البنكية المحرمة: التي تأكل أموال الناس بالباطل.
4 – إهدار المال العام: عبر التبذير، وسوء الإدارة، أو المحسوبية.
المبحث الرابع: الضمير باعتباره مصطلحا موازيا للرقابة الإلهية:
الضمير في علم النفس، هو الصوت الداخلي الذي يحكم على الأفعال بالخير أو الشر. وفي الإسلام، يتشكل هذا الضمير عبر “تزكية النفس“، عندما يغيب الإيمان باليوم الآخر والحساب، يتحول الضمير من “رقابة إلهية“، إلى “مصلحة شخصية“، مما يسهل تبرير الخطيئة.
الفصل الثالث: آليات غياب الضمير وانتشار الحرام:
المبحث الأول: سيادة المادية والنسبية الأخلاقية:
مع العولمة، وانتشار الثقافة الاستهلاكية، أصبح “النجاح“، يُقاس بالثروة، بغض النظر عن مصدرها. وأدى ذلك إلى:
المطلب الأول: تطبيع الحرام:
إذ تحولت الرشوة من “جريمة،” إلى “إكرامية“، أو “حق مشروع” في الذهنية الشعبية.
المطلب الثاني: فقدان الخوف من الله:
استبدال الخوف من الله، بالخوف من فقدان الوظيفة، أو المكانة الاجتماعية، أو السجن…، فإذا أمن العقاب الدنيوي، ارتكب الجرم.
المبحث الثاني: ضعف التربية الروحية والتعليمية:
تركز المناهج التعليمية، في كثير من البلدان الإسلامية، على الجانب الشعائري، مثل الصلاة والصوم شكلاً، وتهمل جانب “المعاملات“، و”أخلاقيات العمل“، والنتيجة؛ أنك تجد موظفا يصلي في المسجد، لكنه يختلس من ميزانية الدولة، لأنه لا يرى تناقضاً بين العبادة الشكلية، والفساد العملي.
المبحث الثالث: ظاهرة “القطيع“، وتبرير الذنب:
عندما ينتشر الفساد، يشعر الفرد بأن التزامه بالأمانة هو “غباء“، أو “خسارة“، يقولون: “الكل يأخذ، لماذا أتضرر أنا؟”. هنا يغيب الضمير الفردي الحي، ليذوب في ضمير جماعي فاسد، مستدلّين بفعل الآخرين؛ لإسقاط الحرج الشرعي عن أنفسهم. وهذه هي الإمّعية، التي نهى عنها الرسول -صلى الله عليه وسلم-، روى الترمذي في سننه، والبزّار، عن حذيفة بن اليمان، رضي الله عنه، أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تَكونوا إمَّعةً، تقولونَ: إنْ أحسنَ النَّاسُ أحسنَّا، وإن ظلموا ظلَمنا، ولَكن وطِّنوا أنفسَكم، إن أحسنَ النَّاسُ أن تُحسِنوا، وإن أساءوا فلا تظلِموا) . [أخرجه الترمذي (2007)، والبزار (2802) بلفظه]. “إمعة”: أي لا رأي له ولا عزم.
الفصل الرابع: الآثار الكارثية في تضييع مصالح الشعب:
المبحث الأول: الأثر الكارثي الاقتصادي:
فقر الشعوب وثراء النخب الفاسدة:
المطلب الأول: تسرب الموارد:
عندما يأكل المسؤولون الحرام، عبر العقود الوهمية، أو العمولات، فإن ذلك يعني؛ نقصاً في الموازنة المخصصة للصحة، والتعليم، والبنية التحتية.
المطلب الثاني: ارتفاع التكاليف:
الغش والاحتكار، يرفعان أسعار السلع الأساسية، مما يزيد من معاناة الطبقات الفقيرة.
المطلب الثالث: قتل الاستثمار:
المستثمر النزيه، ينسحب من سوق تسوده المحسوبية والرشوة، مما يؤدي إلى ركود اقتصادي وبطالة.
المبحث الثاني: الأثر الكارثي الاجتماعي:
انهيار الثقة وتمزق النسيج المجتمعي:
المطلب الأول: فقدان الثقة في المؤسسات:
عندما يرى المواطن أن القانون لا يطبق إلا على الضعفاء، وأن أصحاب النفوذ، يأكلون الحرام دون حساب، يفقد الثقة في الدولة وفي شرعية النظام.
المطلب الثاني: انتشار الجريمة:
إذا كان “الحلال“، لا يكفي للعيش بسبب الفساد الهيكلي، فإن البعض يلجأ للجريمة كوسيلة للبقاء، فيدخل المجتمع في دوامة من العنف وانعدام الأمن.
المبحث الثالث: الأثر الكارثي الصحي والبيئي:
المطلب الأول: غش الأدوية والغذاء:
التجار الذين لا يخافون الله، يُدخلون مواد مسرطنة في الغذاء، أو أدوية مغشوشة، لزيادة الربح. النتيجة: انتشار الأمراض المزمنة والسرطانات، وهو شكل مباشر من “أكل الحرام“، الذي يؤدي إلى “إتلاف الأنفس” التي كرمها الله.
