آخر الأخبار

الزكاة وتأثيرها في القيم الأخلاقية

Picture of دحام إبراهيم الهسنياني

دحام إبراهيم الهسنياني

شارك المقال على :

الزكاة وتأثيرها في القيم الأخلاقية

بقلم: د. دحام إبراهيم الهسنياني

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

الزكاة تزكي المال وتنميه، وتطهر النفس وتبرئها من أسقامها وأدوائها ولها آثار كثيرة في إصلاح أخلاق المسلم من جوانب عديدة، فهي من أهم الأسباب في تنقية النفس من أشد الأمراض وأسوأها وهو داء السع والبخل والإمساك، وهذا الشح الذي يورث الإنسان غضب الله وعداوة الخلق تعالجه الزكاة والصدقات علاجا جذريا، لأنها تعوده دوام البذل حتى ولو كان مكرها، خائفا من عذاب الله، فلا يزال العبد يجاهد نفسه حتى يسلس له قيادها، ويلين زمامها فلا يمسك في مواطن البذل، ولا يحجم في مواضع الإقدام.

والزكاة إذا عالجت داء الشح في نفس الغني المنفق فهي تعالج داء الحقد والحسد في نفس الفقير الآخذ من هذه الأموال، ولو تكاثر هذا المرض، الحقد والحسد، في المجتمع المسلم بل أي مجتمع أفضى إلى تدميره، ويعيش هذا الفقير يمتلئ صدره نارا ساحقة، وهذا يودي به ويزري أخلاقه، لكن إعطاؤه والحنو عليه يخلق فيه روح الحب، وتدب فيه سلامة الصدر ونقاء القلب ولا يلبث إذا أفاض الله عليه بخير أن يبذل هو أيضا من خاصته ما يحتاج إليه، لأن إعطاؤه يدفعه إلى الإحساس بغيره أكثر من إحساسه بخاصة نفسه، وهذا التعايش الآمن معناه أن غاية الإسلام ليست القضاء على الأغنياء، وإنما  دائما القضاء على الفقر(1).

والإنسان إذا تطهر من الشح والبخل، واعتاد البذل والإنفاق، ارتقى من حضيض الشح الإنساني (وَكَانَ الإنسان قَتُورًا) (الإسراء: 100)، واقترب من أفق الكمالات (الربانية) فإن من صفات الحق تعالى إفاضة الخير والرحمة والجود والإحسان دون نفع يعود عليه تعالى، والسعي في تحصيل هذه الصفات بقدر الطاقة البشرية تخلق بأخلاق الله، وذلك منتهى كمالات الإنسانية (2).

قال الإمام الرازي: (إن النفس الناطقة – يعني تلك التي صار بها الإنسان إنساناً لها – قوتان: نظرية وعملية، فالقوة النظرية كمالها في التعظيم لأمر الله، والقوة العملية كمالها في الشفقة على خلق الله، فأوجب الله الزكاة، ليحصل لجوهر الروح هذا الكمال، وهو اتصافه بكونه محسنا إلى الخلق، ساعيا في إيصال الخيرات إليهم، رافعا للآفات عنهم..)(3).

وأما الشيخ محمد الغزالي فيرى أن الزكاة المفروضة ليست ضريبة تؤخذ من الجيوب، بل هي -أولا- غرس لمشاعر الحنان والرأفة، وتوطيد لعلاقات التعاون والألفة بين شتى الطبقات… وقد نص القرآن على الغاية من إخراج الزكاة بقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) (التوبة: 103)… فتنظيف النفس من أدران النقص، والتسامي بالمجتمع إلى مستوى أنبل هو الحكمة الأولى… ومن أجل ذلك وسع النبي صلى الله عليه وسلم في دلالة كلمة الصدقة التي ينبغي أن يبذلها المسلم فقال: (تبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الأذى والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة)(4). وهذه التعاليم في البيئة الصحراوية التي عاشت دهورا على التخاصم والنزق تشير إلى الأهداف التي رسمها الإسلام، وقاد العرب في الجاهلية المظلمة إليها(5).

كما أن تشريعات الزكاة تعلم المسلم العفة وعزة النفس وطرق لكل أبواب العمل المباح الذي يعفه عن ذل السؤال، ويبذل قصارى جهده لينفع نفسه أو يتصدق لتكون يده هي العليا في العطاء. وبذلك يتخلق المسلم بأخلاق الكرم والجود والبذل والتضحية، وتؤثر الزكاة فيه حب الآخرين والإحساس بهم وتنمي التربية الجماعية والميل إلى معرفة الآخرين وتحري ظروفهم والنهوض لنجدتهم، والسعي لكفالتهم.

كما يربي القرآن الكريم المتصدق على خلق راقٍ، بأن ينتقي من ماله أجوده وأحبه، وأجله وأطيبه؛ فإنه يقع في يد الله عز وجل قبل أن يقع في يد السائل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ( (البقرة: 267ـ268).

