آخر الأخبار

قيمة العقيدة في تقرير المصير

شارك المقال على:

الهند بلد علماني، ديمقراطي، مبدؤه النمط الاشتراكي في الحكم، وقد وضع الواضعون لدستور الهند أساس البلد على هذه المبادئ الثلاثة، لأن الهند بلد تعيش فيها أديان مختلفة،وجنسيات متعددة،وحضارات متنوعة، وفي سكانها الهندوس والمسلمون والمسيحيون والمجوس وغيرهم، وتختلف الأديان في عقائدها وتعاليمها وقيمها ومنهج حياتها اختلافًا واضحًا، كالجينيين، والبوذيين، والسيخ، وينقسم الهندوس أنفسهم إلى فرق وطوائف تكاد تشكل ديانات مستقلة بذاتها،وهناك اختلاف سلالي ولغوي وثقافي، وتاريخي كذلك، وفي الشمال والجنوب توجد فوارق واسعة، أما القبائل وهي منتشرة في مختلف أنحاء الهند، فهي تختلف فيما بينها اختلافًا بينًا، وهناك اختلاف طبقي، وهو اختلاف عنيف يؤدي أحيانًا إلى الصراع والقتال، ولذلك وضع الواضعون للدستور إزالة الفوارق بين الطبقات نصب أعينهم، واتخذوا إجراءات دستورية لرفع مستوى الطبقات المتخلفة، وحرَّم الدستور التمييز الطبقي والعنصري.
وإن الدستور الهندي مؤسَّسٌ على المساواة وعدم التمييز على أساس العقيدة، واللون، والطبقة، والجنس، ويؤكد على إتاحة فرص متساوية لجميع المواطنين، ويفرض عقوبات على ممارسة التمييز، ويمنح الدستور حقوقًا للأقليات اللغوية والدينية والثقافية والقبائل لكي تحتفظ بشخصيتها ومميزاتها، ولكي تزدهر ولا تذوب، وكان شعار بناة الهند كما قال جواهر لال نهرو رئيس الوزراء الهندي الأول بعد الاستقلال، وهو يشرح تصور المجتمع الهندي: “الوحدة في التنوع”.
كانت هذه المبادئ الدستورية في مصلحة البلاد، وكانت فيها مراعاة لطبيعة الحياة في البلد، ولذلك كان الدستور الهندي الذي وُضِع بعد دراسة عميقة لدساتير العالم المختلفة، من أفضل دساتير العالم باعتبار صلاحيته لخلق الانسجام بين مختلف الطبقات، واحتفظ بهذه الروح قادةُ البلاد الأولون.
ولكن في السنوات الإثنتي عشرة الماضية انقلب الوضع ظهرًا لبطن، يُمارَسُ التمييز العنصري، وتُبْذَل الجهود لتهميش الأقليات والأقلية المسلمة بخاصة،وتُتَّخذ إجراءات مدبرة لتضييق خناق الحياة على المسلمين، وطمس معالمهم التاريخية، ومحاربة الشعائر الدينية، وفرض العقوبات على التعليم الديني، وهدم المساجد والمدارس، والقضاء على الشخصية الإسلامية والهوية الدينية، وتُدْخل مواد في المناهج التعليمية تتعارض مع عقيدة المسلمين، وتضلل الأذهان، وتثير النفوس، وتعرض التاريخ مشوَّهًا، وتُدْمَر منازل المسلمين بأعذار واهية، وتَجْرِي الاعتقالاتُ غير القانونية، وتُكَمَّم الأفواه،ويُقْمَع من يلاحظ فيه حماس ديني، ويتعرض المسلم للهجوم المباغت، وتجري محاولات مخططة لإقصاء المسلمين من المشاركة في التصويت،وتقليل نفوذهم في الحكم والوظائف، وفرض القانون المدني الموحد قسرًا و… و…. وقد توغلت عناصر في الحكم تريد أن تتحول البلاد إلى بلد هندوسي،ونشطت الحركات والمنظمات الهندوسية لتحقيق هذا الغرض، وتنحاز الحكومة إلى هذه الحركات، تمنحها قوة وحماية، ويلاحظ هذا الانحياز في السياسة والتعليم والإعلام والإدارة والثقافة.
وقد تصاعد التعصُّب،فتدعو بعض المنظمات إلى فرض اللون الهندوسي على المجتمع، وتطالب بدمج الأقليات في هذا اللون، وإن كانت هذه المطالبة تتنافى مع تصور الدستور الهندي العلماني، وتنظر إلى المسلمين بعين السخط، والكراهية، وتدعو الحكومةَ إلى سحب كل ما يمنح المسلمين من حقوق كأقلية، وتسعى هذه المنظمات والهيئات لإيجاد الشعور بعدم السلامة في المسلمين، وعدم الاستقرار، وإقصائهم من منابع القوة، ومراكز النفوذ والتأثير، ولتوغُّل الرجال المتعصبين في الشرطة والإدارة والقضاء والتعليم، لا يُنْصَف المسلمون إذا وقعوا فريسـة للاعتداء أو الظلم، بل تُحَاك ضدهم التُّهَم، ويُحَمَّلُون هم أنفسهم المسئولية عما يحدث في البلاد من الفوضى والقلق والاضطراب.