المطلب الثاني: التلوث البيئي:
المصانع التي ترمي نفاياتها في الأنهار، لتوفير تكاليف المعالجة، تفعل ذلك لأن صاحبها لا يشعر برقابة الله الذي خلق الطبيعة، وجعلها مسخرة للإنسان.
الفصل الخامس: دراسة تحليلية (نماذج واقعية):
(ملاحظة: يتم طرح أمثلة عامة مستوحاة من واقع الدول النامية، دون تحديد دولة بعينها، للحفاظ على الحياد الأكاديمي).
المبحث الأول: قطاع الإنشاءات والعقارات:
في العديد من المشاريع الوطنية، يتم تمرير موادَّ بناء رديئة عبر رشوة مفتشي الجودة.
1- النتيجة: انهيار عمارات سكنية، تشققات في الجسور، وخسائر في الأرواح.
2- التحليل: المهندس والمقاول والمفتش، جميعهم فقدوا “الرقابة الإلهية“، لو كانوا يشعرون أن الله يراقبهم، لما ضحَّوا بأرواح الناس، مقابل مكاسب مادية زائلة.
المبحث الثاني: القطاع الصحي:
طبيب يصف أدوية باهظة الثمن، وغير ضرورية، ليتقاضى عمولة من شركات الدواء.
1- النتيجة: إرهاق كاهل المريض مادياً، وتدهور صحته بسبب العلاج غير المناسب.
2- التحليل: تحويل المهنة الإنسانية، إلى تجارة ربحية بحتة، نتيجة غياب الوازع الديني الذي يحرم أكل أموال الناس بالباطل.
الفصل السادس: الحلول والمعالجات المقترحة
لا يكفي التشريع وحده، بل يجب إعادة بناء “الضمير الجماعي الحي“، عبر محورين:
المبحث الأول: المحور التربوي والروحي (إعادة تفعيل الرقابة الإلهية):
المطلب الأول: إصلاح الخطاب الديني:
التركيز على “أخلاقيات العمل“، و”حِرمة المال العام“، في الخطب، والدروس، والمحاضرات، والندوات،.. وربط العبادة بالمعاملة.
المطلب الثاني: التربية المبكرة:
غرس مفهوم: “الله يراني“، في الأطفال، بدلاً من الخوف من العقاب البشري فقط.
المطلب الثالث: تعزيز مفهوم “الإتقان”، كعبادة:
نشر ثقافة أن العمل المتقن والنزيه، هو باب من أبواب الجهاد، ونوع من العبادة.
المبحث الثاني: المحور المؤسسي والقانوني (دعم الضمير بالردع)
المطلب الأول: شفافية المعلومات:
جعل العقود والمناقصات، رقمية ومعلنة للجميع، (الحكومة المفتوحة)، مما يجعلالاختلاس صعباً حتى لمن ضعُف ضميره.
المطلب الثاني: تفعيل مبدأ “المساءلة”:
لا حصانة لأحد. عندما يرى الفاسد أن العقوبة حتمية وسريعة، قد يرتدع، حتى لو لم يستيقظ ضميره.
المطلب الثالث: تحفيز النزاهة:
مكافأة الموظفين النزيهين وترقيتهم، ليكونوا قدوة، وكسر فكرة أن “النزاهة تؤدي للفقر”.
الخاتمة:
إن موضوع “عندما يغيب الضمير“، ليس مجرد وعظ ديني، بل هو تحليل سوسيولوجي واقتصادي عميق. لقد أثبت الموضوع، أن الرقابة الإلهية، هي أرخص وأقوى أنظمة الرقابة في العالم، لأنها تعمل تلقائياً وفي كل وقت ومكان. وعندما ينهار هذا السد الداخلي، لا تستطيع أي قوة بشرية، سواء كانت (قوانين، أو شرطة، أو رقابة إدارية)، أن تحمي مصالح الشعب بالكامل، لأن المفسدين سيكونون دائماً خطوة أمام الرقابة الخارجية. لذا، فإن إصلاح الحال في المجتمعات الإسلامية، يتطلب عودة صادقة إلى جوهر الدين المتمثل في “مراقبة الله“، مقرونةً بإصلاح مؤسسي جذري. فبدون ضمير حي، تضيع الأموال، وتنهار الأخلاق، ويتحول الوطن إلى غابة يأكل فيها القوي الضعيف تحت مسميات قانونية زائفة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
** المراجع المقترحة (للاستزادة):
1- القرآن الكريم، وتفاسير آيات المراقبة والحساب (مثل تفسير ابن كثير، والسعدي).
2- الغزالي، أبو حامد. إحياء علوم الدين، كتاب أمراض القلوب ورياضة النفس.
3- ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة، فصل في تأثير الأخلاق على عمرَان الدول.
4- تقارير البنك الدولي ومنظمة الشفافية الدولية. حول مؤشر الفساد وعلاقته بالتنمية.
5- دراسات معاصرة في “الأخلاقيات الإسلامية في الأعمال”.