بسم الله الرحمن الرحيم
إخواني معشر العرب،
ما أكثر ما سمعنا في مجالسنا، وقرأنا في صحفنا، ورددنا في أحاديثنا، أن الشرق قد سبقنا، وأن الغرب قد تفوق علينا، وأن الأمم من حولنا تمضي في طريق القوة والعلم والسيادة، بينما نقف نحن نتأمل آثارها ونحصي خطواتها. حتى خُيّل إلى كثير منا أن سرّ ضعفنا كامن في قوتهم، وأن سبب تأخرنا هو تقدمهم، وأن ما نلقاه من عجز إنما هو ثمرة مباشرة لما بلغوه من سلطان.
ولكن الحقيقة التي لا نرغب أن ننظر إليها، والتي نهرب منها كما يهرب المريض من مرآة تكشف علته، هي أن تأخرنا ليس من تقدّم غيرنا.
فلم يكن الغرب سببًا في جهلنا حين أهملنا العلم، ولم يكن الشرق سببًا في ضعف صناعتنا حين أهملنا الصناعة، ولم تكن الأمم المتقدمة سببًا في ركود مؤسساتنا حين تركناها تذبل تحت وطأة الإهمال والفساد وسوء التدبير.
إن الأمم لا تسرق من الأمم عقولها، ولا تنتزع من أيديها إرادتها، ولا تمنعها من أن تتعلم أو تعمل أو تبدع. وإنما تصنع كل أمة مصيرها بقدر ما تملك من رؤية وعزم وصبر. فإذا رأيتم أمةً قد ارتفعت في مدارج القوة، فلا تسألوا كيف ارتفعت، بل اسألوا كيف بقيت أمتكم في مكانها لا تريم عنه.
لقد أصبحنا، في كثير من الأحيان، كالرجل الذي يقف عند سفح جبل، فيرى غيره يصعد نحو القمة، ثم يظن أن سبب بقائه في السفح هو صعود ذلك الصاعد. وما درى أن القمة تتسع لأكثر من واحد، وأن الطريق لم يُغلق في وجهه، وأن الذي منعه من الارتقاء ليس خطوات الآخرين، بل تردده هو، أو كسله، أو انشغاله بالنظر إلى الصاعدين بدل أن يبدأ الصعود.
يا معشر العرب،
انظروا إلى ميدان العلم. هل تقدمت الأمم لأن السماء اختصتها بعقول لا يملكها غيرها؟ أم لأنها جعلت من المدرسة مصنعًا للعقول، ومن الجامعة محرابًا للبحث، ومن المختبر ورشةً لا تهدأ فيها الحركة؟ لقد فهمت تلك الأمم أن الثروة الحقيقية ليست في باطن الأرض، بل في باطن الرأس؛ ليست في المناجم، بل في العقول التي تعرف كيف تستخرج من الحجر علمًا، ومن العلم قوةً، ومن القوة حضارة.
وانظروا إلى ميدان السياسة. إن النفوذ الذي نراه اليوم ليس ثمرة المصادفة، ولا هو هبة تمنحها الأيام لمن تشاء. إنه حصيلة مؤسسات قوية، وإدارة رشيدة، وقوانين تحترمها الدولة قبل أن تطلب من الناس احترامها. فالدولة الحديثة لا تقوم على الخطابة وحدها، كما لا يقوم البناء على الزخارف وحدها. إنما تقوم على أسس راسخة، كما تقوم الشجرة العظيمة على جذور ضاربة في أعماق الأرض.
وانظروا إلى ميدان القوة العسكرية. لقد كان السيف يومًا عنوان القوة، ثم صار المدفع، ثم أصبحت القوة اليوم تولد في المختبر قبل أن تظهر في ميدان القتال. وأصبحت الجامعة جزءًا من منظومة الدفاع، وأصبح الباحث جنديًا من جنود الأمة، وأصبحت المعادلة العلمية لا تقل أثرًا عن البارجة والطائرة والصاروخ. فمن أراد أن يكون قويًا في هذا العصر، فلا يكفيه أن يكثر من شراء السلاح، بل عليه أن يمتلك العقل الذي يصنع السلاح.
