آخر الأخبار

مظاهر التقصير في الصلاة

شارك المقال على :

والمتأمل في الصلاة يجدها ، بعد الإقرار بكلمتي الشهادة، أهم الأركان الأربعة الباقية، ويتوقف عليها صلاح أعمال العبد كلها ، مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ﴿أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة﴾، وذلك لأهميتها بحيث لا تسقط فرضيتها في حال من الأحوال ، بخلاف شقيقاتها الزكاة والصوم والحج التي تسقط عن العبد في حالة كونه عاجزا عن القيام بها كما هو مفصل في الكتب الفقهية ؛ أما الصلاة فتبقى ملزمة في كل الأحوال ، فهي من التكاليف التي لا تبحث لها علل، بل يؤتى عليها لأنها أمر إلهي ، وعليه فلها وقت تؤدى فيه وجوبا ، ولا تؤخر إلا للضرورة ، كما أن لها فوائد تعود على العبد في العاجل والٱجل .
وعن وقتها الذي لا يجوز تآخيرها عنه , يقول القرٱن الكريم : “إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا” [النساء ، من الٱية102] وفصلت السنة مواقيتها كاملا، وبينت كيفية أدائها ، ورتبت على القيام بها عائدات في الدنيا والٱخرة ، كما أحاطتها بزواجر يعتبر اقتحامها خروجا عن دائرة الإسلام ؛ ولكيفية أداء الصلاة بداية ولكن ليست لها نهاية ، والناس في كليهما متفاوتون ؛ وبدايتها إيقاعها على شروطها وفرائضها وسننها ومستحباتها، بغض النظر عن نسبة الحضور القلبي ، فذاك أمر يتحكم فيه المطلع على السرائر سبحانه وتعالى ، فذلك مقام المسلم المبتديء بالصلاة ،فصلاة كهذه صحيحة شرعا ، ويبقى قبولها مرهون بمدى إخلاص العبد فيها ، ويتدرب خلالها استحضار القلب لحضرة الرب ليصل إلى الإيمان الراسخ الذي يطمئن القلب بذكر الله : “ألا بذكر الله تطمئن القلوب” [الرعد الآية29] ، وكلما زادت نسبة حضور القلب كانت صلاة العبد أقرب إلى الصواب والقبول : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) ، فهذا مقام المؤمن يخشى الله ويخشع له في صلاته : “وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين” [البقرة، من الٱية 44] ؛ وإذا تدرب العبد على التخشع حتى استقر قلبه حاضرا مع الله فيشاهده في كل حركات الصلاة وسكناتها فاتقاه ، كان ذلك صلاة المحسن وهي : ﴿أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك﴾. فذلك المقصد المطلوب الوصول إليه في الصلاة, فيتحقق فيها قول الحق جل وعلا : “إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون”، [العنكبوت, من الٱية45] .
ولنعلم مظاهر التقصير في الصلاة يجب أن نسأل أنفسنا عما حققناه من مغزى هذه الٱية الكريمة التي تلخص لنا فوائد الصلاة في كلمتين اثنتين ، يقول الحق في كتابه الكريم : “إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر” ، فالفحشاء والمنكر كلمتان جامعتان لكل المنكرات نية وقولا وعملا ،فظاهر تمسك المجتمع الإسلامي بالصلاة ليس بكثرة المساجد فيها واكتظاظها بالمصلين صباح مساء، وإنما بقلة انتشار الفحشاء والمنكر فيه ، لأن من فوائد الصلاة أنها تطهر المجتمع من الجور ومن الفسق والمجون ومتعلقاتها ، وكل ذلك موجود ومشهود في أكثر البلاد الإسلامية اليوم ، وأين إذن أثر الصلاة فيها ؟ ذلك لتقصيرهم في إعطاء الصلاة حقها من الحضور القلبي، أكثرهم حضورا ،فردا أم جماعة، أقلهم ارتكابا من الفحشاء والمنكر ؛ هذا في حق من يصلون ولا يؤدون حقها وهم كثرة ، لأن الصلاة ليست مجرد حركات وسكنات قياما وركوعا وسجودا ، بل سياحة للقلب في الحضرات الإلهية، وبتكرار هذه الفسحة خمس مرات في اليوم يتدرب المصلي على الإمتناع تدريجيا من ارتكاب الفحشاء والمنكر ، تماما كما أن شارب الخمر بامتناع شربها قبيل الصلاة يعد نفسه لترك الشرب نهائيا : “لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون” [النساء، من الٱية43] فكذلك الصلاة يداوم عليها للإبتعاد تماما عن قول الفحش وفعل المنكر ، وإلا فما أثر الصلاة في المسلم؟ ومع ذلك فإن انتشار الفحش والمنكر في المجتمعات الإسلامية ظاهر للعيان بشكل رهيب ، وذلك لتقصيرهم في الصلاة على النحو الذي وصفناه سابقا.
ومع وجود ظاهرة الإقبال على الصلاة في كثير من البلدان الإسلامية خاصة لدى الشباب والشابات إلا أن الكثير منهم إنما يأتونها مقلدين لذويهم ليس إلا : “قالوا حسبنا ما وجدنا عليه ءاباءنا أو لو كان ءاباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون” [المائدة، من الٱية 106] ، فيحتاجون إلى من يقوم بتوعيتهم في أحكام الفقه من الطهارة والصلاة؛ فمعظمهم إنما يحاكون في صلاتهم جهلا عن أحكامها ؛ والمعلوم أن من الأحكام ما تعلمها فرض عين على المسلم كأحكام الصلاة والطهارة والصوم ، مما يحتم على الدعاة بذل المزيد من التوعية والإهتمام بهذه الفئة من المسلمين في الإرشاد ، كل حسب طاقته المادية والمعنوية ، وعدم القيام بالواجب من التوعية والتعليم ضرب من التقصير أيضا في الصلاة ؛ وهناك ما هو شر من ذلك كله ، وهو التساهل الذي يبلغ حد هجرانها تماما مع قبول وجوبها ، فهذه هي التامة الكبرى التي مصيبتها على المجتمع الإسلامي لا تبقي ولا تذر ، ولا ينجو من إثمها أحد من أفراد المجتمع الإسلامي بوصفه أسرا تجمعت فتكونت مجتمعا , والله يقول : “وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها”, [طه، من الٱية131] فكما لا يتصور في الإسلام وجود فرد من غير أهل لا يتصور كذلك وجود مسلم لا يصلي فرضه ، ولهذا بينت السنة أن ما بين الإسلام والكفر ترك الصلاة ، ويستتاب ثلاثا فإن صلى وإلا يعد مرتدا ، والعياذ بالله ، وهذا مجهول لدى الكثير من المسلمين اليوم ، الأمر الذي يدل على أن المسلمين مع كثرتهم ،زادهم الله تقى، لا يزال الكثير منهم جاهلين عن دينهم الأمر الذي يدل أيضا على التقصير من الدعاة وأن لهم مسئولية كبيرة في التعليم والتثقيف والتوعية والإرشاد لأفراد الأمة المسلمة.

