آخر الأخبار

أُمنا هاجر في مشهد الذبح.. الغائبة الحاضرة وصناعة الجيل المؤمن

Picture of نشوان عادل البدراني

نشوان عادل البدراني

شارك المقال على :

أُمنا هاجر في مشهد الذبح.. الغائبة الحاضرة وصناعة الجيل المؤمن

(الحلقة الأولى)

“سلسلة مدرسة أُمنا هاجر (عليها السلام): صناعة الإنسان في ميزان الإيمان”

بقلم: الشيخ نشوان عادل البدراني

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

ليست قصة الذبح في القرآن الكريم مجرد مشهد عابر من مشاهد الابتلاء، ولا حادثة فردية في تاريخ النبوات، بل هي بناء قرآنيّ عميق يكشف كيف تُصنع النفوس المؤمنة، وكيف تتكون الأجيال التي تستطيع أن تنتصر على فطرة التعلق بالدنيا حين يتقدم أمر الله تعالى، وحين تُقرأ قصة الذبح غالبا تتجه الأبصار مباشرة إلى مشهدين عظيمين:

  1. مشهد الأب الخليل الذي امتثل لأمر الله دون تردد.
  2. ومشهد الابن المبارك الذي تلقّى أمر الذبح بروح الرضا والتسليم ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102].

إنه مشهد تهتز له الأرواح؛ أبٌ يُؤمر بذبح أحب الناس إلى قلبه، وابن يستقبل الموت المحتمل بسكينة العارفين بالله، غير أن القراءة التربوية العميقة لهذا المشهد تكشف أن هناك شخصية ثالثة حاضرة في كل تفصيل من تفاصيل القصة، وإن لم يذكرها السياق القرآني في لحظة الذبح نفسها تصريحا إنها أُمنا هاجر (عليها السلام)، تلك المرأة التي لم تكن مجرد زوجة نبيّ، ولا أمًّا عابرة في سياق الأحداث، بل كانت -في جوهر البناء الإيماني- إحدى أعظم الشخصيات التربوية في تاريخ التوحيد.

فسيدنا إسماعيل u لم يولد بتلك الروح المؤمنة فجأة، ولم يتشكل يقينه في لحظة واحدة، وإنما تدرج في مدرسة إيمانية صنعتها أمٌّ رباها الابتلاء قبل أن تُربي ولدها.

1- أُمنا هاجر وحين يتحول الابتلاء إلى منهج تربية.

إن أول ما يلفت النظر في قصة سيدتنا هاجر (عليها السلام) ليس مشهد الذبح، بل مشهد ذلك الوادي الذي وصفه سيدنا إبراهيم u بقوله: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: 37]، امرأة تُترك في صحراء موحشة، لا ماء فيها ولا أنيس، ومعها رضيع صغير.

إنه ابتلاء يتجاوز حدود الطاقة البشرية المعتادة، حتى إن الفطرة الإنسانية تكاد تصرخ: كيف يحدث هذا؟ لكن العجيب أن أُمنا هاجر (عليها السلام) لم تجعل مركز السؤال ذاتها، ولم تبدأ بالاعتراضات النفسية التي تفرضها طبيعة البشر، فهي لم تقل: لماذا أنا؟، ولم تقل: كيف تتركني في هذا المكان؟، ولم تُغرق نفسها في حسابات الخوف والمستقبل والمصير، بل اختزلت القضية كلها في سؤال واحد: «آللَّهُ أمرك بهذا؟»، فلما قال سيدنا إبراهيم u: نعم، قالت الكلمة التي يمكن اعتبارها من أعظم العبارات التربوية في التاريخ الإيماني: «إذن لا يضيّعنا الله»، وهنا تبدأ المدرسة.

إنها ليست مجرد جملة عاطفية، بل إعلان عقديٌّ كامل، يختصر حقيقة التوحيد والتوكل والرضا، فأُمنا هاجر (عليها السلام) لم ترَ الماء، لكنها رأت ربّ الماء، ولم ترَ الأسباب، لكنها تعلّقت بمسبّب الأسباب، ولم تنكر قسوة الواقع، لكنها أيقنت أن أمر الله تعالى لا يحمل لعباده الضياع وإن حمل لهم الألم، وهنا تتجلّى حقيقة قرآنية كبرى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]، لقد تحوّل الوادي القاحل إلى أول معهد تربوي لصناعة اليقين.

2- الأم التي صنعت من الصحراء مدرسة إيمانية.

كثير من القراءات الوعظية تختصر دور أُمنا هاجر (عليها السلام) في كونها امرأة صبرت، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، لقد كانت أُمنا هاجر (عليها السلام) صانعة وعي إيماني.

