ذاكرةٌ أقدمُ من الكلمات
(سورة الفاتحة سبب إسلامِ المحامي البرازيلي إدواردو، كما رواها لي من مسجدٍ أندلسيٍّ على أطرافِ بارانا)
كتبه: د. عطية أبو العلا
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
ثمّة بلادٌ تسكنُك قبل أن تسكنَها، وتعرفُها قلوبُنا قبل أن تطأَها أقدامُنا. كذلك كانت البرازيل في وجداني، بل أمريكا الجنوبيّةُ كلُّها؛ شغفٌ قديمٌ لا أذكرُ له بدايةً محدّدة، تسرّبَ إليّ من بين دفّات الكتب وأنا أُطالعُ تاريخَ تلك القارّة البعيدة. ولعلّ أعمقَ ما رسخَ في نفسي من ذلك كلِّه كتابٌ واحد، ما زلتُ أُحيلُ إليه في خاطري باسمه المختصر: «المسيحيّة والسيف». فيه دوّن أسقفٌ إسبانيّ، شاهدُ عيانٍ على ما اقترفَته أيدي الغزاة، وثائقَ إبادةِ أهلِ القارّة الأصليين؛ كيف أقبل الغزاة يحملون الصليب في يدٍ والسيف في الأخرى، فاستقبلهم أهلُ هذه الديار مُسالمين، فما كان جزاؤهم إلا أن أُبيدوا إقليمًا بعد إقليم، إبادةً يندى لها الجبين. ومنذ طويتُ صفحاته الأخيرة، استقرّ في قلبي جُرحٌ لا يندمل تجاه هذه الشعوب، وكأنّ ما أصابها قد أصابني في الصميم. صفحاتٌ تقطرُ ألمًا، علّمتني — قبل أن أرى البرازيل — أن أُحبَّ أرضًا جُرحت، وأن أنحازَ إلى المغلوبين ظُلما.
ثمّ جاء العام ٢٠٢٤، وحطّت بي الطائرةُ في مطار غوارويوس. وما إن خرجتُ من أبوابه حتى انتابني شعورٌ غريبٌ لا أُحسنُ وصفه: كأنّها رحلةُ عودةٍ إلى موطنٍ قديم، لا أوّلُ زيارةٍ لبلدٍ لم أعرفه من قبل. وقفتُ أُسائلُ نفسي عن سرِّ هذا الدفء المباغت: أهو الطقسُ، وأنا القادمُ من شمالٍ باردٍ يَعضُّ العظام؟ أم أنّ في هذه الأرض أمرًا آخر، شيئًا لا تُمسكُه الحواسُّ وحدَها؟
لم يَطُلْ بي البحثُ حتى أدركتُ السبب. لم يكن الطقسَ، بل الناس. هؤلاء البرازيليّون بلُطفهم وطِيب معشرهم جعلوني أشعرُ، بعد أيّامٍ قلائل، وكأنّي واحدٌ منهم، نبتَ من تُرابهم. ثمّ أدركتُ ما هو أعمق: أنّ هذه الأرضَ وأهلَها قد عرَفوا المصيرَ نفسه الذي عرَفه موطنُ مولدي؛ المصيرَ الذي صنعَه الرجلُ الأبيضُ بسيفه — إنجليزيًّا كان أو فرنسيًّا، إسبانيًّا أو برتغاليًّا. فكأنّ بيننا قرابةَ الجُرح، وأُخوّةَ مَن ذاقوا طعمَ الاستعمار نفسه. ومَن يُجرَحْ في موضعٍ، يعرفْ إخوتَه في الألمِ أينما كانوا.
وكان لي في تلك الدِّيار صديقٌ قارئٌ، هو وائل هليل، تطوّع أن يصحبني في زياراتٍ إلى عددٍ من المساجد المجاورة للمدينة التي يُقيمُ فيها — وأقربُها يبعدُ نحوَ مئتي كيلومتر؛ فالمسافاتُ في تلك البلاد تُقاسُ بمقاييسَ أُخرى. وفي مسجد بارانافييه (Paranavaí)، الذي شُيِّد على الطراز المعماريّ الأندلسيّ — وكأنّ شيئًا من الأندلس قد عبَر المحيطَ ليستقرَّ في قلب العالم الجديد — التقيتُ المحاميَ البرازيليَّ إدواردو.