وانظروا إلى الاقتصاد. إن الأمم التي تتصدر العالم لم تبلغ ما بلغت لأنها كانت أغنى الأمم موارد، بل لأن الإنسان فيها كان أغنى الأمم علمًا وتنظيمًا وانضباطًا. فكم من بلادٍ فقيرة الموارد أغنتها عقول أبنائها، وكم من بلادٍ غنية الكنوز أفقرها سوء الإدارة وغياب الرؤية. فالثروة، في عصرنا، لم تعد تُستخرج من الأرض وحدها، بل تُستخرج من المعرفة والابتكار والإنتاج.
وما أشبه حال بعضنا بمزارع أهمل أرضه أعوامًا طويلة، حتى جف ترابها ويبس زرعها، ثم أخذ ينظر إلى بساتين جيرانه الخضراء ويتساءل: لماذا أثمرت بساتينهم ولم يثمر بستاني؟ وهو يعلم في قرارة نفسه أن المشكلة ليست في خصوبة أرض الآخرين، بل في أنه ترك أرضه بغير حرث ولا سقي ولا عناية.
لقد طال بنا العهد نبحث عن أسباب إخفاقنا خارج أنفسنا. مرةً في مؤامرات الآخرين ومكايدهم، وأخرى في قوة خصومنا، وثالثة في تحولات العالم من حولنا. ولا ريب أن الأمم تتنافس، وأن المصالح تتصارع، وأن الأقوياء يسعون إلى زيادة قوتهم. ولكن الأمم الحية لا تجعل من ذلك عذرًا للكسل، ولا ذريعةً للتخلف. إنها تنظر إلى الواقع كما هو، ثم تسأل نفسها: ماذا نستطيع أن نفعل؟ لا ماذا فعل بنا الآخرون؟
إن أخطر ما يصيب أمةً من الأمم أن تفقد الشعور بالمسؤولية عن مصيرها. فعندئذٍ تتحول من صانعة للتاريخ إلى متفرجة عليه، ومن فاعلة فيه إلى مفعول بها. أما الأمة التي تؤمن بأن مستقبلها رهن بإرادتها، فإنها لا تخشى تقدم غيرها، لأنها تعلم أن الطريق إلى التقدم لا يزال مفتوحًا أمامها.
وليس معنى هذا أن نغض الطرف عن إنجازات الأمم الأخرى، أو أن نزهد في دراسة تجاربها. بل على العكس من ذلك؛ يجب أن ننظر إليها نظر التلميذ إلى الدرس، لا نظر الحاسد إلى المحسود. فالحكمة لا وطن لها، والعلم لا جنسية له، والتقدم لا يحتكره شعب دون شعب. وما من أمة نهضت إلا لأنها أحسنت التعلم قبل أن تحسن التعليم، وأحسنت الاقتباس قبل أن تحسن الإبداع.
يا معشر العرب،
إن السؤال المجانب للصواب الذي شغلنا طويلًا هو: لماذا تقدم غيرنا؟
أما السؤال الموفق للصواب فهو: لماذا تأخرنا نحن؟
فإذا صدقنا في الإجابة عن هذا السؤال، وواجهنا أنفسنا مواجهة الشجاع الذي لا يخاف الحقيقة، وجدنا أن الطريق إلى النهضة ليس سرًا غامضًا، ولا معجزةً مستحيلة، وإنما هو علم وعمل، وانضباط وصبر، واحترام للعقل، وإيمان بأن الأمم لا تُبنى بالأماني، كما لا تُبنى السفن على أمواج البحر، وإنما تُبنى في ورش العمل، كما تُبنى الحضارات في مدارس العلم ومختبرات البحث ومؤسسات الدولة.
ولعل أول خطوة في طريق النهوض أن نتحرر من هذا الوهم القديم: وهم أن تأخرنا من تقدم غيرنا. فليس تأخرنا من تقدم غيرنا، وإنما من تأخرنا نحن عن أسباب التقدم. وليس ضعفنا من قوة غيرنا، وإنما من ضعف ما فينا من إرادة وعلم وتنظيم. فإذا أدركنا هذه الحقيقة، انتقلنا من لوم العالم إلى إصلاح أنفسنا، ومن مراقبة الأمم إلى منافستها، ومن الشكوى من التاريخ إلى المشاركة في صنعه.
أوكسفورد
18/6/2026م