فسيدنا إبراهيم u -مع عظيم مقامه- لم يكن حاضرا مع سيدنا إسماعيل u حضورا يوميا مستمرا، بل كان يأتي ويغيب امتثالا لأمر الله تعالى، كما دلت عليه النصوص، أما التي حملت عبء التربية اليومية، والخوف، والجوع، والانتظار، والاحتواء النفسي فقد كانت أُمنا هاجر (عليها السلام)، فهي التي رأت طفلها يبكي عطشا، وهي التي هرولت بين الصفا والمروة سبع مرات تبحث عن سبب من أسباب النجاة، وهي التي تعلمت أن السعي لا يناقض التوكل، وأن المؤمن يجمع بين بذل الجهد وتفويض القلب لله سبحانه.

ومن هنا نفهم لماذا خُلّد سعيها في شعيرة من أعظم شعائر الإسلام، فالله تعالى لم يجعل السعي بين الصفا والمروة مجرد ذكرى تاريخية، بل جعله عبادة متكررة إلى قيام الساعة؛ لأن الأمة تحتاج دائما أن تتذكر أن الفرج يولد أحيانا في ذروة الانكسار ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158]، لقد تربّى سيدنا إسماعيل u في بيئة لم تكن تشرح له الإيمان بالكلام المجرد، بل كانت تعيشه واقعا يوميا، تربى وهو يرى أمه تثق بالله حين تغيب الأسباب، وتسعى دون يأس، وتصبر دون انهيار، وتربط كل حدث بالله تعالى، وهكذا تُصنع العقائد الحية، فالأبناء لا يتربون غالبا بما نُلقيه عليهم من المواعظ، بقدر ما يتربون بما يرونه متجسدا في سلوك الآباء والأمهات، فهم القدوة الحسنة.

  • مِنْ «إذن لا يضيعنا الله» إلى «افعل ما تؤمر»

حين وقف سيدنا إسماعيل u أمام الابتلاء الأعظم، لم يكن الموقف مفاجئا لعقله الإيماني، ولهذا لم يقل: لماذا أنا؟ ولماذا الذبح؟ ولماذا هذا الابتلاء؟، بل قال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾، وهنا تتجلّى العبقرية التربوية في صناعة الإيمان، فالكلمات العظيمة التي ينطق بها الأبناء في لحظات الشدة، كثيرا ما تكون صدى لما غُرس في أرواحهم زمن الطفولة، وكأن عبارة سيدنا إسماعيل u: (افعل ما تؤمر) هي الامتداد الطبيعي لعبارة أمّه: «إذن لا يضيّعنا الله».

فمن تربى على أن الله لا يضيّعه، لن يرى أوامر الله تهديدا، بل سيرى فيها عين الرحمة وإن خفيت الحكمة، وهذا من أعظم دروس التربية الإيمانية في القرآن، أن التربية الحقيقية لا تُنتج أبناء يحفظون الشعارات، بل تُنتج نفوسا ثابتة عند الزلازل.

  • أين كانت هاجر يوم الذبح؟

القرآن الكريم لم يذكر لنا تفاصيل موقف أُمنا هاجر (عليها السلام) في حادثة الذبح، ولم ترد رواية صحيحة تصف ما جرى بينها وبين سادتنا إبراهيم أو إسماعيل (عليهما السلام) في تلك اللحظات، وهنا يجب التفريق بمنهجية علمية دقيقة بين النص القطعي، وبين التأمل التربوي أو التصوير الأدبي المشروع، فما سيأتي ليس رواية تاريخية، وإنما محاولة لاستحضار المعنى الإنساني والإيماني الذي ينسجم مع طبيعة الأمومة المؤمنة.

أيُعقل أن تكون أُمنا هاجر (عليها السلام) بعيدة وجدانيا عن أعظم امتحان في حياة ولدها؟

أيمكن أن تكون تلك الأم التي صنعت يقين ابنها غائبة عن لحظة اكتمال هذا اليقين؟ لعلها قرأت في وجه زوجها إبراهيم u ما لم يستطع قوله، ولعل ذاكرة الوادي القديم عادت إليها مرة أخرى، ولعل سؤالها القديم تردد في قلبها من جديد: «آللَّه أمرك بهذا؟»، فإذا كان الابتلاء الأول قد تعلق بالجوع والوحدة والخوف، فإن الابتلاء هذه المرة يتعلق بأعز ما تملك (فلذة كبدها)، وهنا يظهر الفارق بين الرضا الإيماني وغياب الألم، فالإيمان لا يُلغي الفطرة.