رأيتُه يحضرُ صلاةَ العشاء ليلةَ الخميس، ثمّ فجرَ الجمعة، ثمّ الجمعةَ نفسها؛ ثلاثُ صلواتٍ متعاقباتٍ شهدتُ فيها رجلًا يخشعُ كأنّه وُلد على هذا الدِّين. وبعد الجمعة جلستُ إليه أتعرّفُ عليه، فعلمتُ أنّه أسلم منذ زمنٍ بعيد، وأنّه لا يزال يُغالبُ نفسه ليُتمَّ حفظَ القرآن الكريم على شيخٍ مصريٍّ بعثت به الأوقافُ المصريّةُ إمامًا لمسلمي المسجد. كان في حديثه نورٌ، وفي سَمته سكينة، لم يكن في سَمْت إدواردو الوقور، ولا في هدوئه الذي يُشبه هدوء العارفين، ما يُنبئ الغريبَ بأنّ وراء هذا الرجل حكاية. غير أنّي ما إن بدأتُ أُنصت إليه حتى أدركتُ أنّي أمام قصّةٍ تستحقّ أن تُروى وتُحفَظ: قصّة رجلٍ بحث عن الحقّ في كلّ بابٍ حتى فتح اللهُ له بابَه، فدخل، وحمل بين جنبيه اسمًا جديدًا — «أحمد» — واسمًا قديمًا تركه عند العتبة. فطلبتُ إليه أن يروي لي قصّةَ إسلامه. فرواها…
فإذا هي من الجمال والرَّوْحِ بحيثُ أحببتُ أن أنقلها إلى القارئ العربيّ كما سمعتُها، في صورة جلسةٍ تحاورنا فيها على مَهَل.
قلتُ له: من أين بدأ الطريق يا إدواردو؟
فبدى وكأنه يفتحُ بابًا قديمًا، وقال:
— لم أكن أُدعى إدواردو وحسب؛ كان اسمي الذي سمّاني به أبي وأمّي يومَ وُلدتُ: خوسيه إدواردو. نشأتُ في بيتٍ مسيحيّ، لكنّه بيتٌ غريبٌ في شغفه: أبي محامٍ، وأمّي معلّمة، وكلاهما قارئٌ لا يُروى ظمؤه، يُطالعان في كلِّ دينٍ وكلِّ ملّة. وكان لنا في البيت مكتبةٌ كبيرة، فيها تعلّمتُ أن أقرأ وأبحثَ وأُفتّش. ولم أكن أبحثُ عن المعرفة لذاتها، بل كنتُ أبحثُ عن الحقيقة. مررتُ بالمسيحيّة على اختلاف مذاهبها، ثمّ بالبوذيّة، ثمّ بالهندوسيّة في صورتها «الأدفائيتيّة»… كنتُ كمن يطرقُ بابًا بعد باب، وروحي لا تجدُ قرارَها. وكنتُ — في خلوتي — أتضرّعُ إلى الله أن يهديني إلى الحقِّ الآتي منه وحده، لا من صنع البشر. ولم تهدأ نفسي حتى بلغتُ الإسلام.
أصغيتُ إليه وأنا أُحدّثُ نفسي بالعبارة التي تُنسبُ إلى الرومي: «إنّ ما تبحثُ عنه يبحثُ عنك». فهل كان إدواردو يطلبُ الحقيقة، أم أنّ الحقيقةَ هي التي كانت تطلبُه طَوالَ تلك السنين؟
قلتُ: وكيف انفتح البابُ أخيرًا؟ قال: بمصادفةٍ ليست مصادفة. التقيتُ بعد نحوِ ثماني سنواتٍ زميلًا قديمًا من أيّام الجامعة، كنتُ بالكاد أعرفه؛ اسمُه أنطونيو. دعاني إلى فنجان قهوة، فإذا به قد سافر إلى تركيا، وأسلم، وصار اسمُه «عبد التوّاب». حدّثني أنّه يُقيمُ في كلِّ ليلة خميسٍ مجلسًا للذِّكر — لم يُحسن شرحَ ماهيّته، قال إنّها صلاةٌ إسلاميّةٌ يؤدّيها — ودعاني أن أحضر. فقبلتُ.