وفي سبب نزول هذه الآية عن البراء رضي الله عنه قال: (نزلت فينا كنا أصحاب نخل، فكان الرجل يأتي من نخله بقدر كثرته وقلته، فيأتي الرجل بالقنو(6) فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصُفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع جاء فضربه بعصاه، فسقط منه البسر والتمر فيأكل، وكان أناس ممن لا يرغبون في الخير يأتي بالقنو الحشف(7) والشيص(8) فيأتي بالقنو قد انكسر فيعلقه فنزلت: (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) قال: لو أنّ أحدكم أهدى له مثل ما أعطي، ما أخذه إلا على إغماض وحياء، فكنا بعد ذلك يجيء الرجل منا بصالح ما عنده)(9).

كما ربّى القرآن الكريم متعلمه على تجرد الصدقة من المنّ والأذى قال تعالى: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) (البقرة: 263). و(قَوْلٌ مَعْرُوفٌ): كلمة طيبة ودعاء لمسلم، (وَمَغْفِرَةٌ): أي عفو عن ظلم قولي أو فعلي، خير أن يذكرها المتصدق، ويتحدث بها، أو يستخدمه بالعطاء، أو يتكبر عليه لأجل إعطائه، والأذى: أن يظهرها، أو يعيره بالفقر، أو ينتهره، أو يوبخه بالمسألة(10).

ولهذا قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى) (البقرة: 264)، فأخبر أنّ الصدقة تبطل بما يتبعها من المن والأذى فما يفي ثواب الصدقة بخطيئة المن والأذى. ثم قال تعالى: (كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ) أي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجه الله وإنما قصدُه مدح الناس له أو شهرته بالصفات الجميلة ليشكر بين الناس أو يقال: إنه كريم ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى، وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه.

والأصل أن يرى المتصدقُ الفقير محسنًا إليه، بقبول حق الله عز وجل منه، الذي هو طهرته ونجاته من النار، وأنه لو لم يقبلها لبقي مرتهنًا به، وأن يستصغر الصدقة، وقد قيل: لا يتم المعروف إلا بثلاث تصغيره وتعجيله وستره.

ومن التطبيق العملي لهذه الآية ما رويت السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بضب فلم يأكله ولم ينه عنه، قلت يا رسول الله: نطعمه المساكين؟ قال: (لا تطعموهم مما لا تأكلون)(11). ولهذا قال: (وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) أي: لو أعطيتموه ما أخذتموه إلا أن تتغاضوا فيه، فالله أغنى عنكم، فلا تجعلوا لله ما تكرهون.

روى ابن جرير بسنده عن البراء رضي الله عنه في قوله: (وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلاّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) يقول: لو كان لرجل على رجل فأعطاه ذلك لم يأخذه إلا أن يرى أنه قد نقصه من حقه. فهذا من سوء الأدب مع الله أن يمسك الجيد لنفسه أو لأهله ولو فعل هذا بضيفه وقدم له ما يخرجه من رديء ماله لأوغر صدره.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

** الهوامش

([1]) الآثار التربوية للعبادات د. صلاح الدين سلطان: 55.

(2) فقه الزكاة د. يوسف القرضاوي: 2/862.

(3) التفسير الكبير: 8/65.

(4) رواه أحمد: 5/167، والترمذي، كتاب البر والصلة، رقم (1956). والبخاري في «الأدب المفرد» (227).

(5) خلق المسلم: 8.

(6) القِنْو: العِذْق بما فيه من الرّطب. والجمع أقناء، وقنوان. وفي التنزيل العزيز: (وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ) (الأنعام: 99). المعجم الوسيط: 764، مادة “ق ن و”.

(7) الحَشَف – بالتحريك – أردأ التمر، أو الضعيف لا نوى له، أو اليابس الفاسد. ويقال: “أحشفا وسوء كيلة” لمن يجمع خصلتين مكروهتين. انظر: القاموس المحيط: 720، باب الفاء، فصل الحاء، مادة “حشف”.

(8) الشِّيْص: تمر لم يتم نضجه لسوء تأبيره أو لفساد آخر. المعجم الوسيط: 503، مادة “ش ي ص”.

(9) جامع البيان، ابن جرير الطبري: 3/84.

(10) موعظة المؤمنين، جمال الدين القاسمي: 1/57.

(11) رواه أحمد، رقم (24961)، والطبراني في الأوسط: 5/212، والبيهقى: 9/325، رقم (19210).

دحام إبراهيم الهسنياني
+ posts

أخبار ذات صلة

لجنة الثوابت والفكر الإسلامي بالاتحاد تنظم ندوة دولية بعنوان «هجرة النبي ﷺ: بناء وتجديد»

تنظم لجنة الثوابت والفكر الإسلامي بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ندوة

دعوة إبراهيم -عليه السلام- إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

دعوة إبراهيم -عليه السلام- إلى إفراد الله بالعبادة وطلب الرزق

دُسْتُورُ الأَنْعَامِ.. وَمَيْدَانُ الأَعْرَافِ

دُسْتُورُ الأَنْعَامِ.. وَمَيْدَانُ الأَعْرَافِ (مِحْرَابُ التَّدَبُّرِ: قُطُوفٌ مِنْ خَوَاطِرِ الجُزْءِ