الحلقة الأولى
بعد نشرنا لموضوع “الأبعاد الحضارية للهجرة النبوية”، وعرض فكرة الهجرة ببعديها المعروفين: اللجوء السياسي والاجتماعي، والتأسيس للمجتمع ومؤسساته، رأينا من المناسب استحضار نماذج تطبيقية لهذه الأبعاد الحضارية، بعرض تجارب تطبيقية من التاريخ القديم والحديث، من خبرات نبوية وتجارب بعض المؤمنين والدعاة والمصلحين القدامى والمعاصرين، للكشف عن ديمومتها وبقائها مصدرًا للإلهام في تثبيت الأفكار الصالحة ومدافعة الأفكار الأقل شأنًا والمنافسة والمحاربة.
وقد اخترنا هذه النماذج المتنوعة على سبيل المثال لا الحصر، ولم نذكر هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ لكونها النموذج المحتذى المتميز باصطفاء الله له، وقد كانت موضوع حديثنا في مرحلة سابقة، وهي النموذج الأمثل، وإنما نكتفي بنموذجين سابقين للمرحلة الإسلامية، ونموذج بأمر من النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ونماذج أخرى معاصرة، كان مصدر إلهامها سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
تتميز هذه النماذج بجملة من الخبرات والتجارب، لا تستغني عنها تجربة دعوية أو إصلاحية في كل زمان ومكان؛ بل تكاد تشمل جميع الوسائل المؤثرة في الأنشطة الإصلاحية والفاعلة في حياة الإنسان، من الآليات التي يحتاج إليها المصلح في مسيرته أو يشعر بالحاجة إليها، بفضل ما لها من ثقل على عاتقه، في ممارسته واجب الإصلاح الذي قد يدفع به إلى الهجرة خوفًا على نفسه وعلى فكرته ومصير دعوته، إلى بلاد لم يخترها وإنما فرضت عليه، وهي نماذج لامعة خلدها التاريخ في حركة المدافعة الحضارية، والقاسم المشترك بين هذه النماذج هو الاضطرار إلى الهجرة، حمايةً لفكرة ورجالها، وحسن الاستثمار في الواقع الجديد وفي الفرص المتاحة، من أجل البقاء والاستمرار والخلود.
لقد كانت دعوات الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام قبل رسالة الإسلام الخاتمة دعواتٍ قوميةً في مواقع محدودة الزمان والمكان: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۚ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) [فاطر: 24]، ولم تكن الرؤى مكتملة كما هي على يد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بحيث كان القوم الذين يرفضون دعوة النبي ورسالته، رغم ما يأتيهم به من دلائل ومعجزات، يتعرضون للانتقام الإلهي، فيذهب الله بهم ويأتي بغيرهم، بحيث لم يكن أهل الرسالات يضطرون إلى الهجرة إلا نادرًا، اكتفاءً بالدعوة والصبر على المكاره، حتى إن سيدنا نوحًا عليه السلام، الذي يئس من قومه، قد اضطر إلى الدعاء على قومه (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا * رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا) [نوح: 26 – 28]؛ لأنه تأكد من أن القوم لا طائل من وراء الجهود التي كان يبذلها… (وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [هود: 36]، مثل الأرض البور التي لا تنبت عشبا، فيكون سقيها لا ثمرة له.
لقد كانت هناك هجرات قليلة في التاريخ، انتصارًا للقضايا وحمايةً للمبادئ وأهلها من قبل الرساليين، ولكنها لم تكن بالمنهجية والوضوح اللذين جاء بهما الإسلام ومارسهما النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وانتهجهما المسلمون بعده، ولذلك كانت هجرة النبي متميزة وهادفة إلى أبعد الحدود.
وما تميزت به الهجرة التي جاء بها الإسلام ومارسها النبي صلى الله عليه وسلم في تطبيقاته لها، أنها معلمًا فاصلًا بين من التزم بها ومن لم يلتزم: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [البقرة: 218]، و(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [الأنفال: 72]، فجعل الهجرة ميزةً لهم دون غيرهم ممن لم يهاجروا؛ بل وأثنى على مستقبليهم أيضًا، وجعل لهم من الفضل ما لا يقل أهميةً عن الفضل لأولئك المهاجرين: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: 9]، بحيث أضحت الهجرة خيرا على الجميع، على الذين هاجروا وعلى الذين استقبلوهم وناصروهم، بسبب ما لها ثقل في حركة النبي صلى الله عليه وسلم.
وبقي الباب مفتوحًا للهجرة متى اقتضت الضرورة إليها، ولكن بحكم أن الأصل في المجتمعات الاستقرار وإشاعة الفضيلة وحث المجتمعات على التماسك، وليس كثرة التنقل، فقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام النهي عن الهجرة بعد فتح مكة، بفضل انتفاء الضرورة الملجئة إليها، ولكن بحكم رسالية الإسلام لم يمكن من الممكن أن تُعطَّل الهجرة، ولذلك كان النهي في صورة الرفع من مستواها إلى مرتبة أعلى وأرفع وهي مرتبة الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام: “«لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استُنفرتم فانفروا”[1]، وفضيلة الجهاد، كما هو معلوم، أوسع وأعم من مجرد الانتقال من مكان إلى مكان آخر؛ بل إن الجهاد هو الذي سيحقق أهداف وغايات الهجرة التي كانت في سبيل التأسيس للمجتمع الإسلامي، عندما آخى النبي بين المهاجرين والأنصار، وهو ما تنبه إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولأهميته، في خلافته، عندما جعل التاريخ الإسلامي يبدأ من هجرة النبي، وبالأشهر القمرية، التي تمثل التناغم مع سنن الله في الخلق وقوانين الفلك وسير الطبيعة.
[1]– أخرجه الجماعة إلا مالك، عن ابن عيباس، جامع الأصول رقم 1040