ثمّ خفض صوتَه قليلًا، وكأنّ المشهدَ يعودُ إليه حيًّا:
— في ليلة الخميس قصدتُ بيته. ظننتُ أنّي سأجدُ جمعًا، فلم يكن هناك أحدٌ سواي. طلب منّي أن أتوضّأ، فغسلتُ يديّ ووجهي وقدميّ دون أن أفهمَ السبب. أعطاني عِطرًا، وقال: «احفظ نيّتك، واجعل قلبك خالصًا، وركّز على الله.» ثمّ بدأ يتلو شيئًا بالعربيّة… كانت سورةَ الفاتحة، وإن كنتُ يومَها لا أعرفُ لها اسمًا. كرّرها مرّةً، ثمّ مرّة، ثمّ مرّة… سبعًا فيما أحسب، ثمّ فقدتُ العدّ؛ لأنّي — والله — انغمستُ في تلك الكلمات انغماسًا، وخفقَ قلبي خفقًا عنيفًا. أغمضتُ عينيّ، فإذا بي أنظرُ إلى داخلي، وقد تملّكني سؤالٌ مُلِحٌّ لا أُطيقُ دفعَه: كيف أعرفُ هذه الكلماتِ العربيّةَ وأنا أسمعُها لأوّل مرّة؟
أتفهمُني يا أخي؟ لم يكن الأمرُ أنّي أعرفُ الفاتحةَ فحسب، بل كأنّي أعرفُها منذ زمنٍ سحيق، كأنّي نشأتُ وأنا أسمعُها، كأنّها جزءٌ من أقدمِ ذكرياتي. شيءٌ يستعصي على التفسير. كنتُ أُفتّشُ في طفولتي: متى سمعتُ هذا من قبل؟ هذه الكلماتُ منّي وفيّ، وقد كبِرتُ عليها… فكيف، وأنا لم أسمعها قطُّ؟ كنتُ مذهولًا. وكلّما أعاد التلاوةَ انفجرتُ فرحًا، حتى أيقنتُ أنّي قد وجدتُ موطني. ثمّ أدركتُ أنّه لا جوابَ عقليًّا لما يجري؛ إنّها تجربةٌ روحيّةٌ خالصة. فكففتُ عن السؤال، وأسلمتُ وجهي لله، وملأني الشكرُ على تلك اللحظة.
— ثمّ رفع أنطونيو الأذان، وصلّى، وانتهى المجلس. خرجتُ وأنا في حال صدمة. لقد زرتُ قبلَها مجالسَ شتّى، من أديانٍ شتّى، فما عرفتُ في واحدٍ منها تلك الأُلفةَ العميقة، ذلك الإحساسَ بأنّي عُدتُ إلى بيتٍ غادرتُه منذ زمن.
قال إدواردو: حدّثتُ صاحبي بما جرى، فظنّ أنّي أُبالغ. فأجابني بكلمةٍ ما زلتُ أذكرها: «هذا هو الذِّكر. الذِّكرُ هو تذكّرُ الله. فأنت قد تذكّرتَ اللهَ للتوّ.» — ثمّ صمتَ لحظةً وقال: خرجتُ من ذلك المجلس وأنا مسلم.
ولم أملك، وأنا أُصغي، إلّا أن أستحضرَ آيةَ الميثاق، حين أخذ اللهُ على ذرّيّة آدمَ عهدَهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا﴾. أفلم يكن ما حدثَ لإدواردو إلّا أن لامست الفاتحةُ ذلك العهدَ القديمَ المغروسَ في الفطرة، فاهتزّ وانتبهَ بعد طول رُقاد؟
وكأنّه قرأ ما يدورُ في خاطري، فقال: قد يظنُّ بعضُ الناس أنّي أنسجُ من خيالي. لكنّي أُومنُ حقًّا أنّ اللهَ أودَع الفاتحةَ في قلبي، أو أمر مَلَكًا أن يتلوَها في أُذنيّ وأنا رضيع؛ فلمّا تلاها صاحبي، تذكّرتُ ما كان كامنًا فيّ. لهذا كانت تجربةً صادقةً لا تُنسى.
