آخر الأخبار

جبر السماء للمهاجرين: رسالة مواساة في ظلال سورة النحل

شارك المقال على:

​بسم الله الرحمن الرحيم.
​أيها القراء الكرام، لقد كانت الهجرة في بدايتها اقتلاعًا قاسيًا من الجذور، ولم تكن قَطُّ أمرًا هَيِّنًا؛ فقد كابَدَ الصحابة الكرام في مطلع هجرتهم إلى المدينة مرارة الفقد، وأنهكتهم حُمَّى يثرب ومرضها، واعتصرت قلوبهم ألمًا وشوقًا إلى مكة، مسقط رؤوسهم ومَهْوَى أفئدتهم، حتى كانوا يَرْثُونَ أوطانهم بالشعر والدمع.
​وكيف لا يشتاقون، وقد وقف حبيبنا المصطفى ﷺ على مشارف مكة، والتفت إليها مودعًا بقلب مَكْلُوم قائلًا: “والله إنكِ لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخْرِجْتُ منكِ ما خرجت”.
إن هذا الحنين الجارف إلى الوطن الأم هو وجع بشري عميق، لا يداويه ولا يمسح على لَوْعَتِه إلا نداء السماء وجبر الله القائل في مُحْكَم التنزيل:
​(وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [النحل: 41-42].
​هذه الآيات العظيمة تدخل مباشرة إلى شِغَاف قلوبنا، فتمسح على أرواحنا التي أنهكها الظلم وأتعبتها الغربة، وتستخرج لنا كنوزًا ربانية تواسي كل من أُخْرِجَ من دياره مظلومًا، مقهورًا، فارًّا بدينه وعقيدته.

​شرف الغاية وقسوة السبب
​إننا حين نغوص في أسباب نزول هاتين الآيتين، نجد في كتب السيرة والتفسير أنهما نزلتا في ثُلَّة من المستضعفين من الصحابة الكرام؛ كبلال بن رباح، وصُهَيْب الرومي، وعمَّار بن ياسر، وخَبَّاب بن الأَرَتّ، وغيرهم ممن طالهم عذاب المشركين وبطشهم في مكة. لقد صبروا على الأذى، ثم تركوا ديارهم وأموالهم وهاجروا فرارًا بدينهم إلى أرض الحبشة ثم إلى المدينة المنورة. نزلت الآيات لتكون جَبْرًا سماويًّا مباشرًا لقلوبهم التي صَدَعَتْ بالحق فَتَصَدَّعَ بسببها بنيان طغيان قريش.
​والآية وإن نزلت في صحابة الأمس، فهي دستور إلهي، ووعد رباني قاطع لكل من سار على دربهم، ولكل من ظُلِمَ واضْطُهِدَ في زماننا هذا، فآثر ما عند الله على دنيا يُباع فيها الدين وتُهْدَر فيها الكرامة.
​وقد اشترط الله لقبول هذه الهجرة وتنزيل هذا العطاء أن تكون (فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا). فالكثيرون لم يخرجوا بَطَرًا ولا رياءً ولا طمعًا في دنيا، بل أخرجهم الظلم. وحين يتم هذا الشرط، ويتحقق هذا التَّجَرُّد، يأتي العطاء الإلهي مباشرة.

​الوعد العاجل: في ضيافة الله
​يقول تعالى: (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً). التَّبْوِئَة في لغة القرآن الكريم تعني الإنزال والتمكين في المكان والمكانة.
وقد عبر عن هذا المعنى الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله حين قال: “إن من يترك أرضًا أَلِفَهَا من أجل الله، فإن الله هو الذي يتولى ضيافته، ولن ينزل العبد في ضيافة ربه إلا أكرمه وعوضه دارًا خيرًا من داره، لأن الأرض كلها أرض الله”.
​ويزيد الإمام الطاهر بن عاشور المعنى عمقًا حين يوضح في تفسيره أن كلمة (حَسَنَةً) جاءت نَكِرَة لتفيد التعظيم والشمول؛ فهي حسنة في السكينة، وحسنة في حفظ الكرامة، وحسنة في حماية الذرية لتتربى على أعين الله بعيدًا عن أيدي الظالمين.