على أن المسؤوليات تختلف من شخص لٱخر ومن مؤسسة لأخرى من حيث الإمكانات المادية والمعنوية ، بكليهما تحقق عملية الدعوة الإسلامية أهدافها، ولا بد لكل شخص معني بالإسلام أن يبذل قصارى جهده للمشاركة في إنجاح عملية الدعوة ، فالموسرون يساهمون بخيراتهم جهادا في دعم المؤسسات الخيرية ، وهذه بدورها تلعب دور الوسيط في التوزيع وتمويل الفروع بما يلزم للتفرغ بالواجب نحو نشر الإسلام وتعاليمه في المجتمعات : “وتعاونوا على البر والتقوى”[المائدة، من الٱية3].
هكذا كانت البداية من دار الأرقم لابن أبي الأرقم الذي جعل دراه مركز الدعوة الأول ، وهي كما ترى بداية محكمة ومباركة يجب السير عليها قدما للنتائج المذهلة التي أتت بها، “الصلاة عماد الدين فمن أقامها فقد أقام الدين ، ومن تركها فقد هدم الدين” ، وهذا ليس معلوما لدى العامة من المسلمين، ودور العلماء في الأمة تعليم أبنائها وإرشادها :
“إنما بعثت معلما”، والله ولي التوفيق والسداد ، وصلى الله
وسلم على رسول الله صلى الله وعلى ٱله وصحبه ومن والاه .

    دكار من ذي الحجة 3445ه‍
            13 يونيو 2025م 
 أحمد بكار أحمد الشيخ انيانغ
أحمد بكار أحمد الشيخ انيانغ
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

الهجرة: من حدثٍ تاريخي إلى مشروع حياة

من بين الأحداث التي شكّلت مسيرة التاريخ الإنساني، قلّما نجد

الهجرة وإعادة تشكيل الإنسان والأسرة والهوية

مقدمة: الهجرة بوصفها ظاهرة إنسانية مركّبةتُعدّ الهجرة من أكثر الظواهر

تجارب تطبيقية للأبعاد الحضارية للهجرة النبوية

الحلقة الأولى بعد نشرنا لموضوع “الأبعاد الحضارية للهجرة النبوية”، وعرض

آخر المقالات

100%