ثمّ سألتُه عمّا كان بعد تلك الليلة، فطُويت السنونُ في حديثه طيًّا:
— أعجبُ ما في الأمر أنّ صاحبي أنطونيو، الذي كان سببًا في هدايتي، ترك الإسلامَ بعد حين، فبقيتُ أنا المسلمَ الوحيدَ في مدينتي. ثمّ شهِد أبي الشهادتين على يديّ، وأسلمت زوجتي — وكان إسلامُها في يوم المولد النبويّ الشريف، صلّى الله عليه وسلّم — ونشأ أبنائي الثلاثة في الإسلام. وأقبل الناسُ يستفسرون ويقتربون، حتى رُشِّحتُ بعد نحوِ ستِّ سنواتٍ لإمامة تلك الجماعة. ولمّا لم أجد في البرازيل، يومَ أسلمتُ، مَن يُعلّمني، رحلتُ أطلبُ علمَ الفقه والعقيدة والتصوّف في المغرب والسنغال. ثمّ كان ختامُ القصّةِ أجملَ من بدايتها: لقيتُ أنطونيو بعد رِدّته، فأهديتُه كتابًا عن النبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فنطق بالشهادة من جديد، وعاد إلى الإسلام. الحمدُ لله.

أحمد إلى جوار والده بعد دخوله الإسلام (٢٠١٣م).

أحمد وزوجته التي كان إسلامُها في يوم المولد النبويّ الشريف.

أحمد وأبناؤه الثلاثة الذين نشؤوا في الإسلام.
ولم تكن الطريقُ مفروشةً بالورد. قال إدواردو، وقد علَته غُصّةٌ خفيفة:
— كنتُ أوّلَ مسلمٍ في عائلةٍ كبيرةٍ موقّرة، لي فيها مكانةُ الاحترام. وفجأةً صرتُ غريبًا في نظر بعضهم، تُثقلُ كاهلي تلك الصورةُ المشوّهةُ التي رسمتها وسائلُ الإعلام عن دينٍ زعموه دينَ إرهابٍ وقهرٍ للمرأة. واشتدّ الأمرُ حين أسلم أبي في بيتي، ثمّ أعلن أنّه يُريدُ — إذا مات — أن يُدفنَ في مقبرةٍ إسلاميّة. — ثمّ أضاف بصوتٍ خفيض: وقد مات، رحمه الله وغفر له.

الوالد رحمه الله إلى جانب ابنه أحمد في أيّامه الأخيرة.
حملتُ حكايةَ إدواردو كما حملها هو ذاتَ خميسٍ من بيت صاحبه: شيئًا جديدًا يستقرُّ في الصدر. تذكّرتُ كتابي القديم، «المسيحيّة والسيف»، وما فيه من جراحِ قارّةٍ أُريد لها أن تُمحى بالسيف باسم الدِّين. ثمّ نظرتُ إلى هذا الرجل الذي وجد موطنه لا في أرضٍ ولا في عِرق، بل في ذِكرٍ قديمٍ أقدمَ من الكلمات. وأدركتُ، أخيرًا، سرَّ ذلك الدفء الذي غمرني عند أبواب المطار: لعلّ القلوبَ المجروحةَ تعرفُ بعضها، ولعلّ الأرواحَ التي تبحثُ عن موطنها الحقيقيّ تلتقي — في أرضٍ بعيدة، تحت أقواسٍ أندلسيّة — لتشهدَ أنّ ما نبحثُ عنه، كان طَوالَ الوقت، يبحثُ عنّا.
لم يتّسعْ المجال لكلِّ ما في صدر إدواردو؛ فقد وعدني أن يُكمل ما بدأ: رحلتَه الطويلةَ بين المذاهب المسيحيّة قبل أن يبلغَ شاطئَ اليقين، وأيّامَه في طلب العلم بين المغرب والسنغال، وحكاياتٍ أُخرى تنتظرُ أن تُروى. وتلك أمانةٌ سأسعى إلى أدائها في حلقةٍ قادمة، إن شاء الله — فللقصّةِ بقيّةٌ، وللحديثِ شجون.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.