​الوعد الآجل: الأجر الذي لا يُصَادَر
​ولكن القرآن الكريم يأخذنا دائمًا إلى آفاق أرحب، فمهما اتسعت حسنة الدنيا وجَبَرَ الله فيها كَسْرَنَا، يبقى الوعد الآجل هو الغاية والمقصد: (وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).
​لقد صاغ الأستاذ سيد قطب رحمه الله هذا المعنى ببراعة حين بَيَّنَ أن عطاء الدنيا موقوت محدود، أما أجر الآخرة فهو الأكبر والأبقى، ولو علم الناس حقيقة هذا الأجر الممتد لاسْتَصْغَرُوا كل تضحية، ولما حزنوا على ما تركوه من ديار ومكتسبات قياسًا بما أعده الله لهم. إن الظالم قد يُصَادِر بيتك، قد يُضَيِّق عليك رزقك، قد يَحْرِمُك من وطنك، لكنه أبدًا وحتمًا لا يملك أن يصادر قصرك في الجنة ولا مقعد صدقك عند مَلِيك مُقْتَدِر.

​الصبر والتوكل: شرطا الرحلة
​وحتى نكون أهلًا لهذه المكانة السامية، حدد الله الفئة الفائزة بصفتين قرآنيتين متلازمتين ذكرهما الإمام ابن القيم رحمه الله بكثير من التحليل، وهما: الصبر والتوكل.
​ففي قوله (الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)، يُعَلِّمُنَا ابن القيم أن الصبر هنا ليس مجرد التحمل السلبي لانكسار الغربة، بل هو صبر على ألم الظلم، وصبر على الثبات على المبدأ في بلاد المهجر.
أما التوكل، فهو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل وحده؛ فأنت في غربتك لا تعتمد على الأسباب المادية فقط، ولا على قوانين البلد الذي أَوَيْتَ إليه، بل تتوكل قبل ذلك وبعده على الرزَّاق الذي أخرجك وكفل رزقك وحمايتك ودَبَّرَ لك أمرك.


​خلاصة ودروس للواقع
​إن استقراءنا الواعي لهذه النصوص الشرعية يضع بين أيدينا حقائق عملية لا بد أن نعيش بها في واقعنا المعاصر:
​أولها: أن اليقين بأن الظلم طارئ والعدل هو الأصل يُعَدُّ من صميم عقيدتنا. خروج المضطهدين ليس هزيمة ولا نهاية للمطاف، بل هو انتقال من مساحة الضيق البشري إلى مساحة السَّعَة الربانية.
​ثانيها: أن الهجرة الحقيقية -كما عَلَّمَنَا نبينا ﷺ- هي أن نهجر ما نهى الله عنه. فلتكن هجرتكم هذه ميدانًا للثبات، ونموذجًا يُحْتَذَى للمسلم المعتز بدينه، الذي ينشر النور حيثما حَلَّ.
​ثالثها: تَحَمَّلُوا ابتلاءات الهجرة، وتحملوا القيل والقال، وتحملوا إخوانكم، واصبروا على بعضكم بعضًا، وكونوا صفًّا واحدًا يَشُدُّ بعضه بعضًا. واحفظوا ألسنتكم عن الزَّلَل، واحفظوا قلوبكم من الفتن والضغائن، واتقوا الله عز وجل في ذرياتكم، فهم أمانة الله في أعناقكم.
​وختامًا؛ أفرغوا قلوبكم من مرارة الماضي ومشاعر القهر، واملئوها بحسن الظن بالله وسكينة الرضا، فالمهاجر اليوم في عين الله وفي كَنَفِه وفي ضيافته.
​نسأل الله العظيم، يا مُؤْنِس كل غريب ويا جَابِر كل مكسور، أن يتقبل من المغتربين هجرتهم وصبرهم، وأن يربط على قلوبهم. اللهم اجعل لهم في ديار غربتهم حسنة وفي الآخرة حسنة، واخْلُفْ عليهم ما فقدوه خيرًا، ورُدَّهُم إلى ديارهم وأوطانهم أعِزَّة فاتحين منصورين غير خَزَايَا ولا مَفْتُونِين، إنك على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين.


​خادم القرآن الكريم
د. أحمد مهنا
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
إمام المركز الإسلامي بمدينة توليدو البرازيل

أحمد مهنا
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

رسالة المسجد في العصر الرقمي.. بين الواقع والمأمول

لقد كان المسجد عبر التاريخ الإسلامي من أهم مرتكزات الحضارة

بناء مشاعر الحب وفق المنهج النبوي .. حديث عمر بن الخطاب أنموذجاً

مشاعر الحُبّ من أنبل المشاعر وأطيبها وأقدرها على إحداث سلوكات

سلسلة مدرسة أُمنا هاجر (عليها السلام) – الحلقة الرابعة: الأمومة المؤمنة بين الفطرة والتسليم

تمهيد: من أكثر القضايا التي يختل فهمها في بعض الخطابات

آخر المقالات

100%