إن الإسلام لا يطلب من المؤمن أن يتحول إلى حجر لا يشعر، بل يطلب منه أن يجعل محبة الله فوق كل محبة، ولهذا كان ابتلاء سيدنا إبراهيم u من أعظم الابتلاءات؛ لأنه تعلّق بالولد الذي جاء بعد شوق طويل، وكان ابتلاء أُمنا هاجر (عليها السلام) – إن تأملناه وجدانيا- شديد القسوة كذلك؛ لأن الأمومة بطبيعتها أشد التصاقا بالتفاصيل العاطفية، وربما -كتخيّل لا كرواية تاريخية- رتّبت ثياب ابنها ووحيدها بيد ترتجف، وربما أطالت النظر في وجهه أكثر من المعتاد، وربما أخفت دموعها حتى لا تُضعف قلبه، وربما كانت تخوض في داخلها معركة بين عاطفة الأم وتسليم العبدة المؤمنة، لكنها في النهاية -كما علّمت ابنها من قبل- اختارت الله تعالى.

  • عظمة أمنا هاجر … حين تصنع الأم تاريخ أمة.

إن أعظم ما تكشفه قصة أُمنا هاجر (عليها السلام) ليس بطولة فردية عابرة، بل أثر التربية الصامتة الممتدة عبر السنين، فخلف كل ثبات عظيم غالبا قلب ربى بصمت.

إن الأمم لا تُبنى فقط بالخطب والدروس والمنابر، بل تُبنى كذلك في البيوت، في حضن أمٍّ تزرع اليقين قطرة قطرة، ولهذا فإن من الظلم التربوي والحضاري أن تُختزل المرأة المؤمنة في أدوار هامشية، بينما القرآن نفسه يقدم نماذج نسائية كانت شريكة في صناعة الإيمان والتاريخ والنبوة، لقد كان أثر أُمنا هاجر (عليها السلام) ممتدا إلى درجة أن سعيها صار شعيرة، وصبرها صار درسا، ويقينها صار جزءا من التكوين الروحي للأمة، ولعل أعظم تكريم لها ليس فقط تخليد سعيها بين الصفا والمروة، بل تخليد أثرها التربوي في ابن وقف أمام الموت مطمئنا؛ لأنه تربّى على أن أمر الله لا يضيّع أحدا.

ونستلهم من القصة رسائل تربوية نحن أحوج ما نكون اليها في زمن تتكاثر فيه وسائل التأثير، وتتنازع فيه القيم على تشكيل وعي الأبناء، تعود قصة أُمنا هاجر (عليها السلام) لتعلن حقيقة بالغة الأهمية: أن التربية ليست تلقينا، بل تكوين، فالطفل لا يتعلم الإيمان من كثرة الأوامر وحدها، بل من رؤية الإيمان حيّا في سلوك والديه، وحين يرى الأبناء الصبر عند الشدائد، والثقة بالله عند الأزمات، والرضا عند الأقدار، والصدق العملي مع الله تعالى، فإن هذه المعاني تتحول مع الأيام إلى بنية داخلية مستقرة.

ومن هنا فإن أعظم مشروع يمكن أن تبنيه الأمة ليس فقط إنشاء المؤسسات، بل صناعة الإنسان المؤمن القادر على الثبات حين تتهاوى الموازين.

خاتمة.

لم تكن أُمنا هاجر (عليها السلام) غائبة عن مشهد الذبح، وإن غاب اسمها عن تفاصيل الرواية، لقد كانت حاضرة في يقين سيدنا إسماعيل u، وفي طمأنينة قلبه، وفي طريقته في فهم أمر الله سبحانه، فبعض الناس لا يظهر أثرهم في واجهة الأحداث، لكنهم يكونون الجذور العميقة التي وقفت عليها الشجرة كلها، وربما كان خلف كل ثبات عظيم أمٌّ عظيمة بكت بصمت، وآمنت بصمت، وربّت بصمت.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

* الشيخ نشوان عادل البدراني؛ عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، إمام وخطيب جامع التكاي/ مدينة الموصل، ومدير ادراة المجمع الفقهي العراقي/ العراق- نينوى.

نشوان عادل البدراني
+ posts

أخبار ذات صلة

بغداد.. اختتام دورة “الوسطية في ترشيد فقه الخلاف وبناء ثقافة الائتلاف” لعلماء ودعاة البصرة

اختتمت في العاصمة العراقية بغداد فعاليات الدورة التطويرية المتخصصة التي

الدكتور علي القره داغي وريادة الاقتصاد الإسلامي الحديث

الدكتور علي القره داغي وريادة الاقتصاد الإسلامي الحديث بقلم: أحمد

ذاكرةٌ أقدمُ من الكلمات

ذاكرةٌ أقدمُ من الكلمات (سورة الفاتحة سبب إسلامِ المحامي البرازيلي