ولا شك في أن هذه الأوضاع والمشكلات تُحَدِث في المسلمين الإحباط واليأس، ولكنها غمراتٌ ستنجلي، وتزول هذه المشكلات إذا أثبت المسلمون صبرهم واحتمالهم،وجدارتهم واستقامتهم، واعتمادهم على الله،واتحدوا فيما بينهم نابذين وراءهم الانتماءات الفكرية والحزبية والخلافات الفقهية والمذهبية، وعالجوا الأمور بحكمة وأناة ورفق، وقُدِّرت لهم القيادة الرشيدة المتزنة الجريئة، فعلى المسلمين أن يقرروا العيش في البلد بكامل خصائصهم الملية، وحضارتهم الإسلامية، وشعائرهم الدينية، وبأخلاقهم وقيمهم، وبشخصيتهم الإسلامية، لا يتخلون عن شعيرة من شعائرهم، وعليهم أن لا يعيشوا مجردين عن هذه الخصائص، فيجب عليهم أن يعيشوا حياة كريمة شريفة، لا يعيشون حياة البهائم الداجنة والكلاب المقتناة، ولا يقتنعون بحرية الأكل والشرب، وضمانة الرواتب، وتكافؤ الفرص، في قضاء مأرب النفس، وتولي الوظائف فحسب، بل عليهم أن يرفضوا هذا الأسلوب من الحياة، وهذا المنهج من التفكير،يقول الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي في كلمة له ألقاها في مؤتمر التعليم الإسلامي المنعقد في 4 و5 من يونيو عام 1961م في لكناؤ:
” إننا لا نعيش في الهند حياة العبيد، إننا أبناء هذه البلاد، لنا من الحقوق و الحظوظ ما لغيرنا،إننا بناة هذه البلاد، و من مؤسسي حضارتها، و أصحاب الفضل عليها، و ليس لقوة في العالم أن تسلبنا هذا الحق الطبيعى، وهذا الحق الدستورى، لقد انقضى عهد الاستعباد و الاستعمار، وليس لشعب أن يستعبد شعبًا آخر، و ليس لحضارة أن تقتل حضارة أخرى، و ليس للغة أن تقضى على لغة أخرى.
أيها الإخوة فى هذا الثلث الأخير من الليل الذي تنزل فيه رحمة الله و يجاب الدعاء وتصفو القلوب ، نعاهد بكل إخلاص أننا سنبقى في هذه البلاد بإسلاميتنا و إسلامية أجيالنا القادمة، و نبذل فى هذا السبيل كل رخيص و غال، ونحتمل السراء والضراء، و نكون من إحدى الطائفتين اللتين ذكرهما الله تعالى في سورة الأحزاب: “من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، و منهم من ينتظر، و ما بدلوا تبديلا” .(مقتبس من كتاب “المسلمون في الهند”)
فنحن المسلمين في الهند بأمس حاجة إلى التمسك بعقيدة الإسلام الصافية النقية في كل مرفق من مرافق الحياة، وأن يصطبغ كل جزء من أجزاء الحياة بصبغة الإيمان،وإن العقيدة –كما كتب الأستاذ محمد واضح رشيد الحسني الندوي في مقال له نشرته البعث الإسلامي في ربيع الأول،1401هـ -” مهما كانت، إذا كانت راسخة في القلب، فإنها تكوِّن مصير الإنسان، وتصرف اتجاهه، وتهون عليه المتاعب والصعوبات التي تعترض في سبيله، فكانت هذه العقيدة رائدة المسلم في القرن الأول من التاريخ الإسلامي، التي نقلته من قارة إلى قارة، يعبر البحار، ويجتاز الغابات، ويقهر الجبال، ويحطم الأغلال والسلاسل، ويضحي بكل ما يملك من متعة الحياة ورخائها، ورغد العيش وبهائه، في سبيل رفع صوت الحق، وإعلاء كلمة العدل، فأصبحت هذه العقيدة أساس الحياة، وصار كل ما كان يبذله في سبيلها، رخيصًا في عينه، وكل ما يواجهه من تعذيب وشقاء وقساوة، حلاوة في قلبه”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

محمد وثيق الندوي
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

رسالة المسجد في العصر الرقمي.. بين الواقع والمأمول

لقد كان المسجد عبر التاريخ الإسلامي من أهم مرتكزات الحضارة

بناء مشاعر الحب وفق المنهج النبوي .. حديث عمر بن الخطاب أنموذجاً

مشاعر الحُبّ من أنبل المشاعر وأطيبها وأقدرها على إحداث سلوكات

سلسلة مدرسة أُمنا هاجر (عليها السلام) – الحلقة الرابعة: الأمومة المؤمنة بين الفطرة والتسليم

تمهيد: من أكثر القضايا التي يختل فهمها في بعض الخطابات

آخر المقالات

100%